الطعام المجتمعي: طعم التجمع في السودان

في الثقافة السودانية، نادرًا ما تكون وجبة الطعام نشاطًا فرديًا. سواء كانت احتفالًا، أو ممارسة دينية، أو مساء عاديًا، فإن مشاركة الطعام مع الآخرين يُعتبر رمزًا للوحدة والدعم المتبادل.

اقرأ المزيد
معرض الصور
No items found.
Pointing at Speaker
نُشر بتاريخ
25/3/25
المؤلف:
هند عبد الباقي عبد القادر الزبير
المحرر:
سارة النقر
المحرر:
سارة النقر
مأمون التلب
المترجم:
المترجم:
النتيجة

  /  

العب مرة أخرى

  /   الاجابات

يذهب الطعام في السودان أبعد من كونه مجرد مصدر للغذاء؛ فهو رابط اجتماعي عميق يوحد المجتمعات ويعزز الإحساس بالانتماء. تعتبر وجبة الطعام تجربة جماعية، حيث يرمز مشاركة الطبق إلى المساواة والشمولية، مما يكسر الحواجز الاجتماعية والاقتصادية. وتعد هذه التجمعات أماكن للسرد والضحك والدعم المتبادل، مما يجسد قيم الضيافة والتضامن. وتُعدُ طقوس الطعام علامات فارقة في الحياة، مثل الاحتفالات، والممارسات الدينية، وحتى الحداد، مما يعزز الروابط الاجتماعية والهوية الجماعية. ومن خلال إشراك جميع الأجيال في التحضير والمشاركة، تضمن تقاليد الطعام السودانية أن القيم الثقافية مثل الوحدة، والكرم، والمسؤولية المشتركة تُورَث وتُحتَفَظ بها.


في الثقافة السودانية، نادرًا ما تكون وجبة الطعام نشاطًا فرديًا. سواء كانت احتفالًا، أو ممارسة دينية، أو مساء عاديًا، فإن مشاركة الطعام مع الآخرين يُعتبر رمزًا للوحدة والدعم المتبادل. ويجسد عادة الجلوس حول صينية طعام جماعية، حيث تُقدم الأطباق ويتم تناولها باليد، أهمية التكاتف. لهذه العادة جذور عميقة وتعزز الإحساس بالمجتمع، مما يكسر الحواجز ويعزز أهمية الروابط الاجتماعية.
الضيافة هي عنصر أساسي في الثقافة السودانية. يُرحب بالضيوف – سواء كانوا متوقعين أو غير متوقعين – دائمًا بالطعام، مما يعزز فكرة أن مشاركة الوجبات هي وسيلة أساسية لبناء العلاقات وتقوية الروابط المجتمعية. تمتد هذه الروح من الضيافة إلى ما هو أبعد من المنزل. غالبًا ما تُعقد الولائم الجماعية للاحتفال بالأحداث الكبيرة في الحياة مثل حفلات الزفاف، والجنازات، وموسم الحصاد، مما يعزز الروح الجماعية.

الضرا: ركيزة الحياة المجتمعية في السودان


واحد من الرموز الأكثر استمرارية في ثقافة الطعام المجتمعية في السودان هي "الضرا"، وهي مساحة تجمع توجد بشكل رئيسي في المناطق الريفية، خاصة في غرب السودان. يعتبر الضرا مكانًا مرحبًا تحت ظل شجرة، حيث يجتمع الرجال—المقيمون، والضيوف، والمارّة على حد سواء—لتناول الطعام. يساهم كل منزل في الضرا، سواء بتقديم الشاي في الصباح، أو تحضير الوجبات في المساء، أو ضمان أن تبقى المساحة مكانًا للتجمع المجتمعي.
يعكس الضرا التقاليد العميقة من المسؤولية والرفاهية الجماعية. في مناطق مثل كردفان وجنوب الأبيض، يعمل الضرا كأكثر من مجرد مساحة للطعام—إنها تصبح مؤسسة اجتماعية حيث يتجمع الأجيال. يجلس كبار السن على الكراسي وعلى العناقريب (جمع عنقريب وهو سرير خشبي تقليدي)، بينما يجلس الشباب على الحصير، ويقوم الأطفال بالمساعدة في أدوار مثل صب الماء لغسل يدي كبار السن أو تقديم الطعام. تعزز هذه الهيكلية الاحترام لكبار السن وتضمن أن لكل شخص دورًا في الحفاظ على النظام المجتمعي.


