المدن في الخيال
إن المدن موجودة فينا كما نوجد نحن في المدن. وهذا المفهوم يفسر كيف تظل المدن موجودة حتى لو لم تعد موجودة فعليًا من خلال الموسيقى والفن والشعر والقصص وفي ذاكرتنا.

عصر البطولة في سنار

عصر البطولة في سنار
مقدمة:
الهدف من هذا الملخص هو إعطاء فكرة عامة عن محتويات هذا الكتاب المهم. كتاب (عصر البطولة في سنار) هو كتاب عن تاريخ سلطنة سنار. الكتاب من تأليف الكاتب الأمريكي جاي سبولدينق، وتعريب أحمد المعتصم الشيخ. صدر الكتاب من هيئة الخرطوم للنشر ٢٠١٠، ضمن سلسلة (الـ١٠٠) كتاب الذي ترعاه وزارة الثقافة والإعلام بولاية الخرطوم، السودان. وقد صدرت النسخة الأصلية من الكتاب باللغة الانجليزية عام ١٩٨٥.
يتكون الكتاب من ثلاثة أجزاء رئيسية تنقسم بدورها إلى أجزاء فرعية وهي: ملوك النوبة المسلمين ومفاهيم العرب وإلى النار

الجزء الأول: ملوك النوبة المسلمين
يتضمن هذا الجزء خلفية عن هيكل السلطة والمجتمع في السلطنة، حيث يتناول الموضوعات المتعلقة بالسلطان والبلاط والمراسم الاحتفالية في البلاط. كما يتناول موضوع أصل الفونج ونظام توارث السلطة لدى الفونج وأسلوب اختيار السلطان، وعلاقة السلطان بالنبلاء ونظام توزيع الاراضي على النبلاء لضمان ولاءهم. يتناول هذا الجزء أيضاً النظام الإداري وسلطات كل من المركز والاقاليم. وأخيراً يتحدث هذا الجزء عن رعايا السلطنة باعتبارهم الأدنى في التراتبية الطبقية في السلطنة حيث يتناول علاقتهم بالنبلاء الذين يمارسون عليهم السلطة المباشرة نيابة عن المركز فيما يتعلق بالضرائب والخدمات التي يقدمها الرعايا للنبلاء.
الجزء الثاني: مفاهيم العرب
يشرح هذا الجزء بداية انفتاح دولة الفونج نحو الثقافة الاجنبية في الشمال والشرق من خلال العلاقات التجارية باعتبارها عاملاً مساعداً في التأثير الثقافي والاطلاع على مفاهيم العرب. باختصار، يتحدث الكاتب عن بداية دخول الرأسمالية لأجهزة الدولة وتعاملاتها، مفسرا حدوث ذلك بالأخذ بالمبادئ الإسلامية في التعاملات المالية، وبروز رجال الدين كطبقة وسطى و ظهور الحواضر والمحميات الدينية، باعتباره وجه للتطور الاقتصادي الجديد الذي أخذت به السلطنة. فهو يشير لظهور رجال الدين كطبقة أصبح لها ارتباطات و مصالح اقتصادية وسياسية متبادلة مع السلطة. وشملت تلك المصالح والمنافع لرجال الدين الهبات من الأراضي والإعفاءات من الضرائب بالإضافة لحصولهم على الصلاحيات القضائية.
يتحدث هذا القسم ايضا عمن اسماهم ( أمراء الحرب) وهم في الغالب كما ذكر، حكام الاقاليم الذين سنحت لهم الفرصة للحصول على الثروة واحتاجوا بالتالي لحمايتها فقاموا لذلك بتكوين وحدات مسلحة من الرقيق خاصة بهم. كما ظهرت في تلك الفترة بوادر التحول للنظام الابوي وابتداع الأنساب بغرض الارتقاء في السلم الاجتماعي. يتحدث هذا الجزء عن سيطرة الهمج عام 1762 باعتبارها بداية لتفكك النظام القديم لدولة الفونج والتحول لنظام جديد تهيمن عليه الطبقة الوسطى. اعتمد الهمج بشكل كبير على رجال الدين الذين تم استيعاب رجال الدين ضمن الطبقة الوسطى حيث تعيينهم لتحصيل الضرائب وتم ضم رجال الدين البارزين منهم ضمن بلاط السلطان. أخيراً يتحدث هذا الجزء عن ظهور شبكة الشركات التجارية بعد الغزو التركي للسيطرة للسوق والتجارة والاستثمار بأنواعه.
في نهاية هذا الجزء يتحدث الكاتب عن ادخال الاتراك بعد غزوهم للسودان لنظام الجهادية في الجيش بحيث اصبح الجيش التركي الجديد مكون من الرقيق. وفي تلك الفترة بدا اتجاه التجار الشماليين للذهاب نحو مناطق الجنوبية من سنار لملء الفراغ بانسحاب الأتراك وذلك بحثاً عن الذهب بتشجيع من الأتراك الذين فشلوا في الحصول على الكميات الكبيرة من الذهب التي كانوا يتوقعونها. زادت هجرة المواطنين من الشمال بعد ادخال الأتراك لأساليب انتاج جديدة في مناطق الشمال المروية. وزادت وتيرة هجرة التجار الشماليين(الجلابة) للجنوب بتقديم الحكومة التركية الحماية للتجار الشماليين وإنشاء المحاكم الشرعية وسوق للرقيق والبضائع الواردة من جنوب سنار. يتحدث الجزء الأخير عن تغلغل الجلابة الشماليين في الجنوب وكذلك في المناطق الجنوبية الشرقية لسنار.
الجزء الثالث: إلى النار
يتحدث هذا الجزاء عن حقبة الهمج التي يصفها بانها كانت فترة دموية و بالغة التعقيد ومتسمة بالصراع للاستيلاء على السلطة . كما يتناول يتحدث هذا الجزء سيرة ابولكيلك وشخصيته وكيفية امساكه بزمام الامور لمصلحة الهمج وأن عهده شهد تحولات عميقة في بنية الدولة خاصة من خلال اعتماده على رجال الدين ضد طبقة النبلاء الفترة التي اعقبت موت ابو لكيلك قائد الانقلاب وموت عدلان بدأت السلطة في التفكك بخروج الاقاليم على المركز. بدأت سلطة الهمج في التحلل ابتداء من 1803 الى 1809 من خلال الصراعات على السلطة واصبحت القيادة الفعلية في يد قادة فرق الفرسان العبيد. احتشد هذا الجزء بتفاصيل تمرد الطامعين في السلطة المركزية والنزاعات القبلية خلال السنوات الاخيرة من القرن الثامن عشر وبداية القرن التاسع عشر كما شهد نزوع الاقاليم والقبائل للاستقلال عن السلطة المركزية إلى حين غزو الأتراك للبلاد.
خلفية موجزة عن الكتاب
1- يُعتَبَر كتاب (عصر البطولة في سنار)، من الكتب القليلة التي تناولت تاريخ الفونج بكثير من الإحاطة والشمول والعمق، حيث بذل الكاتب جهدا مقدرا في جمع مادة الكتاب من مصادر متعددة ومتنوعة والتي تعود بشكل رئيسي إلى كتابات الرحالة أو الإداريين الاجانب وكذلك للمصادر المحلية مثل مخطوطة كاتب الشونة وكتاب طبقات ود ضيف الله. بالتالي فقد جاءت مادة الكتاب دسمة ومكتنزة بالمعلومات، بالإضافة إلى أن الكتاب اتصف بتعدد مستويات التناول والتحليل، مما يجعل كثير من الاستنتاجات التي توصل إليها المؤلف مثيرة للتفكير، ولربما مثيرة للجدل كذلك. في اعتقادي إن كتاب (عصر البطولة في سنار) لا غنى عنه لأي دارسٍ، أو قارئٍ ومتابعٍ لتاريخ دولة سنار.
لابد هنا من الإشارة إلى أن احتشاد الكتاب بالمعلومات الثرة والمتنوعة قد أثر إلى حدٍ ما في تنظيم الكتاب حيث أن العناوين الرئيسية لا تدل أحيانا بشكل دقيق على محتوى المعلومات التي تندرج تحته، بالتالي قد يجد القارئ (خاصة المتعجِّل أو غير المتخصص) صعوبة في المتابعة وربط الأحداث ببعضها.
2- الكاتب لم ينظر إلى الحكم السناري باعتباره حقبة زمنية واحدة، كما فعل كثير من سابقيه، ولكنه تناوله فترة الحكم السناري باعتبارها عهدين مختلفين وهما عهدي حكم الفونج و كم الهمج. وقد ساعد هذا التمييز في التعرف على سمات كل مرحلة وعلى فهم الديناميات والظروف التي أثّرت على كل منهما.
3- تبَنَّىَ المؤلف في تحليله المنهج الاقتصادي للكشف عن تغلغل الرأسمالية والطابع البرجوازي في الحكم والإدارة سيّما في المرحلة الثانية من حكم الدولة السنارية باعتبارها العوامل التي أثرت على مختلف جوانب الحياة في عهد حكم الهمج والتي كانت السبب غير المباشر في إضعاف حكمهم.
الدكتور محمد عبد الله الحسين
mohabd505@gmail.com
صورة الغلاف عبارة عن رسم تخطيطي لقصر سنار المدمر في وقت الفتح العثماني (١٨٢١). من كتاب Voyage à Meroé لفريدريك كايليو © ليجابري
مقدمة:
الهدف من هذا الملخص هو إعطاء فكرة عامة عن محتويات هذا الكتاب المهم. كتاب (عصر البطولة في سنار) هو كتاب عن تاريخ سلطنة سنار. الكتاب من تأليف الكاتب الأمريكي جاي سبولدينق، وتعريب أحمد المعتصم الشيخ. صدر الكتاب من هيئة الخرطوم للنشر ٢٠١٠، ضمن سلسلة (الـ١٠٠) كتاب الذي ترعاه وزارة الثقافة والإعلام بولاية الخرطوم، السودان. وقد صدرت النسخة الأصلية من الكتاب باللغة الانجليزية عام ١٩٨٥.
يتكون الكتاب من ثلاثة أجزاء رئيسية تنقسم بدورها إلى أجزاء فرعية وهي: ملوك النوبة المسلمين ومفاهيم العرب وإلى النار

