العمارة الطينية في جزيرة دقرتا
هنالك دائماً رومانسية تصبغ فكرة العودة للبلد ذات الطبيعة البكر والغذاء الصحي والحياة الطبيعية التي ينشدها سكان المدن؛ فخلف هذه الطبيعة غير المشوهة هنالك الكثير من عدم التنمية والفقر وذلك في جميع أطراف السودان وليس في إقليم واحد.















/ الاجابات
مقدمة:
دقرتا أو دقرتي، الاسمان مستخدمان من قبل سكان الجزيرة، ويعود معنى الاسم إلى أن "دقرتي" تحولت لاحقًا إلى "دقرتا"، حيث تعني "أرتي": جزيرة بلغة الفاديجا، بينما تحمل كلمة "دقر" معنيين: الأول هو "ترحيل العروس إلى بيت زوجها"، والثاني هو "ربط عود في البحر بهدف تجميع الطمي حوله وتكوين جزيرة رسوبية بفعل الإنسان".
تقع جزيرة دقرتا في شمال السودان وتتبع لمدينة كرمة ضمن محلية البرقيق. يُعتقد أن الجزيرة مأهولة منذ آلاف السنين، حيث يعيش سكانها في منتصفها، بينما تقع الأراضي الزراعية على أطرافها.
قبل الحرب، كان تعداد سكان الجزيرة يتراوح بين ٦٠٠ إلى ٧٠٠ فرد، إلا أنه مع النزوح، عاد إليها ما يقارب ٣٤٠ شخصًا، معظمهم من السكان الأصليين العائدين إلى بيوتهم المهجورة.
المقدمة مأخوذة من مقال لمجلة أتر العدد ١٩، المنشور بتاريخ ٢٩ فبراير ٢٠٢٤

عمارة الطين:
تختلف معايشة البناء الطيني حسب معطيات عدة، مثلاً أين يقع هذا البناء؟ هل هو في منطقة رطبة أم جافة (منطقة تقع التأثير المناخي للسدود)، ما هي طبيعة الأرض هناك (رملية، طينية أم حجرية)، ومن الذي يقيّم تجربة المعايشة، هل هو من السكان الأصليين أم نازح للمنطقة بسبب حرب أبريل، وأخيراً الاختلافات الفردية، فما يناسبك قد يناسبني أو لا.
ولكن لنتفق أن أزمة النزوح لها وجه أكثر قتامة من العودة الطوعية للموطن الأصلي ومسقط رأس الآباء والأجداد، هنالك دائماً رومانسية تصبغ فكرة العودة للبلد ذات الطبيعة البكر والغذاء الصحي والحياة الطبيعية التي ينشدها سكان المدن؛ فخلف هذه الطبيعة غير المشوهة هنالك الكثير من عدم التنمية والفقر وذلك في جميع أطراف السودان وليس في إقليم واحد.
في إحدى خيالاتي السابقة أني أمتلك بيتاً طينيَّاً مزخرفاً بزخارف تقليدية في البلد، ومزرعة صغيرة بها محاصيل موسمية وأشجار فاكهة بجانبه للاكتفاء الذاتي. أرى في ذلك تكفيراً عن حياتي في المدينة السودانية المسيئة لفكرة المواطنة والجمال والتحضر، وبحثاً عن هويتي الضائعة، وعقد صداقة غير مشروطة مع البيئة، لكن هذا الحلم تلاشى أمام عيني بعدما عشت في هذه المنازل لأشهر طويلة اختبرت فيها الشتاء والصيف، وسألت فيها نفسي سؤالاً غريباً: لماذا لا تزال العمارة الطينية في جزيرة دقرتا هي العمارة المستخدمة ولم تُنقل إلى خانة التراث؟ ما أجمل أن أقرأ عنها في صفحات التقارير والدراسات. وما أجمل صورها على صفحات الإنترنت، وما أقسى العيش بداخلها كما هي ودون حلول حديثة.