الضرا ليس مجرد مكان للوجبات بل أيضًا منتدى لحل النزاعات، ومناقشة شؤون المجتمع، وتعزيز قيم الاحترام، والحوار، والمساءلة. يُعتبر من غير اللائق أن يأكل الشباب في المنازل خلال هذه التجمعات؛ بل من المتوقع أن ينضموا إلى المجتمع، حتى وإن كانت لديهم مسؤوليات أخرى. تقوي هذه الممارسة الروابط المجتمعية وتضمن أن يساهم الجميع، بغض النظر عن ظروفهم، في صلاح المجتمع.
بعيدًا عن توفير التغذية، يُعتبر الضرا مساحة للحوار المجتمعي واتخاذ القرارات. تحمل آراء كبار السن وزنًا، ويتم احترام توجيههم. يضمن ترتيب المقاعد المنظم احترام كبار السن، بينما يشارك الأعضاء الأصغر في المناقشات. يُعطى الضيوف والزوار الأولوية دائمًا، مما يثبّت قيم الضيافة والرعاية.
يُظهر هذا النهج المجتمعي ليس فقط قوة الروابط الاجتماعية، بل أيضًا ضمان أن يتم نقل حكمة الأجيال السابقة، بينما يُعطى الأعضاء الأصغر منصة للمشاركة. في مجتمع يقدر الترابط، ويظل الضرا جزءًا أساسيًا من النسيج الاجتماعي والثقافي.


الفتّة: طبق الوحدة


الفتّة هي طبق جماعي محبوب في السودان يجسد قيم المشاركة، والإبداع، والموارد، وهو متجذر بعمق في التقاليد الاجتماعية. يتضمن الطبق في جوهره تجمع الناس حول وجبة مشتركة، حيث يتم تقسيم الخبز أو الأطعمة الأساسية الأخرى إلى قطع أصغر، ودمجها لخلق شيء أكبر من مجموع أجزائه. تعكس هذه الممارسة أهمية التكاتف والدعم المتبادل في الثقافة السودانية، مما يجعل الفتّة عنصرًا أساسيًا في التجمعات اليومية والمناسبات الخاصة.
تنتشر الفتّة على نطاق واسع في السودان، وتتجاوز الحدود الاجتماعية والاقتصادية، حيث يشارك الناس طعامهم في صحن واحد دون التمييز بين من قدم ماذا. تُمكّن هذه العادة من إزالة أي شعور بالحرج أو التفاوت، مما يضمن أن الجميع يتناول نفس نوعية الطعام. إنها عمل توحيدي يوطد المساواة وروح المجتمع. سواء في المدارس، أماكن العمل، الأسواق، أو بين الأطفال الذين يلعبون في الأحياء، حيث تعتبر الفتّة تذكيرًا بالطبيعة الجماعية للحياة السودانية.


أكثر من مجرد وجبة، وجود الفتّة في حفلات الزفاف، والاحتفالات الدينية، أو ككرامة—عرض للبركات—يبرز دورها في تعزيز الروابط المجتمعية. كل نسخة من الفتّة يروي قصة تكيف وشمولية، وغالبًا ما تكون مشكّلة بالتقاليد المحلية والمكونات المتاحة. على سبيل المثال، النسخة العصرية الشهيرة من الفتّة المعروفة بالبوش (مكون أساسي لها الفول المطبوخ) ليست فقط طبقًا اقتصاديًا ولكنها رمز للابتكار، حيث تعود أصولها إلى الطعام الجماعي والتجارب المشتركة.
الاستمرار الجاذب للفتّة يكمن في قدرتها على جمع الناس، سواء من خلال أشكالها التقليدية في المناسبات الكبرى أو أشكالها الحديثة غير الرسمية التي يتم الاستمتاع بها في الشوارع. إنها شهادة على قيم المجتمع والمساواة وفرحة مشاركة الطعام—انعكاس حقيقي للحياة الاجتماعية السودانية.