الجزء الأول: ملوك النوبة المسلمين
يتضمن هذا الجزء خلفية عن هيكل السلطة والمجتمع في السلطنة، حيث يتناول الموضوعات المتعلقة بالسلطان والبلاط والمراسم الاحتفالية في البلاط. كما يتناول موضوع أصل الفونج ونظام توارث السلطة لدى الفونج وأسلوب اختيار السلطان، وعلاقة السلطان بالنبلاء ونظام توزيع الاراضي على النبلاء لضمان ولاءهم. يتناول هذا الجزء أيضاً النظام الإداري وسلطات كل من المركز والاقاليم. وأخيراً يتحدث هذا الجزء عن رعايا السلطنة باعتبارهم الأدنى في التراتبية الطبقية في السلطنة حيث يتناول علاقتهم بالنبلاء الذين يمارسون عليهم السلطة المباشرة نيابة عن المركز فيما يتعلق بالضرائب والخدمات التي يقدمها الرعايا للنبلاء.
الجزء الثاني: مفاهيم العرب
يشرح هذا الجزء بداية انفتاح دولة الفونج نحو الثقافة الاجنبية في الشمال والشرق من خلال العلاقات التجارية باعتبارها عاملاً مساعداً في التأثير الثقافي والاطلاع على مفاهيم العرب. باختصار، يتحدث الكاتب عن بداية دخول الرأسمالية لأجهزة الدولة وتعاملاتها، مفسرا حدوث ذلك بالأخذ بالمبادئ الإسلامية في التعاملات المالية، وبروز رجال الدين كطبقة وسطى و ظهور الحواضر والمحميات الدينية، باعتباره وجه للتطور الاقتصادي الجديد الذي أخذت به السلطنة. فهو يشير لظهور رجال الدين كطبقة أصبح لها ارتباطات و مصالح اقتصادية وسياسية متبادلة مع السلطة. وشملت تلك المصالح والمنافع لرجال الدين الهبات من الأراضي والإعفاءات من الضرائب بالإضافة لحصولهم على الصلاحيات القضائية.
يتحدث هذا القسم ايضا عمن اسماهم ( أمراء الحرب) وهم في الغالب كما ذكر، حكام الاقاليم الذين سنحت لهم الفرصة للحصول على الثروة واحتاجوا بالتالي لحمايتها فقاموا لذلك بتكوين وحدات مسلحة من الرقيق خاصة بهم. كما ظهرت في تلك الفترة بوادر التحول للنظام الابوي وابتداع الأنساب بغرض الارتقاء في السلم الاجتماعي. يتحدث هذا الجزء عن سيطرة الهمج عام 1762 باعتبارها بداية لتفكك النظام القديم لدولة الفونج والتحول لنظام جديد تهيمن عليه الطبقة الوسطى. اعتمد الهمج بشكل كبير على رجال الدين الذين تم استيعاب رجال الدين ضمن الطبقة الوسطى حيث تعيينهم لتحصيل الضرائب وتم ضم رجال الدين البارزين منهم ضمن بلاط السلطان. أخيراً يتحدث هذا الجزء عن ظهور شبكة الشركات التجارية بعد الغزو التركي للسيطرة للسوق والتجارة والاستثمار بأنواعه.
في نهاية هذا الجزء يتحدث الكاتب عن ادخال الاتراك بعد غزوهم للسودان لنظام الجهادية في الجيش بحيث اصبح الجيش التركي الجديد مكون من الرقيق. وفي تلك الفترة بدا اتجاه التجار الشماليين للذهاب نحو مناطق الجنوبية من سنار لملء الفراغ بانسحاب الأتراك وذلك بحثاً عن الذهب بتشجيع من الأتراك الذين فشلوا في الحصول على الكميات الكبيرة من الذهب التي كانوا يتوقعونها. زادت هجرة المواطنين من الشمال بعد ادخال الأتراك لأساليب انتاج جديدة في مناطق الشمال المروية. وزادت وتيرة هجرة التجار الشماليين(الجلابة) للجنوب بتقديم الحكومة التركية الحماية للتجار الشماليين وإنشاء المحاكم الشرعية وسوق للرقيق والبضائع الواردة من جنوب سنار. يتحدث الجزء الأخير عن تغلغل الجلابة الشماليين في الجنوب وكذلك في المناطق الجنوبية الشرقية لسنار.
الجزء الثالث: إلى النار
يتحدث هذا الجزاء عن حقبة الهمج التي يصفها بانها كانت فترة دموية و بالغة التعقيد ومتسمة بالصراع للاستيلاء على السلطة . كما يتناول يتحدث هذا الجزء سيرة ابولكيلك وشخصيته وكيفية امساكه بزمام الامور لمصلحة الهمج وأن عهده شهد تحولات عميقة في بنية الدولة خاصة من خلال اعتماده على رجال الدين ضد طبقة النبلاء الفترة التي اعقبت موت ابو لكيلك قائد الانقلاب وموت عدلان بدأت السلطة في التفكك بخروج الاقاليم على المركز. بدأت سلطة الهمج في التحلل ابتداء من 1803 الى 1809 من خلال الصراعات على السلطة واصبحت القيادة الفعلية في يد قادة فرق الفرسان العبيد. احتشد هذا الجزء بتفاصيل تمرد الطامعين في السلطة المركزية والنزاعات القبلية خلال السنوات الاخيرة من القرن الثامن عشر وبداية القرن التاسع عشر كما شهد نزوع الاقاليم والقبائل للاستقلال عن السلطة المركزية إلى حين غزو الأتراك للبلاد.
خلفية موجزة عن الكتاب
1- يُعتَبَر كتاب (عصر البطولة في سنار)، من الكتب القليلة التي تناولت تاريخ الفونج بكثير من الإحاطة والشمول والعمق، حيث بذل الكاتب جهدا مقدرا في جمع مادة الكتاب من مصادر متعددة ومتنوعة والتي تعود بشكل رئيسي إلى كتابات الرحالة أو الإداريين الاجانب وكذلك للمصادر المحلية مثل مخطوطة كاتب الشونة وكتاب طبقات ود ضيف الله. بالتالي فقد جاءت مادة الكتاب دسمة ومكتنزة بالمعلومات، بالإضافة إلى أن الكتاب اتصف بتعدد مستويات التناول والتحليل، مما يجعل كثير من الاستنتاجات التي توصل إليها المؤلف مثيرة للتفكير، ولربما مثيرة للجدل كذلك. في اعتقادي إن كتاب (عصر البطولة في سنار) لا غنى عنه لأي دارسٍ، أو قارئٍ ومتابعٍ لتاريخ دولة سنار.
لابد هنا من الإشارة إلى أن احتشاد الكتاب بالمعلومات الثرة والمتنوعة قد أثر إلى حدٍ ما في تنظيم الكتاب حيث أن العناوين الرئيسية لا تدل أحيانا بشكل دقيق على محتوى المعلومات التي تندرج تحته، بالتالي قد يجد القارئ (خاصة المتعجِّل أو غير المتخصص) صعوبة في المتابعة وربط الأحداث ببعضها.
2- الكاتب لم ينظر إلى الحكم السناري باعتباره حقبة زمنية واحدة، كما فعل كثير من سابقيه، ولكنه تناوله فترة الحكم السناري باعتبارها عهدين مختلفين وهما عهدي حكم الفونج و كم الهمج. وقد ساعد هذا التمييز في التعرف على سمات كل مرحلة وعلى فهم الديناميات والظروف التي أثّرت على كل منهما.
3- تبَنَّىَ المؤلف في تحليله المنهج الاقتصادي للكشف عن تغلغل الرأسمالية والطابع البرجوازي في الحكم والإدارة سيّما في المرحلة الثانية من حكم الدولة السنارية باعتبارها العوامل التي أثرت على مختلف جوانب الحياة في عهد حكم الهمج والتي كانت السبب غير المباشر في إضعاف حكمهم.
الدكتور محمد عبد الله الحسين
mohabd505@gmail.com
صورة الغلاف عبارة عن رسم تخطيطي لقصر سنار المدمر في وقت الفتح العثماني (١٨٢١). من كتاب Voyage à Meroé لفريدريك كايليو © ليجابري

مقدمة:
الهدف من هذا الملخص هو إعطاء فكرة عامة عن محتويات هذا الكتاب المهم. كتاب (عصر البطولة في سنار) هو كتاب عن تاريخ سلطنة سنار. الكتاب من تأليف الكاتب الأمريكي جاي سبولدينق، وتعريب أحمد المعتصم الشيخ. صدر الكتاب من هيئة الخرطوم للنشر ٢٠١٠، ضمن سلسلة (الـ١٠٠) كتاب الذي ترعاه وزارة الثقافة والإعلام بولاية الخرطوم، السودان. وقد صدرت النسخة الأصلية من الكتاب باللغة الانجليزية عام ١٩٨٥.
يتكون الكتاب من ثلاثة أجزاء رئيسية تنقسم بدورها إلى أجزاء فرعية وهي: ملوك النوبة المسلمين ومفاهيم العرب وإلى النار