المهمات الموكلة للرجل والمرأة في الجزيرة والزيارات الاجتماعية اليومية تخفِّف من حدة الشعور بحر الصيف وبرد الشتاء، حيث لا يظل ساكن الجزيرة في غرفته طوال اليوم كما فعلت أنا على الأقل.
الديمومة هي تحدٍّ آخر لهذه العمارة، حيث هي دائمة التعرض للهدم، وتغدو أطلالاً بعد سنوات بسيطة من هجرانها عكس المباني المشيدة من مواد البناء الأخرى (الحجرية والأسمنتية والمشيَّدة بالطوب الأحمر). لذا الصيانة الدورية هي جزء أساسي للحياة التي تُمليها الجزيرة، البيت كالكائن الحي له احتياجاته وسُكّانه لا يتذمّرون من العناية به. كان للمباني المهجورة دور عظيم في استضافة النازحين من الغرباء والعائدين من مواطني الجزيرة الأصليين إليها في فترة الحرب، ونسبة لسهولة أسلوب التشييد، فإن الأطلال تم ترميمها بسرعة قياسية لاحتواء هذه الأعداد الكبيرة.
لم يكن بناء المنازل الطينية في جزيرة دقرتا أمراً اختيارياً، نسبة انعزال الجزيرة وصعوبة نقل مواد البناء الحديثة (أسمنت، رمل، طوب أحمر أو أسمنت وحديد تسليح وغيرها) ولضيق المساحة، فلا توجد هناك مساحة آمنة لكمائن حرق الطوب دون التسبب بأضرار صحية لسكان الجزيرة، بالطبع هناك من يستطيع تحمّل نفقات تعدية وترحيل هذه المواد لكنهم قلة، والمشاريع الكبيرة التي أُنشأَت بالتمويل الحكومي أو الخاص فقط -مثل المدرسة الإبتدائية الوحيدة والمركز الطبي والمسجدين (قبلي وبحري التي تعني جنوب وشمال الجزيرة)- هي التي تم بناؤها بالطوب الأحمر وتم تشطيبها بمواد التشطيب الحديثة.
الوضع الاقتصادي لمعظم سكان الجزيرة يعتمد على الزراعة الموسمية لمحاصيل (القمح والفول المصري والتمور)، وبصورة جزئية على أبنائهم المغتربين خارج السودان. في السنوات الأخيرة أُدخِلَت الأسمدة والمبيدات كشيء أساسيّ لضمان نجاح المواسم الزراعية، لأن الطمي الذي كان يحمل المغذيات للتربة بدأ في التناقص بصورة كبيرة منذ إنشاء سد مروي، وبالتأكيد فإن أسعار المحاصيل بالنسبة لسكان الجزيرة تكون أقل بنسبة كبيرة عن سكان البر لأن ثمن تَعدِيَة جوالات المحاصيل تقع على عاتق المزارع الذي يريد بيع محصوله، كل ذلك يجب النظر إليه كسبب رئيسي عند سؤالنا لما لا تزال معظم البيوت هنالك تبنى بنفس طريقة التشييد القديمة؟ ولماذا لا تحوي وسائل تبريد وتدفئة حديثة تُعِين سكانها على الأيام الصعبة؟. الخدمات المقدمة من الحكومة، كشبكة المياه، هي بالتأكيد أمر إيجابي، إذ تم توصيل مواسير المياه لكل منزل. وسلبي في أن النساء، قبل هذه الشبكة، كنَّ يذهبن إلى النيل كنشاطٍ اجتماعيّ نسائيّ. كل النساء كبيرات السن في الجزيرة يعرفن السباحة. ولم يكنّ يجلسن في بيوتهنّ خلال النهار ليعانين من الحر الشديد. عند النظر لكل شيء يُقَدَّم كحل لمشكلة أزلية نرى أن له أثراً لم يكن موضوعاً في الاعتبار.
من ماذا يتكون المنزل:
يتكون المنزل من غرف وبرندات ومطبخ ومزيرة، أما ملحقاته، خارج السور، فهي مطبخ خارجي للعواسة إذا كان المنزل ضيّقاً وبرج حمام وراكوبة للرجال بها كراسي وأسرة لاستقبال الضيوف ومزيرة خارجية، والرصة والقوسيبة.