التكيّة: تقليد الضيافة والصمود


يُعتبر مفهوم التكية، أو المطبخ الجماعي، مثالًا آخر على ثقافة الضيافة السودانية المستمرة والمشاركة في المسؤولية. تقليديًا، كانت مؤسسات التكية قد أسسها الشيوخ الصوفيون الذين يقدمون وجبات مجانية للمسافرين والفقراء والمحتاجين. تطورت هذه المؤسسات إلى مراكز مجتمعية حيث يتم تقاسم الطعام ليس فقط للتغذية ولكن أيضًا لتعزيز النية الطيبة والصمود.
في العصور الحديثة، أخذت التكية دورًا جديدًا، خاصة في المناطق المتأثرة بالحرب والمُحاصَرة في السودان. نظمت النساء مطابخ جماعية حيث يساهم كل منزل بما يستطيع—سواء كان طعامًا أو إمدادات أو عملًا. أصبحت هذه المبادرات الشعبية أساسية في أوقات الأزمات، خاصة عندما فشلت المساعدات الإنسانية في الوصول إلى المجتمعات المتأثرة.


الاحتياج المستمر للأمن الغذائي في السودان، خاصة في المناطق التي عرقلت فيها الفصائل المتحاربة وصول المساعدات الدولية، جعل من التكية نموذجًا مستدامًا يعتمد على المجتمع. يُحث المنظمات الإنسانية على تغيير تركيزها نحو دعم هذه الجهود الشعبية، التي توفر الأمن الغذائي بشكل أكثر فعالية من توزيع المساعدات التقليدية.
نموذج التكية يمثل الصمود والاكتفاء الذاتي، مما يُظهر أن المجتمعات غالبًا ما تكون أكثر قدرة على تلبية احتياجاتها الخاصة عندما تحصل على الدعم المناسب. وقد أثبتت هذه المطابخ الجماعية أنها منارة للأمل في أوقات الاضطراب، مما يضمن عدم ترك أي شخص وراء الركب. تعود تاريخ التكية إلى العصر العثماني، حيث كانت مرتبطة بأماكن العبادة التي تقدم الطعام والمأوى. اليوم، تظل التكايات جزءًا أساسيًا من المجتمع السوداني الحديث، خاصة في أوقات النزاع والتهجير، مما يُظهر الصمود وروح الشعب السوداني المستمرة.

الجمعة اليتيمة والرحمتات: تقليد العطاء


تقليد غذائي آخر مهم في السودان هو ممارسة "عشا الميتين"، أو العشاء للمتوفين، الذي يتم في الأيام الأخيرة من رمضان. يُعدّ الأسر وجبات كبيرة، غالبًا ما تحتوي على اللحم أو البليلة (طبق من الحبوب)، ويتم تقاسمها مع المحتاجين. يختلف هذا الطقس حسب المنطقة، ويُحتفل به أحيانًا في الجمعة اليتيمة (آخر جمعة من رمضان) أو في الخميس الأخير.
تعود هذه العادة إلى المبادئ الإسلامية، التي تُركز على أهمية الصدقة والمجتمع. فهي تمثل ليس فقط وجبة مشتركة بين الأحياء ولكن أيضًا فعل تذكر واتصال بالمتوفين. تعكس وليمة عشاء الرحمتات الاعتقاد في تقديم البركات للأحبة المتوفين من خلال الأعمال الخيرية والتضامن المجتمعي. يُعتبر مشاركة الطعام مع الآخرين خلال هذا الوقت وسيلة لتكريم ذكرى المتوفين وتعزيز الوحدة والنوايا الطيبة بين الأحياء. غالبًا ما يشارك الأطفال في هذه التجمعات، وهم يتجولون في الشوارع لترديد الأناشيد وتوزيع الطعام من منزل إلى منزل. تسلط هذه الأعمال الخيرية الضوء على نقل القيم عبر الأجيال وتضمن استمرار روح العطاء في المجتمع.

في السودان، تعد تقاليد الطعام مثل الضرا والتكية ليست مجرد عادات—بل هي ركائز للتضامن الاجتماعي. سواء من خلال المطابخ الجماعية، أو الولائم، أو التجمعات مثل الجمعة اليتيمة، فقد استمر الفعل الجماعي لمشاركة الطعام في دعم المجتمعات من خلال أوقات الفرح، والتذكر، والصعوبات. من تجمعات الضرا إلى مطابخ التكية وعشا الميتين، تستمر الثقافة الغذائية السودانية في تجسيد قيم الكرم والوحدة والصمود. تضمن هذه التقاليد أن تبقى الروح الجماعية حية، مرتبطة بالماضي والحاضر، وبين الأحياء والأموات، حتى في مواجهة المحن