الجزء الأول: ملوك النوبة المسلمين
يتضمن هذا الجزء خلفية عن هيكل السلطة والمجتمع في السلطنة، حيث يتناول الموضوعات المتعلقة بالسلطان والبلاط والمراسم الاحتفالية في البلاط. كما يتناول موضوع أصل الفونج ونظام توارث السلطة لدى الفونج وأسلوب اختيار السلطان، وعلاقة السلطان بالنبلاء ونظام توزيع الاراضي على النبلاء لضمان ولاءهم. يتناول هذا الجزء أيضاً النظام الإداري وسلطات كل من المركز والاقاليم. وأخيراً يتحدث هذا الجزء عن رعايا السلطنة باعتبارهم الأدنى في التراتبية الطبقية في السلطنة حيث يتناول علاقتهم بالنبلاء الذين يمارسون عليهم السلطة المباشرة نيابة عن المركز فيما يتعلق بالضرائب والخدمات التي يقدمها الرعايا للنبلاء.
الجزء الثاني: مفاهيم العرب
يشرح هذا الجزء بداية انفتاح دولة الفونج نحو الثقافة الاجنبية في الشمال والشرق من خلال العلاقات التجارية باعتبارها عاملاً مساعداً في التأثير الثقافي والاطلاع على مفاهيم العرب. باختصار، يتحدث الكاتب عن بداية دخول الرأسمالية لأجهزة الدولة وتعاملاتها، مفسرا حدوث ذلك بالأخذ بالمبادئ الإسلامية في التعاملات المالية، وبروز رجال الدين كطبقة وسطى و ظهور الحواضر والمحميات الدينية، باعتباره وجه للتطور الاقتصادي الجديد الذي أخذت به السلطنة. فهو يشير لظهور رجال الدين كطبقة أصبح لها ارتباطات و مصالح اقتصادية وسياسية متبادلة مع السلطة. وشملت تلك المصالح والمنافع لرجال الدين الهبات من الأراضي والإعفاءات من الضرائب بالإضافة لحصولهم على الصلاحيات القضائية.
يتحدث هذا القسم ايضا عمن اسماهم ( أمراء الحرب) وهم في الغالب كما ذكر، حكام الاقاليم الذين سنحت لهم الفرصة للحصول على الثروة واحتاجوا بالتالي لحمايتها فقاموا لذلك بتكوين وحدات مسلحة من الرقيق خاصة بهم. كما ظهرت في تلك الفترة بوادر التحول للنظام الابوي وابتداع الأنساب بغرض الارتقاء في السلم الاجتماعي. يتحدث هذا الجزء عن سيطرة الهمج عام 1762 باعتبارها بداية لتفكك النظام القديم لدولة الفونج والتحول لنظام جديد تهيمن عليه الطبقة الوسطى. اعتمد الهمج بشكل كبير على رجال الدين الذين تم استيعاب رجال الدين ضمن الطبقة الوسطى حيث تعيينهم لتحصيل الضرائب وتم ضم رجال الدين البارزين منهم ضمن بلاط السلطان. أخيراً يتحدث هذا الجزء عن ظهور شبكة الشركات التجارية بعد الغزو التركي للسيطرة للسوق والتجارة والاستثمار بأنواعه.
في نهاية هذا الجزء يتحدث الكاتب عن ادخال الاتراك بعد غزوهم للسودان لنظام الجهادية في الجيش بحيث اصبح الجيش التركي الجديد مكون من الرقيق. وفي تلك الفترة بدا اتجاه التجار الشماليين للذهاب نحو مناطق الجنوبية من سنار لملء الفراغ بانسحاب الأتراك وذلك بحثاً عن الذهب بتشجيع من الأتراك الذين فشلوا في الحصول على الكميات الكبيرة من الذهب التي كانوا يتوقعونها. زادت هجرة المواطنين من الشمال بعد ادخال الأتراك لأساليب انتاج جديدة في مناطق الشمال المروية. وزادت وتيرة هجرة التجار الشماليين(الجلابة) للجنوب بتقديم الحكومة التركية الحماية للتجار الشماليين وإنشاء المحاكم الشرعية وسوق للرقيق والبضائع الواردة من جنوب سنار. يتحدث الجزء الأخير عن تغلغل الجلابة الشماليين في الجنوب وكذلك في المناطق الجنوبية الشرقية لسنار.
الجزء الثالث: إلى النار
يتحدث هذا الجزاء عن حقبة الهمج التي يصفها بانها كانت فترة دموية و بالغة التعقيد ومتسمة بالصراع للاستيلاء على السلطة . كما يتناول يتحدث هذا الجزء سيرة ابولكيلك وشخصيته وكيفية امساكه بزمام الامور لمصلحة الهمج وأن عهده شهد تحولات عميقة في بنية الدولة خاصة من خلال اعتماده على رجال الدين ضد طبقة النبلاء الفترة التي اعقبت موت ابو لكيلك قائد الانقلاب وموت عدلان بدأت السلطة في التفكك بخروج الاقاليم على المركز. بدأت سلطة الهمج في التحلل ابتداء من 1803 الى 1809 من خلال الصراعات على السلطة واصبحت القيادة الفعلية في يد قادة فرق الفرسان العبيد. احتشد هذا الجزء بتفاصيل تمرد الطامعين في السلطة المركزية والنزاعات القبلية خلال السنوات الاخيرة من القرن الثامن عشر وبداية القرن التاسع عشر كما شهد نزوع الاقاليم والقبائل للاستقلال عن السلطة المركزية إلى حين غزو الأتراك للبلاد.
خلفية موجزة عن الكتاب
1- يُعتَبَر كتاب (عصر البطولة في سنار)، من الكتب القليلة التي تناولت تاريخ الفونج بكثير من الإحاطة والشمول والعمق، حيث بذل الكاتب جهدا مقدرا في جمع مادة الكتاب من مصادر متعددة ومتنوعة والتي تعود بشكل رئيسي إلى كتابات الرحالة أو الإداريين الاجانب وكذلك للمصادر المحلية مثل مخطوطة كاتب الشونة وكتاب طبقات ود ضيف الله. بالتالي فقد جاءت مادة الكتاب دسمة ومكتنزة بالمعلومات، بالإضافة إلى أن الكتاب اتصف بتعدد مستويات التناول والتحليل، مما يجعل كثير من الاستنتاجات التي توصل إليها المؤلف مثيرة للتفكير، ولربما مثيرة للجدل كذلك. في اعتقادي إن كتاب (عصر البطولة في سنار) لا غنى عنه لأي دارسٍ، أو قارئٍ ومتابعٍ لتاريخ دولة سنار.
لابد هنا من الإشارة إلى أن احتشاد الكتاب بالمعلومات الثرة والمتنوعة قد أثر إلى حدٍ ما في تنظيم الكتاب حيث أن العناوين الرئيسية لا تدل أحيانا بشكل دقيق على محتوى المعلومات التي تندرج تحته، بالتالي قد يجد القارئ (خاصة المتعجِّل أو غير المتخصص) صعوبة في المتابعة وربط الأحداث ببعضها.
2- الكاتب لم ينظر إلى الحكم السناري باعتباره حقبة زمنية واحدة، كما فعل كثير من سابقيه، ولكنه تناوله فترة الحكم السناري باعتبارها عهدين مختلفين وهما عهدي حكم الفونج و كم الهمج. وقد ساعد هذا التمييز في التعرف على سمات كل مرحلة وعلى فهم الديناميات والظروف التي أثّرت على كل منهما.
3- تبَنَّىَ المؤلف في تحليله المنهج الاقتصادي للكشف عن تغلغل الرأسمالية والطابع البرجوازي في الحكم والإدارة سيّما في المرحلة الثانية من حكم الدولة السنارية باعتبارها العوامل التي أثرت على مختلف جوانب الحياة في عهد حكم الهمج والتي كانت السبب غير المباشر في إضعاف حكمهم.
الدكتور محمد عبد الله الحسين
mohabd505@gmail.com
صورة الغلاف عبارة عن رسم تخطيطي لقصر سنار المدمر في وقت الفتح العثماني (١٨٢١). من كتاب Voyage à Meroé لفريدريك كايليو © ليجابري

مدن على قماش

مدن على قماش
سيد أحمد محمد الحسن
فنان تشكيلي سوداني، درس الهندسة وهجرها لدراسة الفنون، حيث حصل على بكلاريوس الإمتياز في الرسم والتلوين من كلية الفنون، ونال جائزة أفضل مشروع تخرج في كلية الفنون العام ٢٠١٦م.
نشرت له ورقة علمية في مجلة العلوم الإنسانية لجامعة السودان، وعمل كمساعد تدريس في كلية التربية الفنية ٢٠١٧م. يهتم في اعماله بالتحولات التي يعيشها المجتمع والتعبير عنها بطرق بصرية جديدة، حيث نال عدد من الجوائز والمنح، وعرضت اعماله في السودان ومصر وتونس، ايضا يشارك حاليا في بينالي فينيسيا ٢٠٢٤م.

يمكن العثور على أعمال سيد أحمد على الصفحات التالية:
إينستاجرام: سيد أحمد - فنان
صفحة الفيسبوك: سيد أحمد
قناة يوتيوب: سيد أحمد
خالد عبد الرحمن
هو فنان عصامي، ولد في الخرطوم، السودان عام ١٩٧٨م، حيث عاش طوال حياته، باستثناء الرحلات القصيرة. بعد اندلاع الحرب في السودان في أبريل ٢٠٢٣، قرر الانتقال إلى القاهرة بمصر حتى يتمكن من مواصلة مسيرته المهنية.
يستخدم خالد الوسائط التقليدية في الرسم والتلوين للتعبير عن أفكاره الفنية، من خلال استكشاف علاقته بالمساحات التي عاش فيها، وذلك بشكل أساسي من خلال العمل في ابراز المناظر الطبيعية والحضرية والتفاصيل المعمارية.
شارك في العديد من المعارض الجماعية في الخرطوم وكمبالا والقاهرة ونيروبي وكيب تاون ومدن أخرى، كما أقام ستة معارض فردية في الخرطوم ونيو أورليانز ونيروبي.

يمكن العثور على أعمال خالد عبد الرحمن على الصفحات التالية:
إينستاجرام: فن خالد رحمان
أرتسي: خالد عبد الرحمن
جريزيلدا الطيب
وُلدت غريزيلدا الطيب في عام ١٩٢٥م في لندن وقدمت إلى السودان في عام ١٩٥١م حيث ساهمت في وضع منهجا دراسيًا لتدريس الفنون في مدارس البنات السودانية ودرّستها. وفن غريزيلدا في معظمه رسم تمثيلي تستخدم فيه الألوان المائية. وعُرضت أعمالها في السودان ونيجريا والمغرب وبريطانيا وأمريكا وحديثًا في مؤسسة الشارقة للفنون في المعرض الشامل لرواد الفن التشكيلي السوداني في عام ٢٠١٦م. توفيت قريزلدا في الخرطوم عام ٢٠٢٢.