بالنسبة لدورة المياه فليست هناك شبكة صرف صحي لضيق مساحة الجزيرة أو تانك شفط، كما لا توجد عربة بمحرك في الجزيرة ما عدا محراث واحد لكلّ مزارع الجزيرة. الحل المستخدم هو بئر تُحفَر خلف الحمام بمواسير صرف pvc وتكون للبئر هوَّاية فقط.. ولا يتم استخدام الكثير من المياه حتى لا تُملأ البئر سريعاً، أما الاستحمام فيتم تصريف المياه ببلاعة خارجية تُغرَف لاحقاً، عند امتلاء بئر الصرف الصحي فإن الحمام يُلغَى ويتم بناء حمام جديد ببئر جديدة. ويمكن أن يبنى الحمّام خارج المنزل إذا كانت المساحة ضيقة. مياه غسل الأطباق التي تستخدم في طشت وجردل يتم دفقها في الشارع، أو عمل جدول من البيت إلى أقرب زقاق خارجي أو قطعة أرض خالية.

نرجع لأول مكونات المنزل:
يمكن قطع الطوب (تشكيل الطين في قوالب وتركها في الأرض لتجف) في مكانٍ خالٍ من الزراعة. ولكن ليس ببعيد من المنزل المراد تشييده، يُمكِن أن يشكل في مزرعة لم تتم حراثتها بعد للمحصول الجديد. وفي حادثة تم غمر كمية طوب كبيرة بالمياه لأن المزارع الذي يجب أن يحرص على سقي محصوله بالماء وقَفْل الترعة في مواعيد محددة، نام تلك الليلة، واستيقظ صاحب الطوب على حدث حزين وكأن مجهوده ضاع هباء. قَطْع الطوب عمل مأجور وقد يقوم به صاحب المنزل بنفسه تقليلاً للتكاليف، وكذلك نقل الطوب بالكارو من مكان القطع للبيت، فيما عدا ذلك فإن كل العمل يتم بالنفير (كل الرجال يجتمعون للبناء ووضع السقف ثم تأتي النساء أيضاً لليابسة بعد ذلك بالطين المغربل والصمغ). وكل المباني في الجزيرة تحوي طابقاً أرضيّاً فقط.

ما هي مواد البناء:
- طوب من الطين اللبن.
- مونة من الطين.
- بياض داخلي وخارجي من الطين.
- أحجار توضع أعلى الحائط لوضع عوارض السقف عليها.
- عوارض سقف من جذوع الأشجار.
- سقف من الجريد أو البوص فوقه طبقة من الطين لسد الفجوات.
- زنك ومواسير حديد (إذا كان السقف من الزنك فيمكن الاستغناء عن الفجوة التي تفصل بين السقف والحائط، والتي لها دور بجانب التهوية وهو منع الأرضة من الوصول للسقف ونخره، كما يظهر في المبنى المصاحب لصور بئر الحمام).