صورة الغلاف: امرأة تبيع طعامًا تقليديًا بالقرب من سوق القضارف © عصام أحمد عبد الحفيظ

No items found.
نُشر بتاريخ
25/3/25
المؤلف:
هند عبد الباقي عبد القادر الزبير
Editor
سارة النقر
المحرر:
مأمون التلب
المترجم:
Translator

يذهب الطعام في السودان أبعد من كونه مجرد مصدر للغذاء؛ فهو رابط اجتماعي عميق يوحد المجتمعات ويعزز الإحساس بالانتماء. تعتبر وجبة الطعام تجربة جماعية، حيث يرمز مشاركة الطبق إلى المساواة والشمولية، مما يكسر الحواجز الاجتماعية والاقتصادية. وتعد هذه التجمعات أماكن للسرد والضحك والدعم المتبادل، مما يجسد قيم الضيافة والتضامن. وتُعدُ طقوس الطعام علامات فارقة في الحياة، مثل الاحتفالات، والممارسات الدينية، وحتى الحداد، مما يعزز الروابط الاجتماعية والهوية الجماعية. ومن خلال إشراك جميع الأجيال في التحضير والمشاركة، تضمن تقاليد الطعام السودانية أن القيم الثقافية مثل الوحدة، والكرم، والمسؤولية المشتركة تُورَث وتُحتَفَظ بها.


في الثقافة السودانية، نادرًا ما تكون وجبة الطعام نشاطًا فرديًا. سواء كانت احتفالًا، أو ممارسة دينية، أو مساء عاديًا، فإن مشاركة الطعام مع الآخرين يُعتبر رمزًا للوحدة والدعم المتبادل. ويجسد عادة الجلوس حول صينية طعام جماعية، حيث تُقدم الأطباق ويتم تناولها باليد، أهمية التكاتف. لهذه العادة جذور عميقة وتعزز الإحساس بالمجتمع، مما يكسر الحواجز ويعزز أهمية الروابط الاجتماعية.
الضيافة هي عنصر أساسي في الثقافة السودانية. يُرحب بالضيوف – سواء كانوا متوقعين أو غير متوقعين – دائمًا بالطعام، مما يعزز فكرة أن مشاركة الوجبات هي وسيلة أساسية لبناء العلاقات وتقوية الروابط المجتمعية. تمتد هذه الروح من الضيافة إلى ما هو أبعد من المنزل. غالبًا ما تُعقد الولائم الجماعية للاحتفال بالأحداث الكبيرة في الحياة مثل حفلات الزفاف، والجنازات، وموسم الحصاد، مما يعزز الروح الجماعية.

الضرا: ركيزة الحياة المجتمعية في السودان


واحد من الرموز الأكثر استمرارية في ثقافة الطعام المجتمعية في السودان هي "الضرا"، وهي مساحة تجمع توجد بشكل رئيسي في المناطق الريفية، خاصة في غرب السودان. يعتبر الضرا مكانًا مرحبًا تحت ظل شجرة، حيث يجتمع الرجال—المقيمون، والضيوف، والمارّة على حد سواء—لتناول الطعام. يساهم كل منزل في الضرا، سواء بتقديم الشاي في الصباح، أو تحضير الوجبات في المساء، أو ضمان أن تبقى المساحة مكانًا للتجمع المجتمعي.
يعكس الضرا التقاليد العميقة من المسؤولية والرفاهية الجماعية. في مناطق مثل كردفان وجنوب الأبيض، يعمل الضرا كأكثر من مجرد مساحة للطعام—إنها تصبح مؤسسة اجتماعية حيث يتجمع الأجيال. يجلس كبار السن على الكراسي وعلى العناقريب (جمع عنقريب وهو سرير خشبي تقليدي)، بينما يجلس الشباب على الحصير، ويقوم الأطفال بالمساعدة في أدوار مثل صب الماء لغسل يدي كبار السن أو تقديم الطعام. تعزز هذه الهيكلية الاحترام لكبار السن وتضمن أن لكل شخص دورًا في الحفاظ على النظام المجتمعي.