يمكن العثور على معلومات حول الراحلة جريزيلدا الطيب على موقع ذاكرة السودان
مصطفى معز
وُلد مصطفى معز في عام ١٩٦٨م في أم درمان. وتخرج من كلية الفنون الجميلة والتطبيقية في عام ١٩٩٥م متخصصًا في التصميم الإيضاحي. وعادة ما يجسد مناظر الخرطوم بأسلوب نمطي يغلب فيه استخدام القلم والحبر الأسود ويقل فيه استخدام الألوان المائية وألوان الإكريليك. وعرضت أعماله في نيجيريا والإمارات العربية المتحدة وداخل السودان. وكان مصطفى معز استاذا في كلية الخرطوم للعلوم التطبيقية ومدرسة كمبوني الثانوية.


محمد إبراهيم (واد الجاك)
وُلد ود الجاك في عام ١٩٦٧ في مدينة عطبرة بولاية النيل الأبيض، ودرس في جامعة السودان للعلوم والتكنولوجيا وتخرج منها في عام ١٩٩٤ حيث نال شهادة في الطباعة والتجليد. وهو يدرّس الفنون في المستوى الجامعي ويعمل مصمما بصفة مستقلة. والأداة الرئيسية التي يستخدمها هي الباستيل، لكنه يستخدم أيضا ألوان الإكريليك والألوان الزيتية. وعرضت أعماله في معارض داخل السودان وفي الإمارات العربية المتحدة والصين. ود الجاك عضو في مجموعة تيراب الكوميدية.

صالح عبد الرحمن
وُلد صالح عبد الرحمن في عام ١٩٨٧م في بحري بالخرطوم، ودرس في جبيت في شرق السودان ثم التحق بكلية التربية بجامعة السودان للعلوم والتكنولوجيا التي تخرج منها متخصصا في الرسم والخط. وهو يستخدم الألوان المائية والبن والفحم في رسم مناظر المدينة وتتسم رسوماته في معظمها بالواقعية. وعرضت أعماله داخل السودان وخارجه.

يمكن العثور على أعمال صالح عبد الرحمن على الصفحة التالية:
صفحة الفيسبوك: صالح عبدو
لوحة الغلاف: جامع الخرطوم الكبير وميدان أبو جنزير، نُشر في تقويم © جريزيلدا الطيب
سيد أحمد محمد الحسن
فنان تشكيلي سوداني، درس الهندسة وهجرها لدراسة الفنون، حيث حصل على بكلاريوس الإمتياز في الرسم والتلوين من كلية الفنون، ونال جائزة أفضل مشروع تخرج في كلية الفنون العام ٢٠١٦م.
نشرت له ورقة علمية في مجلة العلوم الإنسانية لجامعة السودان، وعمل كمساعد تدريس في كلية التربية الفنية ٢٠١٧م. يهتم في اعماله بالتحولات التي يعيشها المجتمع والتعبير عنها بطرق بصرية جديدة، حيث نال عدد من الجوائز والمنح، وعرضت اعماله في السودان ومصر وتونس، ايضا يشارك حاليا في بينالي فينيسيا ٢٠٢٤م.

يمكن العثور على أعمال سيد أحمد على الصفحات التالية:
إينستاجرام: سيد أحمد - فنان
صفحة الفيسبوك: سيد أحمد
قناة يوتيوب: سيد أحمد
خالد عبد الرحمن
هو فنان عصامي، ولد في الخرطوم، السودان عام ١٩٧٨م، حيث عاش طوال حياته، باستثناء الرحلات القصيرة. بعد اندلاع الحرب في السودان في أبريل ٢٠٢٣، قرر الانتقال إلى القاهرة بمصر حتى يتمكن من مواصلة مسيرته المهنية.
يستخدم خالد الوسائط التقليدية في الرسم والتلوين للتعبير عن أفكاره الفنية، من خلال استكشاف علاقته بالمساحات التي عاش فيها، وذلك بشكل أساسي من خلال العمل في ابراز المناظر الطبيعية والحضرية والتفاصيل المعمارية.
شارك في العديد من المعارض الجماعية في الخرطوم وكمبالا والقاهرة ونيروبي وكيب تاون ومدن أخرى، كما أقام ستة معارض فردية في الخرطوم ونيو أورليانز ونيروبي.

يمكن العثور على أعمال خالد عبد الرحمن على الصفحات التالية:
إينستاجرام: فن خالد رحمان
أرتسي: خالد عبد الرحمن
جريزيلدا الطيب
وُلدت غريزيلدا الطيب في عام ١٩٢٥م في لندن وقدمت إلى السودان في عام ١٩٥١م حيث ساهمت في وضع منهجا دراسيًا لتدريس الفنون في مدارس البنات السودانية ودرّستها. وفن غريزيلدا في معظمه رسم تمثيلي تستخدم فيه الألوان المائية. وعُرضت أعمالها في السودان ونيجريا والمغرب وبريطانيا وأمريكا وحديثًا في مؤسسة الشارقة للفنون في المعرض الشامل لرواد الفن التشكيلي السوداني في عام ٢٠١٦م. توفيت قريزلدا في الخرطوم عام ٢٠٢٢.

يمكن العثور على معلومات حول الراحلة جريزيلدا الطيب على موقع ذاكرة السودان
مصطفى معز
وُلد مصطفى معز في عام ١٩٦٨م في أم درمان. وتخرج من كلية الفنون الجميلة والتطبيقية في عام ١٩٩٥م متخصصًا في التصميم الإيضاحي. وعادة ما يجسد مناظر الخرطوم بأسلوب نمطي يغلب فيه استخدام القلم والحبر الأسود ويقل فيه استخدام الألوان المائية وألوان الإكريليك. وعرضت أعماله في نيجيريا والإمارات العربية المتحدة وداخل السودان. وكان مصطفى معز استاذا في كلية الخرطوم للعلوم التطبيقية ومدرسة كمبوني الثانوية.


محمد إبراهيم (واد الجاك)
وُلد ود الجاك في عام ١٩٦٧ في مدينة عطبرة بولاية النيل الأبيض، ودرس في جامعة السودان للعلوم والتكنولوجيا وتخرج منها في عام ١٩٩٤ حيث نال شهادة في الطباعة والتجليد. وهو يدرّس الفنون في المستوى الجامعي ويعمل مصمما بصفة مستقلة. والأداة الرئيسية التي يستخدمها هي الباستيل، لكنه يستخدم أيضا ألوان الإكريليك والألوان الزيتية. وعرضت أعماله في معارض داخل السودان وفي الإمارات العربية المتحدة والصين. ود الجاك عضو في مجموعة تيراب الكوميدية.

صالح عبد الرحمن
وُلد صالح عبد الرحمن في عام ١٩٨٧م في بحري بالخرطوم، ودرس في جبيت في شرق السودان ثم التحق بكلية التربية بجامعة السودان للعلوم والتكنولوجيا التي تخرج منها متخصصا في الرسم والخط. وهو يستخدم الألوان المائية والبن والفحم في رسم مناظر المدينة وتتسم رسوماته في معظمها بالواقعية. وعرضت أعماله داخل السودان وخارجه.

يمكن العثور على أعمال صالح عبد الرحمن على الصفحة التالية:
صفحة الفيسبوك: صالح عبدو
لوحة الغلاف: جامع الخرطوم الكبير وميدان أبو جنزير، نُشر في تقويم © جريزيلدا الطيب

سيد أحمد محمد الحسن
فنان تشكيلي سوداني، درس الهندسة وهجرها لدراسة الفنون، حيث حصل على بكلاريوس الإمتياز في الرسم والتلوين من كلية الفنون، ونال جائزة أفضل مشروع تخرج في كلية الفنون العام ٢٠١٦م.
نشرت له ورقة علمية في مجلة العلوم الإنسانية لجامعة السودان، وعمل كمساعد تدريس في كلية التربية الفنية ٢٠١٧م. يهتم في اعماله بالتحولات التي يعيشها المجتمع والتعبير عنها بطرق بصرية جديدة، حيث نال عدد من الجوائز والمنح، وعرضت اعماله في السودان ومصر وتونس، ايضا يشارك حاليا في بينالي فينيسيا ٢٠٢٤م.

يمكن العثور على أعمال سيد أحمد على الصفحات التالية:
إينستاجرام: سيد أحمد - فنان
صفحة الفيسبوك: سيد أحمد
قناة يوتيوب: سيد أحمد
خالد عبد الرحمن
هو فنان عصامي، ولد في الخرطوم، السودان عام ١٩٧٨م، حيث عاش طوال حياته، باستثناء الرحلات القصيرة. بعد اندلاع الحرب في السودان في أبريل ٢٠٢٣، قرر الانتقال إلى القاهرة بمصر حتى يتمكن من مواصلة مسيرته المهنية.
يستخدم خالد الوسائط التقليدية في الرسم والتلوين للتعبير عن أفكاره الفنية، من خلال استكشاف علاقته بالمساحات التي عاش فيها، وذلك بشكل أساسي من خلال العمل في ابراز المناظر الطبيعية والحضرية والتفاصيل المعمارية.
شارك في العديد من المعارض الجماعية في الخرطوم وكمبالا والقاهرة ونيروبي وكيب تاون ومدن أخرى، كما أقام ستة معارض فردية في الخرطوم ونيو أورليانز ونيروبي.

يمكن العثور على أعمال خالد عبد الرحمن على الصفحات التالية:
إينستاجرام: فن خالد رحمان
أرتسي: خالد عبد الرحمن
جريزيلدا الطيب
وُلدت غريزيلدا الطيب في عام ١٩٢٥م في لندن وقدمت إلى السودان في عام ١٩٥١م حيث ساهمت في وضع منهجا دراسيًا لتدريس الفنون في مدارس البنات السودانية ودرّستها. وفن غريزيلدا في معظمه رسم تمثيلي تستخدم فيه الألوان المائية. وعُرضت أعمالها في السودان ونيجريا والمغرب وبريطانيا وأمريكا وحديثًا في مؤسسة الشارقة للفنون في المعرض الشامل لرواد الفن التشكيلي السوداني في عام ٢٠١٦م. توفيت قريزلدا في الخرطوم عام ٢٠٢٢.