كل عام يتم تلييس المنزل مرتين على الأقل (الحوائط والأرضيات) نسبة لتأثر طبقة الحماية الخارجية بعوامل الطقس؛ حيث تُسَد الثقوب التي يمكن أن تخرج منها العقارب والآفات، ولتزيين المنزل أيضاً في الأعياد. لكن لوقوع الجزيرة في منطقة مصابة بآفة الأرضة فإن البناء بالطين، وبالرغم من دقة غربلة التربة، لا بدّ أن يصحبه وجود قش تتغذى عليه هذه الآفة، مما يجعل الحل المطروح للأثاث هو الأثاث المعدني، أو رفع القطع الخشبية في قاعدة حجرية أو بلاستيكية بحيث لا تنخره الأرضة صغيرة الحجم ذات الضرر الكبير. أما لماذا تأخذ المباني درجات مختلفة من اللون الترابي مع أنها من نفس الأرض؟ فالإجابة هي في نسبة الصمغ، وهو مسحوق يُضاف للطين ويزيد من لزوجته وتماسكه فيما بعد على الحائط، اختلاف كمية الصمغ هو ما يجعل من بيت أغبش وبيت ترابي كالح.
يجب أيضاً النظر للتغيّرات المناخية المتطرّفة بعين الاعتبار، فكما يظهر في التقارير التي ترصد ظاهرة النينو العالمية التي يقع السودان في مقدمة الدول المتأثِّرة بها، تهدّمت في خريف العام ٢٠٢٤ منازل كثيرة في البر المحازي للجزيرة، لأنها تقع في مجاري السيول الطبيعية، ( بالطبع فإن الطبيعة المناخية الصحراوية لن تعير اهتماما لمعدل أمطار شحيحة أو منعدمة عادة، وعندما تهطل بغزارة فإنها تكون ظاهرة يُؤرَّخ بها)، ذلك قبل أن يصير تزايد هطول الأمطار في الولاية أمراً معتاداً في السنوات الأخيرة. وتكاليف الصيانة الدورية، أو في أسوأ الفروض نقل المبنى في منطقة مرتفعة أو بعيداً عن مجرى السيل، يُعتبرُ أمراً حتميّاً. من الجيد أنه لم تقع حوادث هدم للمباني داخل الجزيرة، لم يَخْلُ الأمر من اقتلاع أسقف من الزنك من حوائطها نظراً لشدة الرياح التي صاحبت الأمطار، وأيضاً اختلاف مناسيب المباني والشوارع فإن المياه لم تُحبس داخل المباني لمدة طويلة لتتشرَّب الحوائط بها. الآن، وأثناء كتابة هذا النص في الأسبوع الثالث من فبراير، فإن أهالي الجزيرة يعانون من موجات برد حادة يستخدمون بعضهم فيها ما استخدمه أجدادهم في التدفئة: طشت حديد به نار داخل الغرف على هذه الطريقة تقيهم قسوة الطبيعة. ولن ننسى أيضاً درجات الحرارة القياسية المرصودة في صيف نفس العام، حيث كانت تبلغ في شهر مايو ويونيو 46 درجة مئوية كمتوسط.
تُقبَل هذه التغيرات كواقع جديد مبني على دراسات مناخية وليس كظواهر قد تحدث لعام ولن تتكرر قريباً، وقد يكون لبنة أولى في النظر لضرورة إيجاد حلول مستدامة بمواد محلية من قبل المعماريين تجعل العيش في مبنى طينيّ عيشاً يخلو من المخاطر الملازمة لكل فصل من فصول السنة.
صورة العنوان وجميع صور المعرض: جزيرة داجارتا، شمال السودان، ٢٠٢٤ © آية سنادة
مقدمة:
دقرتا أو دقرتي، الاسمان مستخدمان من قبل سكان الجزيرة، ويعود معنى الاسم إلى أن "دقرتي" تحولت لاحقًا إلى "دقرتا"، حيث تعني "أرتي": جزيرة بلغة الفاديجا، بينما تحمل كلمة "دقر" معنيين: الأول هو "ترحيل العروس إلى بيت زوجها"، والثاني هو "ربط عود في البحر بهدف تجميع الطمي حوله وتكوين جزيرة رسوبية بفعل الإنسان".
تقع جزيرة دقرتا في شمال السودان وتتبع لمدينة كرمة ضمن محلية البرقيق. يُعتقد أن الجزيرة مأهولة منذ آلاف السنين، حيث يعيش سكانها في منتصفها، بينما تقع الأراضي الزراعية على أطرافها.
قبل الحرب، كان تعداد سكان الجزيرة يتراوح بين ٦٠٠ إلى ٧٠٠ فرد، إلا أنه مع النزوح، عاد إليها ما يقارب ٣٤٠ شخصًا، معظمهم من السكان الأصليين العائدين إلى بيوتهم المهجورة.
المقدمة مأخوذة من مقال لمجلة أتر العدد ١٩، المنشور بتاريخ ٢٩ فبراير ٢٠٢٤