الضرا ليس مجرد مكان للوجبات بل أيضًا منتدى لحل النزاعات، ومناقشة شؤون المجتمع، وتعزيز قيم الاحترام، والحوار، والمساءلة. يُعتبر من غير اللائق أن يأكل الشباب في المنازل خلال هذه التجمعات؛ بل من المتوقع أن ينضموا إلى المجتمع، حتى وإن كانت لديهم مسؤوليات أخرى. تقوي هذه الممارسة الروابط المجتمعية وتضمن أن يساهم الجميع، بغض النظر عن ظروفهم، في صلاح المجتمع.
بعيدًا عن توفير التغذية، يُعتبر الضرا مساحة للحوار المجتمعي واتخاذ القرارات. تحمل آراء كبار السن وزنًا، ويتم احترام توجيههم. يضمن ترتيب المقاعد المنظم احترام كبار السن، بينما يشارك الأعضاء الأصغر في المناقشات. يُعطى الضيوف والزوار الأولوية دائمًا، مما يثبّت قيم الضيافة والرعاية.
يُظهر هذا النهج المجتمعي ليس فقط قوة الروابط الاجتماعية، بل أيضًا ضمان أن يتم نقل حكمة الأجيال السابقة، بينما يُعطى الأعضاء الأصغر منصة للمشاركة. في مجتمع يقدر الترابط، ويظل الضرا جزءًا أساسيًا من النسيج الاجتماعي والثقافي.


الفتّة: طبق الوحدة


الفتّة هي طبق جماعي محبوب في السودان يجسد قيم المشاركة، والإبداع، والموارد، وهو متجذر بعمق في التقاليد الاجتماعية. يتضمن الطبق في جوهره تجمع الناس حول وجبة مشتركة، حيث يتم تقسيم الخبز أو الأطعمة الأساسية الأخرى إلى قطع أصغر، ودمجها لخلق شيء أكبر من مجموع أجزائه. تعكس هذه الممارسة أهمية التكاتف والدعم المتبادل في الثقافة السودانية، مما يجعل الفتّة عنصرًا أساسيًا في التجمعات اليومية والمناسبات الخاصة.
تنتشر الفتّة على نطاق واسع في السودان، وتتجاوز الحدود الاجتماعية والاقتصادية، حيث يشارك الناس طعامهم في صحن واحد دون التمييز بين من قدم ماذا. تُمكّن هذه العادة من إزالة أي شعور بالحرج أو التفاوت، مما يضمن أن الجميع يتناول نفس نوعية الطعام. إنها عمل توحيدي يوطد المساواة وروح المجتمع. سواء في المدارس، أماكن العمل، الأسواق، أو بين الأطفال الذين يلعبون في الأحياء، حيث تعتبر الفتّة تذكيرًا بالطبيعة الجماعية للحياة السودانية.


أكثر من مجرد وجبة، وجود الفتّة في حفلات الزفاف، والاحتفالات الدينية، أو ككرامة—عرض للبركات—يبرز دورها في تعزيز الروابط المجتمعية. كل نسخة من الفتّة يروي قصة تكيف وشمولية، وغالبًا ما تكون مشكّلة بالتقاليد المحلية والمكونات المتاحة. على سبيل المثال، النسخة العصرية الشهيرة من الفتّة المعروفة بالبوش (مكون أساسي لها الفول المطبوخ) ليست فقط طبقًا اقتصاديًا ولكنها رمز للابتكار، حيث تعود أصولها إلى الطعام الجماعي والتجارب المشتركة.
الاستمرار الجاذب للفتّة يكمن في قدرتها على جمع الناس، سواء من خلال أشكالها التقليدية في المناسبات الكبرى أو أشكالها الحديثة غير الرسمية التي يتم الاستمتاع بها في الشوارع. إنها شهادة على قيم المجتمع والمساواة وفرحة مشاركة الطعام—انعكاس حقيقي للحياة الاجتماعية السودانية.