يمكن العثور على معلومات حول الراحلة جريزيلدا الطيب على موقع ذاكرة السودان
مصطفى معز
وُلد مصطفى معز في عام ١٩٦٨م في أم درمان. وتخرج من كلية الفنون الجميلة والتطبيقية في عام ١٩٩٥م متخصصًا في التصميم الإيضاحي. وعادة ما يجسد مناظر الخرطوم بأسلوب نمطي يغلب فيه استخدام القلم والحبر الأسود ويقل فيه استخدام الألوان المائية وألوان الإكريليك. وعرضت أعماله في نيجيريا والإمارات العربية المتحدة وداخل السودان. وكان مصطفى معز استاذا في كلية الخرطوم للعلوم التطبيقية ومدرسة كمبوني الثانوية.


محمد إبراهيم (واد الجاك)
وُلد ود الجاك في عام ١٩٦٧ في مدينة عطبرة بولاية النيل الأبيض، ودرس في جامعة السودان للعلوم والتكنولوجيا وتخرج منها في عام ١٩٩٤ حيث نال شهادة في الطباعة والتجليد. وهو يدرّس الفنون في المستوى الجامعي ويعمل مصمما بصفة مستقلة. والأداة الرئيسية التي يستخدمها هي الباستيل، لكنه يستخدم أيضا ألوان الإكريليك والألوان الزيتية. وعرضت أعماله في معارض داخل السودان وفي الإمارات العربية المتحدة والصين. ود الجاك عضو في مجموعة تيراب الكوميدية.

صالح عبد الرحمن
وُلد صالح عبد الرحمن في عام ١٩٨٧م في بحري بالخرطوم، ودرس في جبيت في شرق السودان ثم التحق بكلية التربية بجامعة السودان للعلوم والتكنولوجيا التي تخرج منها متخصصا في الرسم والخط. وهو يستخدم الألوان المائية والبن والفحم في رسم مناظر المدينة وتتسم رسوماته في معظمها بالواقعية. وعرضت أعماله داخل السودان وخارجه.

يمكن العثور على أعمال صالح عبد الرحمن على الصفحة التالية:
صفحة الفيسبوك: صالح عبدو
لوحة الغلاف: جامع الخرطوم الكبير وميدان أبو جنزير، نُشر في تقويم © جريزيلدا الطيب

قائمة تشغيل المدينة

قائمة تشغيل المدينة
الاستماع لقائمة تشغيل تحتوي على أغانٍ عن مدن مختلفة من المشهد الموسيقي السوداني هي طريقة رائعة لاستكشاف النسيج الثقافي الغني للبلاد من خلال موسيقاها. الموسيقى السودانية متجذرة بعمق في التراث الثقافي المتنوع للبلاد، والعديد من الفنانين يستمدون الإلهام من مدن مختلفة، ولكل منها قصصها وإيقاعاتها الفريدة.
تتميز الموسيقى السودانية بتنوعها الغني، حيث تمزج بين الإيقاعات الأفريقية التقليدية والألحان العربية والمؤثرات الحديثة. غالبًا ما تنعكس الجغرافيا والتاريخ المتنوع للبلاد في موسيقاها، حيث تساهم كل منطقة بأصوات وأساليب مميزة.
لا تعرض قائمة التشغيل هذه المواهب الموسيقية للفنانين السودانيين فحسب، ولكنها أيضًا بمثابة رحلة ثقافية عبر مدن البلاد، ولكل منها قصتها وأجواءها الفريدة. سواء كنت من محبي الموسيقى السودانية منذ فترة طويلة أو وافدًا جديدًا، تقدم قائمة التشغيل هذه استكشافًا عميقًا ولحنًا للمناظر الطبيعية الحضرية في السودان.
لا تتردد في إضافة المزيد من الأغاني أو الفنانين الذين يجسدون روح المدن المختلفة في السودان، حيث أن المشهد الموسيقي يتطور دائمًا ويقدم جواهر جديدة.
صورة الغلاف © محمد إبراهيم (ود الجاك)
الاستماع لقائمة تشغيل تحتوي على أغانٍ عن مدن مختلفة من المشهد الموسيقي السوداني هي طريقة رائعة لاستكشاف النسيج الثقافي الغني للبلاد من خلال موسيقاها. الموسيقى السودانية متجذرة بعمق في التراث الثقافي المتنوع للبلاد، والعديد من الفنانين يستمدون الإلهام من مدن مختلفة، ولكل منها قصصها وإيقاعاتها الفريدة.
تتميز الموسيقى السودانية بتنوعها الغني، حيث تمزج بين الإيقاعات الأفريقية التقليدية والألحان العربية والمؤثرات الحديثة. غالبًا ما تنعكس الجغرافيا والتاريخ المتنوع للبلاد في موسيقاها، حيث تساهم كل منطقة بأصوات وأساليب مميزة.
لا تعرض قائمة التشغيل هذه المواهب الموسيقية للفنانين السودانيين فحسب، ولكنها أيضًا بمثابة رحلة ثقافية عبر مدن البلاد، ولكل منها قصتها وأجواءها الفريدة. سواء كنت من محبي الموسيقى السودانية منذ فترة طويلة أو وافدًا جديدًا، تقدم قائمة التشغيل هذه استكشافًا عميقًا ولحنًا للمناظر الطبيعية الحضرية في السودان.
لا تتردد في إضافة المزيد من الأغاني أو الفنانين الذين يجسدون روح المدن المختلفة في السودان، حيث أن المشهد الموسيقي يتطور دائمًا ويقدم جواهر جديدة.
صورة الغلاف © محمد إبراهيم (ود الجاك)

الاستماع لقائمة تشغيل تحتوي على أغانٍ عن مدن مختلفة من المشهد الموسيقي السوداني هي طريقة رائعة لاستكشاف النسيج الثقافي الغني للبلاد من خلال موسيقاها. الموسيقى السودانية متجذرة بعمق في التراث الثقافي المتنوع للبلاد، والعديد من الفنانين يستمدون الإلهام من مدن مختلفة، ولكل منها قصصها وإيقاعاتها الفريدة.
تتميز الموسيقى السودانية بتنوعها الغني، حيث تمزج بين الإيقاعات الأفريقية التقليدية والألحان العربية والمؤثرات الحديثة. غالبًا ما تنعكس الجغرافيا والتاريخ المتنوع للبلاد في موسيقاها، حيث تساهم كل منطقة بأصوات وأساليب مميزة.
لا تعرض قائمة التشغيل هذه المواهب الموسيقية للفنانين السودانيين فحسب، ولكنها أيضًا بمثابة رحلة ثقافية عبر مدن البلاد، ولكل منها قصتها وأجواءها الفريدة. سواء كنت من محبي الموسيقى السودانية منذ فترة طويلة أو وافدًا جديدًا، تقدم قائمة التشغيل هذه استكشافًا عميقًا ولحنًا للمناظر الطبيعية الحضرية في السودان.
لا تتردد في إضافة المزيد من الأغاني أو الفنانين الذين يجسدون روح المدن المختلفة في السودان، حيث أن المشهد الموسيقي يتطور دائمًا ويقدم جواهر جديدة.
صورة الغلاف © محمد إبراهيم (ود الجاك)

كتاب الخرطوم

كتاب الخرطوم
كتاب "تاريخ الخرطوم" من تأليف المؤرخ الدكتور محمد إبراهيم أبو سليم، نُشر في العام ١٩٧٩م، ويُعتبر إلى اليوم من أهم المراجع الحديثة لتاريخ مدينة الخرطوم الكبرى، العمراني والتخطيطي. التحق الدكتور أبو سليم بخدمة محفوظات السودان، وكانت آنذاك قسماً صغيراً مختصَّاً بحفظ الوثائق في وزارة الداخلية. ثم قام بتطوير القسم لما يصبح دار الوثائق القومية. نال الدكتوراة في فلسفة التاريخ من جامعة الخرطوم في عام ١٩٦٦م. وهو غنيٌّ عن التعريف، فقد ارتبط اسمه ومسيرته بتطور التوثيق والتأريخ في السودان.
في مقدمة كتابه يذكر الدكتور أبو سليم أن الجزء الأكبر من "كتاب الخرطوم" كان مجموعة مقالات، نُشرت في مجلة الخرطوم التي كانت تُصدرها وزارة الإرشاد القومي بالسودان في ذلك الوقت. استعان الدكتور أبو سليم بالعديد من المصادر في دار الوثائق المركزية في السودان، ومكتبة جامعة الخرطوم ودار الكتب المصرية ودار الوثائق القومية العربية بالقاهرة.

تناولت مجلة الخرطوم مختلف المواضيع ولم تُركّز فقط على مدينة الخرطوم، وامتدت لبقية مدن السودان، من مقالات وقصص ونوادر وقصائد. منها مقالات و"الخرطوم الجديدة" و"امتدادات الخرطوم" من كتابة الدكتور أبو سليم، ومواضيع أخرى من خبراء وكتّاب آخرين. ولم تقتصر مواضيعها على وصف أو سرد تاريخي للمدن بل تطرقت إلى المسائل والقضايا المتعلقة بعمران وتخطيط المدن التي كانت تشهدها المدينة في تلك الفترة.