عمارة الطين:
تختلف معايشة البناء الطيني حسب معطيات عدة، مثلاً أين يقع هذا البناء؟ هل هو في منطقة رطبة أم جافة (منطقة تقع التأثير المناخي للسدود)، ما هي طبيعة الأرض هناك (رملية، طينية أم حجرية)، ومن الذي يقيّم تجربة المعايشة، هل هو من السكان الأصليين أم نازح للمنطقة بسبب حرب أبريل، وأخيراً الاختلافات الفردية، فما يناسبك قد يناسبني أو لا.
ولكن لنتفق أن أزمة النزوح لها وجه أكثر قتامة من العودة الطوعية للموطن الأصلي ومسقط رأس الآباء والأجداد، هنالك دائماً رومانسية تصبغ فكرة العودة للبلد ذات الطبيعة البكر والغذاء الصحي والحياة الطبيعية التي ينشدها سكان المدن؛ فخلف هذه الطبيعة غير المشوهة هنالك الكثير من عدم التنمية والفقر وذلك في جميع أطراف السودان وليس في إقليم واحد.
في إحدى خيالاتي السابقة أني أمتلك بيتاً طينيَّاً مزخرفاً بزخارف تقليدية في البلد، ومزرعة صغيرة بها محاصيل موسمية وأشجار فاكهة بجانبه للاكتفاء الذاتي. أرى في ذلك تكفيراً عن حياتي في المدينة السودانية المسيئة لفكرة المواطنة والجمال والتحضر، وبحثاً عن هويتي الضائعة، وعقد صداقة غير مشروطة مع البيئة، لكن هذا الحلم تلاشى أمام عيني بعدما عشت في هذه المنازل لأشهر طويلة اختبرت فيها الشتاء والصيف، وسألت فيها نفسي سؤالاً غريباً: لماذا لا تزال العمارة الطينية في جزيرة دقرتا هي العمارة المستخدمة ولم تُنقل إلى خانة التراث؟ ما أجمل أن أقرأ عنها في صفحات التقارير والدراسات. وما أجمل صورها على صفحات الإنترنت، وما أقسى العيش بداخلها كما هي ودون حلول حديثة.

المهمات الموكلة للرجل والمرأة في الجزيرة والزيارات الاجتماعية اليومية تخفِّف من حدة الشعور بحر الصيف وبرد الشتاء، حيث لا يظل ساكن الجزيرة في غرفته طوال اليوم كما فعلت أنا على الأقل.
الديمومة هي تحدٍّ آخر لهذه العمارة، حيث هي دائمة التعرض للهدم، وتغدو أطلالاً بعد سنوات بسيطة من هجرانها عكس المباني المشيدة من مواد البناء الأخرى (الحجرية والأسمنتية والمشيَّدة بالطوب الأحمر). لذا الصيانة الدورية هي جزء أساسي للحياة التي تُمليها الجزيرة، البيت كالكائن الحي له احتياجاته وسُكّانه لا يتذمّرون من العناية به. كان للمباني المهجورة دور عظيم في استضافة النازحين من الغرباء والعائدين من مواطني الجزيرة الأصليين إليها في فترة الحرب، ونسبة لسهولة أسلوب التشييد، فإن الأطلال تم ترميمها بسرعة قياسية لاحتواء هذه الأعداد الكبيرة.
لم يكن بناء المنازل الطينية في جزيرة دقرتا أمراً اختيارياً، نسبة انعزال الجزيرة وصعوبة نقل مواد البناء الحديثة (أسمنت، رمل، طوب أحمر أو أسمنت وحديد تسليح وغيرها) ولضيق المساحة، فلا توجد هناك مساحة آمنة لكمائن حرق الطوب دون التسبب بأضرار صحية لسكان الجزيرة، بالطبع هناك من يستطيع تحمّل نفقات تعدية وترحيل هذه المواد لكنهم قلة، والمشاريع الكبيرة التي أُنشأَت بالتمويل الحكومي أو الخاص فقط -مثل المدرسة الإبتدائية الوحيدة والمركز الطبي والمسجدين (قبلي وبحري التي تعني جنوب وشمال الجزيرة)- هي التي تم بناؤها بالطوب الأحمر وتم تشطيبها بمواد التشطيب الحديثة.
الوضع الاقتصادي لمعظم سكان الجزيرة يعتمد على الزراعة الموسمية لمحاصيل (القمح والفول المصري والتمور)، وبصورة جزئية على أبنائهم المغتربين خارج السودان. في السنوات الأخيرة أُدخِلَت الأسمدة والمبيدات كشيء أساسيّ لضمان نجاح المواسم الزراعية، لأن الطمي الذي كان يحمل المغذيات للتربة بدأ في التناقص بصورة كبيرة منذ إنشاء سد مروي، وبالتأكيد فإن أسعار المحاصيل بالنسبة لسكان الجزيرة تكون أقل بنسبة كبيرة عن سكان البر لأن ثمن تَعدِيَة جوالات المحاصيل تقع على عاتق المزارع الذي يريد بيع محصوله، كل ذلك يجب النظر إليه كسبب رئيسي عند سؤالنا لما لا تزال معظم البيوت هنالك تبنى بنفس طريقة التشييد القديمة؟ ولماذا لا تحوي وسائل تبريد وتدفئة حديثة تُعِين سكانها على الأيام الصعبة؟. الخدمات المقدمة من الحكومة، كشبكة المياه، هي بالتأكيد أمر إيجابي، إذ تم توصيل مواسير المياه لكل منزل. وسلبي في أن النساء، قبل هذه الشبكة، كنَّ يذهبن إلى النيل كنشاطٍ اجتماعيّ نسائيّ. كل النساء كبيرات السن في الجزيرة يعرفن السباحة. ولم يكنّ يجلسن في بيوتهنّ خلال النهار ليعانين من الحر الشديد. عند النظر لكل شيء يُقَدَّم كحل لمشكلة أزلية نرى أن له أثراً لم يكن موضوعاً في الاعتبار.
من ماذا يتكون المنزل:
يتكون المنزل من غرف وبرندات ومطبخ ومزيرة، أما ملحقاته، خارج السور، فهي مطبخ خارجي للعواسة إذا كان المنزل ضيّقاً وبرج حمام وراكوبة للرجال بها كراسي وأسرة لاستقبال الضيوف ومزيرة خارجية، والرصة والقوسيبة.