التكيّة: تقليد الضيافة والصمود


يُعتبر مفهوم التكية، أو المطبخ الجماعي، مثالًا آخر على ثقافة الضيافة السودانية المستمرة والمشاركة في المسؤولية. تقليديًا، كانت مؤسسات التكية قد أسسها الشيوخ الصوفيون الذين يقدمون وجبات مجانية للمسافرين والفقراء والمحتاجين. تطورت هذه المؤسسات إلى مراكز مجتمعية حيث يتم تقاسم الطعام ليس فقط للتغذية ولكن أيضًا لتعزيز النية الطيبة والصمود.
في العصور الحديثة، أخذت التكية دورًا جديدًا، خاصة في المناطق المتأثرة بالحرب والمُحاصَرة في السودان. نظمت النساء مطابخ جماعية حيث يساهم كل منزل بما يستطيع—سواء كان طعامًا أو إمدادات أو عملًا. أصبحت هذه المبادرات الشعبية أساسية في أوقات الأزمات، خاصة عندما فشلت المساعدات الإنسانية في الوصول إلى المجتمعات المتأثرة.


الاحتياج المستمر للأمن الغذائي في السودان، خاصة في المناطق التي عرقلت فيها الفصائل المتحاربة وصول المساعدات الدولية، جعل من التكية نموذجًا مستدامًا يعتمد على المجتمع. يُحث المنظمات الإنسانية على تغيير تركيزها نحو دعم هذه الجهود الشعبية، التي توفر الأمن الغذائي بشكل أكثر فعالية من توزيع المساعدات التقليدية.
نموذج التكية يمثل الصمود والاكتفاء الذاتي، مما يُظهر أن المجتمعات غالبًا ما تكون أكثر قدرة على تلبية احتياجاتها الخاصة عندما تحصل على الدعم المناسب. وقد أثبتت هذه المطابخ الجماعية أنها منارة للأمل في أوقات الاضطراب، مما يضمن عدم ترك أي شخص وراء الركب. تعود تاريخ التكية إلى العصر العثماني، حيث كانت مرتبطة بأماكن العبادة التي تقدم الطعام والمأوى. اليوم، تظل التكايات جزءًا أساسيًا من المجتمع السوداني الحديث، خاصة في أوقات النزاع والتهجير، مما يُظهر الصمود وروح الشعب السوداني المستمرة.

الجمعة اليتيمة والرحمتات: تقليد العطاء


تقليد غذائي آخر مهم في السودان هو ممارسة "عشا الميتين"، أو العشاء للمتوفين، الذي يتم في الأيام الأخيرة من رمضان. يُعدّ الأسر وجبات كبيرة، غالبًا ما تحتوي على اللحم أو البليلة (طبق من الحبوب)، ويتم تقاسمها مع المحتاجين. يختلف هذا الطقس حسب المنطقة، ويُحتفل به أحيانًا في الجمعة اليتيمة (آخر جمعة من رمضان) أو في الخميس الأخير.
تعود هذه العادة إلى المبادئ الإسلامية، التي تُركز على أهمية الصدقة والمجتمع. فهي تمثل ليس فقط وجبة مشتركة بين الأحياء ولكن أيضًا فعل تذكر واتصال بالمتوفين. تعكس وليمة عشاء الرحمتات الاعتقاد في تقديم البركات للأحبة المتوفين من خلال الأعمال الخيرية والتضامن المجتمعي. يُعتبر مشاركة الطعام مع الآخرين خلال هذا الوقت وسيلة لتكريم ذكرى المتوفين وتعزيز الوحدة والنوايا الطيبة بين الأحياء. غالبًا ما يشارك الأطفال في هذه التجمعات، وهم يتجولون في الشوارع لترديد الأناشيد وتوزيع الطعام من منزل إلى منزل. تسلط هذه الأعمال الخيرية الضوء على نقل القيم عبر الأجيال وتضمن استمرار روح العطاء في المجتمع.

في السودان، تعد تقاليد الطعام مثل الضرا والتكية ليست مجرد عادات—بل هي ركائز للتضامن الاجتماعي. سواء من خلال المطابخ الجماعية، أو الولائم، أو التجمعات مثل الجمعة اليتيمة، فقد استمر الفعل الجماعي لمشاركة الطعام في دعم المجتمعات من خلال أوقات الفرح، والتذكر، والصعوبات. من تجمعات الضرا إلى مطابخ التكية وعشا الميتين، تستمر الثقافة الغذائية السودانية في تجسيد قيم الكرم والوحدة والصمود. تضمن هذه التقاليد أن تبقى الروح الجماعية حية، مرتبطة بالماضي والحاضر، وبين الأحياء والأموات، حتى في مواجهة المحن

صورة الغلاف: امرأة تبيع طعامًا تقليديًا بالقرب من سوق القضارف © عصام أحمد عبد الحفيظ