التالي مقتطف من مقال "امتدادات الخرطوم"، كتب فيه الدكتور أبو سليم معلّقاً على الأضرار الناتجة عن التوسّع في توزيع الأرض على ذوي الدخل المحدود. من العدد السادس من مجلة الخرطوم مارس ١٩٦٧ (ص.٧٦):
وإذ يخرج هذا المقال في وقتٍ أخذت فيه الدولة تُوزّع الأرض على ذوي الدخل المحدود، ينبغي أن نشير إلى أن المسكن يشكّل جانباً مهمّاً من حياة الإنسان، خاصةً في قطرٍ يكاد كل فرد فيه يملك المنزل الذي يأوي إليه؛ سواء كان من قش أو جلد أو طين، إن المنزل عامل استقرارٍ نفسيّ لابد منه. ولكن هناك مشاكل وراء التوسع في توزيع الأرض، ولعل أهمها هو أن التوزيع يخلق طبقةً من الملاك، خاصةً والاتجاه العام الآن هو الامتلاك للتأجير والاستفادة المادية من ورائه، وهذا في الواقع يعني أن كثيراً من مدخرات المدن ستتحول إلى منازل قد لا تجد من يؤجّرها، ويضاف إلى ذلك أن كثيرين ممن لا يملكون إمكانية البناء سيحصلون على الأرض، وليس من سبيلٍ أمامهم إلا الاستدانة؛ سواءً كانوا من عمال الدولة أو غيرهم، وهذا يعني في الواقع مزيداً من الديون لهذه الطبقة المُرهَقَة، وأخشى أيضاً أن يؤدي الزمن إلى ارتفاع في تكاليف البناء وموادّه فيصير ذلك عبئاً على الفقراء.
ودرئاً لهذه المخاطر أو تقليلًا لها، على الدولة ألا تصرّ على أن يتم البناء في وقتٍ مُحدَّد، بل من الأفضل أن تعطي فسحةً من الوقت أطول حتى يتمكن الفقراء من البناء شيئاً فشيئاً، وحتى يحدّ ذلك من ارتفاع الأسعار والتكاليف.
وعليها أيضاً أن تُوفّر مواد البناء، خاصة المواد المحلية، وأن تجعلها في متناول الفقراء.
كتاب "تاريخ الخرطوم" من تأليف المؤرخ الدكتور محمد إبراهيم أبو سليم، نُشر في العام ١٩٧٩م، ويُعتبر إلى اليوم من أهم المراجع الحديثة لتاريخ مدينة الخرطوم الكبرى، العمراني والتخطيطي. التحق الدكتور أبو سليم بخدمة محفوظات السودان، وكانت آنذاك قسماً صغيراً مختصَّاً بحفظ الوثائق في وزارة الداخلية. ثم قام بتطوير القسم لما يصبح دار الوثائق القومية. نال الدكتوراة في فلسفة التاريخ من جامعة الخرطوم في عام ١٩٦٦م. وهو غنيٌّ عن التعريف، فقد ارتبط اسمه ومسيرته بتطور التوثيق والتأريخ في السودان.
في مقدمة كتابه يذكر الدكتور أبو سليم أن الجزء الأكبر من "كتاب الخرطوم" كان مجموعة مقالات، نُشرت في مجلة الخرطوم التي كانت تُصدرها وزارة الإرشاد القومي بالسودان في ذلك الوقت. استعان الدكتور أبو سليم بالعديد من المصادر في دار الوثائق المركزية في السودان، ومكتبة جامعة الخرطوم ودار الكتب المصرية ودار الوثائق القومية العربية بالقاهرة.

تناولت مجلة الخرطوم مختلف المواضيع ولم تُركّز فقط على مدينة الخرطوم، وامتدت لبقية مدن السودان، من مقالات وقصص ونوادر وقصائد. منها مقالات و"الخرطوم الجديدة" و"امتدادات الخرطوم" من كتابة الدكتور أبو سليم، ومواضيع أخرى من خبراء وكتّاب آخرين. ولم تقتصر مواضيعها على وصف أو سرد تاريخي للمدن بل تطرقت إلى المسائل والقضايا المتعلقة بعمران وتخطيط المدن التي كانت تشهدها المدينة في تلك الفترة.

التالي مقتطف من مقال "امتدادات الخرطوم"، كتب فيه الدكتور أبو سليم معلّقاً على الأضرار الناتجة عن التوسّع في توزيع الأرض على ذوي الدخل المحدود. من العدد السادس من مجلة الخرطوم مارس ١٩٦٧ (ص.٧٦):
وإذ يخرج هذا المقال في وقتٍ أخذت فيه الدولة تُوزّع الأرض على ذوي الدخل المحدود، ينبغي أن نشير إلى أن المسكن يشكّل جانباً مهمّاً من حياة الإنسان، خاصةً في قطرٍ يكاد كل فرد فيه يملك المنزل الذي يأوي إليه؛ سواء كان من قش أو جلد أو طين، إن المنزل عامل استقرارٍ نفسيّ لابد منه. ولكن هناك مشاكل وراء التوسع في توزيع الأرض، ولعل أهمها هو أن التوزيع يخلق طبقةً من الملاك، خاصةً والاتجاه العام الآن هو الامتلاك للتأجير والاستفادة المادية من ورائه، وهذا في الواقع يعني أن كثيراً من مدخرات المدن ستتحول إلى منازل قد لا تجد من يؤجّرها، ويضاف إلى ذلك أن كثيرين ممن لا يملكون إمكانية البناء سيحصلون على الأرض، وليس من سبيلٍ أمامهم إلا الاستدانة؛ سواءً كانوا من عمال الدولة أو غيرهم، وهذا يعني في الواقع مزيداً من الديون لهذه الطبقة المُرهَقَة، وأخشى أيضاً أن يؤدي الزمن إلى ارتفاع في تكاليف البناء وموادّه فيصير ذلك عبئاً على الفقراء.
ودرئاً لهذه المخاطر أو تقليلًا لها، على الدولة ألا تصرّ على أن يتم البناء في وقتٍ مُحدَّد، بل من الأفضل أن تعطي فسحةً من الوقت أطول حتى يتمكن الفقراء من البناء شيئاً فشيئاً، وحتى يحدّ ذلك من ارتفاع الأسعار والتكاليف.
وعليها أيضاً أن تُوفّر مواد البناء، خاصة المواد المحلية، وأن تجعلها في متناول الفقراء.

كتاب "تاريخ الخرطوم" من تأليف المؤرخ الدكتور محمد إبراهيم أبو سليم، نُشر في العام ١٩٧٩م، ويُعتبر إلى اليوم من أهم المراجع الحديثة لتاريخ مدينة الخرطوم الكبرى، العمراني والتخطيطي. التحق الدكتور أبو سليم بخدمة محفوظات السودان، وكانت آنذاك قسماً صغيراً مختصَّاً بحفظ الوثائق في وزارة الداخلية. ثم قام بتطوير القسم لما يصبح دار الوثائق القومية. نال الدكتوراة في فلسفة التاريخ من جامعة الخرطوم في عام ١٩٦٦م. وهو غنيٌّ عن التعريف، فقد ارتبط اسمه ومسيرته بتطور التوثيق والتأريخ في السودان.
في مقدمة كتابه يذكر الدكتور أبو سليم أن الجزء الأكبر من "كتاب الخرطوم" كان مجموعة مقالات، نُشرت في مجلة الخرطوم التي كانت تُصدرها وزارة الإرشاد القومي بالسودان في ذلك الوقت. استعان الدكتور أبو سليم بالعديد من المصادر في دار الوثائق المركزية في السودان، ومكتبة جامعة الخرطوم ودار الكتب المصرية ودار الوثائق القومية العربية بالقاهرة.

تناولت مجلة الخرطوم مختلف المواضيع ولم تُركّز فقط على مدينة الخرطوم، وامتدت لبقية مدن السودان، من مقالات وقصص ونوادر وقصائد. منها مقالات و"الخرطوم الجديدة" و"امتدادات الخرطوم" من كتابة الدكتور أبو سليم، ومواضيع أخرى من خبراء وكتّاب آخرين. ولم تقتصر مواضيعها على وصف أو سرد تاريخي للمدن بل تطرقت إلى المسائل والقضايا المتعلقة بعمران وتخطيط المدن التي كانت تشهدها المدينة في تلك الفترة.

التالي مقتطف من مقال "امتدادات الخرطوم"، كتب فيه الدكتور أبو سليم معلّقاً على الأضرار الناتجة عن التوسّع في توزيع الأرض على ذوي الدخل المحدود. من العدد السادس من مجلة الخرطوم مارس ١٩٦٧ (ص.٧٦):
وإذ يخرج هذا المقال في وقتٍ أخذت فيه الدولة تُوزّع الأرض على ذوي الدخل المحدود، ينبغي أن نشير إلى أن المسكن يشكّل جانباً مهمّاً من حياة الإنسان، خاصةً في قطرٍ يكاد كل فرد فيه يملك المنزل الذي يأوي إليه؛ سواء كان من قش أو جلد أو طين، إن المنزل عامل استقرارٍ نفسيّ لابد منه. ولكن هناك مشاكل وراء التوسع في توزيع الأرض، ولعل أهمها هو أن التوزيع يخلق طبقةً من الملاك، خاصةً والاتجاه العام الآن هو الامتلاك للتأجير والاستفادة المادية من ورائه، وهذا في الواقع يعني أن كثيراً من مدخرات المدن ستتحول إلى منازل قد لا تجد من يؤجّرها، ويضاف إلى ذلك أن كثيرين ممن لا يملكون إمكانية البناء سيحصلون على الأرض، وليس من سبيلٍ أمامهم إلا الاستدانة؛ سواءً كانوا من عمال الدولة أو غيرهم، وهذا يعني في الواقع مزيداً من الديون لهذه الطبقة المُرهَقَة، وأخشى أيضاً أن يؤدي الزمن إلى ارتفاع في تكاليف البناء وموادّه فيصير ذلك عبئاً على الفقراء.
ودرئاً لهذه المخاطر أو تقليلًا لها، على الدولة ألا تصرّ على أن يتم البناء في وقتٍ مُحدَّد، بل من الأفضل أن تعطي فسحةً من الوقت أطول حتى يتمكن الفقراء من البناء شيئاً فشيئاً، وحتى يحدّ ذلك من ارتفاع الأسعار والتكاليف.
وعليها أيضاً أن تُوفّر مواد البناء، خاصة المواد المحلية، وأن تجعلها في متناول الفقراء.