بالنسبة لدورة المياه فليست هناك شبكة صرف صحي لضيق مساحة الجزيرة أو تانك شفط، كما لا توجد عربة بمحرك في الجزيرة ما عدا محراث واحد لكلّ مزارع الجزيرة. الحل المستخدم هو بئر تُحفَر خلف الحمام بمواسير صرف pvc وتكون للبئر هوَّاية فقط.. ولا يتم استخدام الكثير من المياه حتى لا تُملأ البئر سريعاً، أما الاستحمام فيتم تصريف المياه ببلاعة خارجية تُغرَف لاحقاً، عند امتلاء بئر الصرف الصحي فإن الحمام يُلغَى ويتم بناء حمام جديد ببئر جديدة. ويمكن أن يبنى الحمّام خارج المنزل إذا كانت المساحة ضيقة. مياه غسل الأطباق التي تستخدم في طشت وجردل يتم دفقها في الشارع، أو عمل جدول من البيت إلى أقرب زقاق خارجي أو قطعة أرض خالية.

نرجع لأول مكونات المنزل:
يمكن قطع الطوب (تشكيل الطين في قوالب وتركها في الأرض لتجف) في مكانٍ خالٍ من الزراعة. ولكن ليس ببعيد من المنزل المراد تشييده، يُمكِن أن يشكل في مزرعة لم تتم حراثتها بعد للمحصول الجديد. وفي حادثة تم غمر كمية طوب كبيرة بالمياه لأن المزارع الذي يجب أن يحرص على سقي محصوله بالماء وقَفْل الترعة في مواعيد محددة، نام تلك الليلة، واستيقظ صاحب الطوب على حدث حزين وكأن مجهوده ضاع هباء. قَطْع الطوب عمل مأجور وقد يقوم به صاحب المنزل بنفسه تقليلاً للتكاليف، وكذلك نقل الطوب بالكارو من مكان القطع للبيت، فيما عدا ذلك فإن كل العمل يتم بالنفير (كل الرجال يجتمعون للبناء ووضع السقف ثم تأتي النساء أيضاً لليابسة بعد ذلك بالطين المغربل والصمغ). وكل المباني في الجزيرة تحوي طابقاً أرضيّاً فقط.