المدن الافتراضية في السودان

المدن الافتراضية في السودان
وفقًا لدليل مختبر الجغرافيا البشرية، تتميَّز المدن بوجود مناطق مركزية، مبانٍ، طُرُق سريعة وشبكات نقل أخرى. كما أن بها شركات، وعدد كبير من السكان و هوية ثقافية يميز مظهرها العام.
في عصر وسائل التواصل الاجتماعي والمنصات الإلكترونية المنتشرة، هل يمكن القول إننا نعيش في مدن افتراضية يمكن تعريفها من خلال الخصائص نفسها أو ما يشابهها مما نُمَيِّز به المدن الحقيقية؟ وإذا كان الأمر كذلك، هل توجد مدينة أو مدن يقطنها جمهور سوداني؟.
شيوع استخدام منصات التواصل الاجتماعي كوسيلة للتواصل بين السودانيين أمرٌ جليّ، ويظهر ذلك على سبيل المثال في الطريقة التي تُستخدم بها هذه الوسائل تعويضاً عن القرب المكاني للمناسبات الاجتماعية؛ حيث من الشائع جدًا إرسال رمز تعبيري حزين أو رسالة صوتية بالبكاء والنحيب على فقدان أحد الأحباء، كما يتم في (البِكاء) لتعزية أسرة المتوفى وذلك عبر تطبيق واتساب المعروف.
توفر هذه "الطرق الافتراضية السريعة" اتصالاً بين شخص وآخر أو مجموعة من الأشخاص. ويظهر التشابه بين المدن المادية الحقيقية والمدن الافتراضية في مثل هذه المساحات الجماعية، كمجموعات الواتساب أوغرف "كلوب هاوس" أو مساحات "إكس"، حيث يجتمع الأشخاص الذين لديهم اتصال أو اهتمام مشترك لمناقشة الأخبار أو شراء السلع أو الخدمات بنفس الطريقة المعتادة التي يتوجّهون بها إلى المباني المادية للقيام بهذه الأنشطة.

في هذه المدينة تعتبر مواقع مثل "تيك توك" مناطق مركزية، حيث الإثارة و الترفيه الذي يجذب الشباب السوداني من أي مكان على مدار الساعة. كما أن النخب المثقفة الأكبر سنًا تتجمع في "مقاهيهم" الافتراضية للتنظير والتفاكر حول كيفية حل جميع مشاكل السودان. أما بالنسبة للأعمال، فقد وجدت ازدهاراً حيث يتم توجيه حركة المرور في هذه المنطقة في الغالب نحو حسابات الفيسبوك التي تروّج من خلالها لسلعها أو خدماتها. بدءًا من أحدث صيحات الموضة في التوب السوداني إلى بسكويت العيد، ومن العقارات إلى السيارات وغيرها الكثير من الخدمات. هذا سوق مفتوح للجميع طالما لديك "وسيلة" للعبور إلى الإنترنت والمواقع الإلكترونية.
ولهذه المدينة الافتراضية القدرة على توجيه مرتاديها، سواء بوعي أو من خلال خوارزميات مدمجة، حيث يصبح مرتادو هذه المدن في حالة من العزلة عن العالم الحقيقي. ومثلما هو الحال في العالم الحقيقي، يستفيد منها ويجني فوائدها فقط الذين لديهم الإمكانيات والأدوات للدخول إليها. وهكذا، بينما يوجد العديد من السودانيين "متصلين بالإنترنت"، فإن الكثيرين غير متصل. ومع ذلك، غالبًا ما يكون لهؤلاء الأفراد المعزولين وأحيانًا "الأحياء" إمكانية الدخول الى هذه المدن عبر قريب أو صديق أو عندما تنتقل مواضيع وسائل التواصل الاجتماعي إلى وسائل الإعلام المطبوعة والإذاعة حيث يتم الحديث والكتابة عنها.
وللمدينة الافتراضية السودانية سمات واضحة تميزها؛ حيث لديها أساليبها اللغوية والثقافية الخاصة وكذلك استخدامها الهاشتاقات المعبرة للتأثير على اتجاهات الأحداث والفئات المستهدفة من الجمهور السوداني. والآن ومنذ اندلاع الحرب، اكتسبت هذه المدينة السودانية الافتراضية أهمية جديدة، حيث يتخذ كمكان يمكن فيه تعويض الفقد الحقيقي للمدينة بما فيها من خصوصية وإحساس الانتماء، ولو بصورة محدودة ومؤقتة.
صورة الغلاف © سارة النقر
وفقًا لدليل مختبر الجغرافيا البشرية، تتميَّز المدن بوجود مناطق مركزية، مبانٍ، طُرُق سريعة وشبكات نقل أخرى. كما أن بها شركات، وعدد كبير من السكان و هوية ثقافية يميز مظهرها العام.
في عصر وسائل التواصل الاجتماعي والمنصات الإلكترونية المنتشرة، هل يمكن القول إننا نعيش في مدن افتراضية يمكن تعريفها من خلال الخصائص نفسها أو ما يشابهها مما نُمَيِّز به المدن الحقيقية؟ وإذا كان الأمر كذلك، هل توجد مدينة أو مدن يقطنها جمهور سوداني؟.
شيوع استخدام منصات التواصل الاجتماعي كوسيلة للتواصل بين السودانيين أمرٌ جليّ، ويظهر ذلك على سبيل المثال في الطريقة التي تُستخدم بها هذه الوسائل تعويضاً عن القرب المكاني للمناسبات الاجتماعية؛ حيث من الشائع جدًا إرسال رمز تعبيري حزين أو رسالة صوتية بالبكاء والنحيب على فقدان أحد الأحباء، كما يتم في (البِكاء) لتعزية أسرة المتوفى وذلك عبر تطبيق واتساب المعروف.
توفر هذه "الطرق الافتراضية السريعة" اتصالاً بين شخص وآخر أو مجموعة من الأشخاص. ويظهر التشابه بين المدن المادية الحقيقية والمدن الافتراضية في مثل هذه المساحات الجماعية، كمجموعات الواتساب أوغرف "كلوب هاوس" أو مساحات "إكس"، حيث يجتمع الأشخاص الذين لديهم اتصال أو اهتمام مشترك لمناقشة الأخبار أو شراء السلع أو الخدمات بنفس الطريقة المعتادة التي يتوجّهون بها إلى المباني المادية للقيام بهذه الأنشطة.

في هذه المدينة تعتبر مواقع مثل "تيك توك" مناطق مركزية، حيث الإثارة و الترفيه الذي يجذب الشباب السوداني من أي مكان على مدار الساعة. كما أن النخب المثقفة الأكبر سنًا تتجمع في "مقاهيهم" الافتراضية للتنظير والتفاكر حول كيفية حل جميع مشاكل السودان. أما بالنسبة للأعمال، فقد وجدت ازدهاراً حيث يتم توجيه حركة المرور في هذه المنطقة في الغالب نحو حسابات الفيسبوك التي تروّج من خلالها لسلعها أو خدماتها. بدءًا من أحدث صيحات الموضة في التوب السوداني إلى بسكويت العيد، ومن العقارات إلى السيارات وغيرها الكثير من الخدمات. هذا سوق مفتوح للجميع طالما لديك "وسيلة" للعبور إلى الإنترنت والمواقع الإلكترونية.
ولهذه المدينة الافتراضية القدرة على توجيه مرتاديها، سواء بوعي أو من خلال خوارزميات مدمجة، حيث يصبح مرتادو هذه المدن في حالة من العزلة عن العالم الحقيقي. ومثلما هو الحال في العالم الحقيقي، يستفيد منها ويجني فوائدها فقط الذين لديهم الإمكانيات والأدوات للدخول إليها. وهكذا، بينما يوجد العديد من السودانيين "متصلين بالإنترنت"، فإن الكثيرين غير متصل. ومع ذلك، غالبًا ما يكون لهؤلاء الأفراد المعزولين وأحيانًا "الأحياء" إمكانية الدخول الى هذه المدن عبر قريب أو صديق أو عندما تنتقل مواضيع وسائل التواصل الاجتماعي إلى وسائل الإعلام المطبوعة والإذاعة حيث يتم الحديث والكتابة عنها.
وللمدينة الافتراضية السودانية سمات واضحة تميزها؛ حيث لديها أساليبها اللغوية والثقافية الخاصة وكذلك استخدامها الهاشتاقات المعبرة للتأثير على اتجاهات الأحداث والفئات المستهدفة من الجمهور السوداني. والآن ومنذ اندلاع الحرب، اكتسبت هذه المدينة السودانية الافتراضية أهمية جديدة، حيث يتخذ كمكان يمكن فيه تعويض الفقد الحقيقي للمدينة بما فيها من خصوصية وإحساس الانتماء، ولو بصورة محدودة ومؤقتة.
صورة الغلاف © سارة النقر

وفقًا لدليل مختبر الجغرافيا البشرية، تتميَّز المدن بوجود مناطق مركزية، مبانٍ، طُرُق سريعة وشبكات نقل أخرى. كما أن بها شركات، وعدد كبير من السكان و هوية ثقافية يميز مظهرها العام.
في عصر وسائل التواصل الاجتماعي والمنصات الإلكترونية المنتشرة، هل يمكن القول إننا نعيش في مدن افتراضية يمكن تعريفها من خلال الخصائص نفسها أو ما يشابهها مما نُمَيِّز به المدن الحقيقية؟ وإذا كان الأمر كذلك، هل توجد مدينة أو مدن يقطنها جمهور سوداني؟.
شيوع استخدام منصات التواصل الاجتماعي كوسيلة للتواصل بين السودانيين أمرٌ جليّ، ويظهر ذلك على سبيل المثال في الطريقة التي تُستخدم بها هذه الوسائل تعويضاً عن القرب المكاني للمناسبات الاجتماعية؛ حيث من الشائع جدًا إرسال رمز تعبيري حزين أو رسالة صوتية بالبكاء والنحيب على فقدان أحد الأحباء، كما يتم في (البِكاء) لتعزية أسرة المتوفى وذلك عبر تطبيق واتساب المعروف.
توفر هذه "الطرق الافتراضية السريعة" اتصالاً بين شخص وآخر أو مجموعة من الأشخاص. ويظهر التشابه بين المدن المادية الحقيقية والمدن الافتراضية في مثل هذه المساحات الجماعية، كمجموعات الواتساب أوغرف "كلوب هاوس" أو مساحات "إكس"، حيث يجتمع الأشخاص الذين لديهم اتصال أو اهتمام مشترك لمناقشة الأخبار أو شراء السلع أو الخدمات بنفس الطريقة المعتادة التي يتوجّهون بها إلى المباني المادية للقيام بهذه الأنشطة.