ما هي مواد البناء:
- طوب من الطين اللبن.
- مونة من الطين.
- بياض داخلي وخارجي من الطين.
- أحجار توضع أعلى الحائط لوضع عوارض السقف عليها.
- عوارض سقف من جذوع الأشجار.
- سقف من الجريد أو البوص فوقه طبقة من الطين لسد الفجوات.
- زنك ومواسير حديد (إذا كان السقف من الزنك فيمكن الاستغناء عن الفجوة التي تفصل بين السقف والحائط، والتي لها دور بجانب التهوية وهو منع الأرضة من الوصول للسقف ونخره، كما يظهر في المبنى المصاحب لصور بئر الحمام).

كل عام يتم تلييس المنزل مرتين على الأقل (الحوائط والأرضيات) نسبة لتأثر طبقة الحماية الخارجية بعوامل الطقس؛ حيث تُسَد الثقوب التي يمكن أن تخرج منها العقارب والآفات، ولتزيين المنزل أيضاً في الأعياد. لكن لوقوع الجزيرة في منطقة مصابة بآفة الأرضة فإن البناء بالطين، وبالرغم من دقة غربلة التربة، لا بدّ أن يصحبه وجود قش تتغذى عليه هذه الآفة، مما يجعل الحل المطروح للأثاث هو الأثاث المعدني، أو رفع القطع الخشبية في قاعدة حجرية أو بلاستيكية بحيث لا تنخره الأرضة صغيرة الحجم ذات الضرر الكبير. أما لماذا تأخذ المباني درجات مختلفة من اللون الترابي مع أنها من نفس الأرض؟ فالإجابة هي في نسبة الصمغ، وهو مسحوق يُضاف للطين ويزيد من لزوجته وتماسكه فيما بعد على الحائط، اختلاف كمية الصمغ هو ما يجعل من بيت أغبش وبيت ترابي كالح.
يجب أيضاً النظر للتغيّرات المناخية المتطرّفة بعين الاعتبار، فكما يظهر في التقارير التي ترصد ظاهرة النينو العالمية التي يقع السودان في مقدمة الدول المتأثِّرة بها، تهدّمت في خريف العام ٢٠٢٤ منازل كثيرة في البر المحازي للجزيرة، لأنها تقع في مجاري السيول الطبيعية، ( بالطبع فإن الطبيعة المناخية الصحراوية لن تعير اهتماما لمعدل أمطار شحيحة أو منعدمة عادة، وعندما تهطل بغزارة فإنها تكون ظاهرة يُؤرَّخ بها)، ذلك قبل أن يصير تزايد هطول الأمطار في الولاية أمراً معتاداً في السنوات الأخيرة. وتكاليف الصيانة الدورية، أو في أسوأ الفروض نقل المبنى في منطقة مرتفعة أو بعيداً عن مجرى السيل، يُعتبرُ أمراً حتميّاً. من الجيد أنه لم تقع حوادث هدم للمباني داخل الجزيرة، لم يَخْلُ الأمر من اقتلاع أسقف من الزنك من حوائطها نظراً لشدة الرياح التي صاحبت الأمطار، وأيضاً اختلاف مناسيب المباني والشوارع فإن المياه لم تُحبس داخل المباني لمدة طويلة لتتشرَّب الحوائط بها. الآن، وأثناء كتابة هذا النص في الأسبوع الثالث من فبراير، فإن أهالي الجزيرة يعانون من موجات برد حادة يستخدمون بعضهم فيها ما استخدمه أجدادهم في التدفئة: طشت حديد به نار داخل الغرف على هذه الطريقة تقيهم قسوة الطبيعة. ولن ننسى أيضاً درجات الحرارة القياسية المرصودة في صيف نفس العام، حيث كانت تبلغ في شهر مايو ويونيو 46 درجة مئوية كمتوسط.
تُقبَل هذه التغيرات كواقع جديد مبني على دراسات مناخية وليس كظواهر قد تحدث لعام ولن تتكرر قريباً، وقد يكون لبنة أولى في النظر لضرورة إيجاد حلول مستدامة بمواد محلية من قبل المعماريين تجعل العيش في مبنى طينيّ عيشاً يخلو من المخاطر الملازمة لكل فصل من فصول السنة.
صورة العنوان وجميع صور المعرض: جزيرة داجارتا، شمال السودان، ٢٠٢٤ © آية سنادة