في هذه المدينة تعتبر مواقع مثل "تيك توك" مناطق مركزية، حيث الإثارة و الترفيه الذي يجذب الشباب السوداني من أي مكان على مدار الساعة. كما أن النخب المثقفة الأكبر سنًا تتجمع في "مقاهيهم" الافتراضية للتنظير والتفاكر حول كيفية حل جميع مشاكل السودان. أما بالنسبة للأعمال، فقد وجدت ازدهاراً حيث يتم توجيه حركة المرور في هذه المنطقة في الغالب نحو حسابات الفيسبوك التي تروّج من خلالها لسلعها أو خدماتها. بدءًا من أحدث صيحات الموضة في التوب السوداني إلى بسكويت العيد، ومن العقارات إلى السيارات وغيرها الكثير من الخدمات. هذا سوق مفتوح للجميع طالما لديك "وسيلة" للعبور إلى الإنترنت والمواقع الإلكترونية.
ولهذه المدينة الافتراضية القدرة على توجيه مرتاديها، سواء بوعي أو من خلال خوارزميات مدمجة، حيث يصبح مرتادو هذه المدن في حالة من العزلة عن العالم الحقيقي. ومثلما هو الحال في العالم الحقيقي، يستفيد منها ويجني فوائدها فقط الذين لديهم الإمكانيات والأدوات للدخول إليها. وهكذا، بينما يوجد العديد من السودانيين "متصلين بالإنترنت"، فإن الكثيرين غير متصل. ومع ذلك، غالبًا ما يكون لهؤلاء الأفراد المعزولين وأحيانًا "الأحياء" إمكانية الدخول الى هذه المدن عبر قريب أو صديق أو عندما تنتقل مواضيع وسائل التواصل الاجتماعي إلى وسائل الإعلام المطبوعة والإذاعة حيث يتم الحديث والكتابة عنها.
وللمدينة الافتراضية السودانية سمات واضحة تميزها؛ حيث لديها أساليبها اللغوية والثقافية الخاصة وكذلك استخدامها الهاشتاقات المعبرة للتأثير على اتجاهات الأحداث والفئات المستهدفة من الجمهور السوداني. والآن ومنذ اندلاع الحرب، اكتسبت هذه المدينة السودانية الافتراضية أهمية جديدة، حيث يتخذ كمكان يمكن فيه تعويض الفقد الحقيقي للمدينة بما فيها من خصوصية وإحساس الانتماء، ولو بصورة محدودة ومؤقتة.
صورة الغلاف © سارة النقر

أسطورة حضرية

أسطورة حضرية
ميدان الخليفة
في ٢٦ يناير ١٨٨٥م، وإبّان مقتل الحاكم البريطاني غردون باشا، أنهت قوات المهدي الحكم التركي في السودان في ثورة استمرت من ١٨٨١ حتى ١٨٨٥م. المهدي كان زعيماً دينيَّاً تَوَحَّد السودانيون حوله لمقاومة الحكم التركي، ولكنه توفي بعد انتصار الثورة بفترة وجيزة، ولم يشهد قيام دولته الإسلامية المنشودة.
تولى من بعده الخليفة عبد الله، والذي أصبح منوطاً بتأسيس الدولة المهدية الجديدة التي اتَّخذت أمدرمان عاصمةً لها. كانت البقعة التي اختارها المهدي منزلاً له في حياته، ومثواه الأخير لاحقاً، هي النواة التي نَمَت منها مدينة أمدرمان على مدار ثلاثة عشرة سنة عبر طول ستة أميال ممتدة على الشاطئ الغربي للنيل.
بنى الخليفة منزله ومباني حكومته جنوب مقام المهدي، وشيَّد غرباً أكبر مباني المدينة، ألا وهو مسجد الخليفة، الذي صُمِّمَ لاستيعاب عشرة آلاف من المصلين. كانت جدران المسجد حجرية مطلية بالجير الأبيض، وبه محراب وكان مسقوفاً جزئيَّاً. النساء كُنَّ مفصولات عن الرجال بسور من الأشجار من الناحية الغربية. الشيء الوحيد الذي تبقى بعد الغزو البريطاني عام ١٨٩٨ هو الجدران الحجرية.
على مر القرن الماضي، خضع المسجد للعديد من التغييرات وأُطلق عليه العديد من الأسماء واستخدم لمختلف الأغراض.
أشارككم تجربتي مع العديد من الأشخاص في محاولة تقصي ما مَرَّ به هذا المكان عبر الزمن.
ذكريات داخل الذاكرة
في ظهر يومٍ عاديّ، حيث أخطأت في ركوب حافلة غير التي أريد، ووجدت نفسي أمام ميدان الخليفة. عرفتُ، من النظرة الأولى، أننا في وقت احتفالات المولد النبوي من ظهور محلات بيع حلوى المولد التي تنتشر هناك مع بدايات شهر ربيع الأول. حيث تمتلئ أعينك بحلاوة عروس المولد المصبوغة باللون الوردي وأشكالٍ أُخرى من أنواع مختلفة من الحلويات المُشبَّعة بالسّكَّر. على الرغم أن الكثير من الناس أصبحوا ينتقدون هذه الحلوى وطرق تصنيعها، وتأثيرها على الصحة، إلا أنك تجد نفسك تغضّ الطرف عن كلّ هذا عندما تقف أمام البائع قائلاً:
- "ناولني ٢ كيلو من هذه من فضلك!"
في هذه الأثناء، ألقَيتُ نظرةً على الميدان خلف محلات الحلوى، وهو مبتهجٌ بطيفٍ من الألوان، اصطفَّت خيام الطرق الصوفية، وغاب عنه اللون البني الكئيب الذي يكسوه طوال العام. عند منتصف الميدان، تنتصب ثلاثة أعمدة إسمنتية عُلِّقَت عليها ألوان من زينة المولد لطالما لفتَت انتباهي، ولكن تزيّنها بهذه الطريقة منعني أن أتجاهل فضولي حولها هذه المرة.
اقتربت من الشاب الجالس في ظلّها الضيق الذي بالكاد يظلّ جسده النحيل أسأله: "ما هذه؟".
"لا أدري، نُعلّق عليها الزينة في كل عام".
رَحلتُ وأنا أفكّر أنه لا يمكن لهذه الأعمدة الإسمنتية الكبيرة أن تكون مصنوعة لغرض تعليق الزينة فقط!
.........
تحصّلتُ، بعد عناء كبير، على تصريح للدخول لمكتبة للوثائق الصورية يُقدَّر أن بها أكثر من إثنين مليون صورة وثائقية.
تصفحت حوالي ١٧٠٠ صورة لمباني مهمة من مجلد بعنوان الخرطوم، عددٌ مقدّرٌ منها من الصور لمبنى البرلمان، وفصل كامل عن سوق أمدرمان، وأخيراً عثرت على صور الميدان المنشودة، والتي لا توحي باللون البني في شيء، على الرغم من أنها صور بالأبيض والأسود، إلا أن الأشجار تضجّ بالخضرة، وإن كانت باديةً بلونٍ أسودٍ غامق.
سألت الرجل المسنّ (ودائماً ما يكون هنالك رجل مسن في الدوائر السودانية) :"هل يمكنني أخذ صورة؟"
- "لا هذا ممنوع"
- "ولكن لدي تصريح!"
- "ليس كافياً، يجب أن يُرفَق بتوقيع آخر، ويُصدَّق عليه من جهة أخرى بعد أن يمرَّ على الجهة المختصَّة التي.. إلخ إلخ.
اكتفيت عندئذٍ بتصويره في مخيلتي ثمّ ذهبت.
........
وقف الدكتور عثمان يحاضر في إحدى الجامعات عن نشأة مدينتين، أمدرمان والخرطوم وكيف كانت إحداها تُجسِّد المدينة الأوروبية المثالية في وسط إفريقيا مقابل المدينة ذات الثقافة والسِمات المحلية الواقعة غرب النيل. بيّن د.عثمان كيف وزَّع الخليفة الأراضي وكيف قُسِّمت الشوارع ومن ثم كيف تمدَّدت مع مرور الوقت لتصبح مغلقة وخالية من أي مساحات للميادين العامة.
-"د.عثمان!"
-"نعم؟"
-"هل تعلم أن ميدان الخليفة كان منتزهاً؟"
-"كيف لا أعلم! كنت أعمل على هذا المشروع وأنا لا أزال مهندساً خريجاً يافعاً، كم كانت فكرة مُذهلة حيث أن أمدرمان كانت تخلو من المساحات الخضراء وهذا المشروع كان سيغيّر وجه المدينة كُلياً ليصبح الميدان منتزهاً عامَّاً في وسطها النابض"
-"ولكن لماذا لم يعد المنتزه موجوداً؟"
-"لا أعلم"
-"وماذا بشأن تلك الأعمدة ماذا كان الغرض منها؟"
-"لا أذكر"
حاولت البحث عن تلك الشركة الإيطالية التي ذكر د.عثمان أنها كانت صاحبة فكرة المنتزه، لم أعثر على شيء عنها ولا عن الأعمدة الثلاثة.
.........
وقفتُ في غرفة مكتظة بالتحف والصور الجدارية والتلاميذ وهي غرفة بالتأكيد لم تكن مصممة لتحتوي أيٍّ من هذه الثلاث.
قبل عدة ساعات كانت قد أرسلت ثلاثة مدارس تلاميذها لزيارة متحف بيت الخليفة، وبسبب غياب التنسيق من المدرسة لم يدروا بأن المتحف مغلق للصيانة، ولإنقاذ الموقف تطوَّع مدير اللجنة المسؤولة عن الميدان، الذي حُوِّل هو الآخر مكتبه لمتحف مصغر، تطوَّع بشرح تاريخ المهدية للضيوف اليافعين وهو تاريخ أجداده حيث أنه أحد أحفاد الخليفة.
كل فصل كان ينتظر دوره بالخارج، وكنا ننتظر نحن أيضاً جالسين بالخارج ننظر لمتدربي تعلم سياقة السيارات في الميدان، وبعض الخيول التي كان يتم تمشيتها حول الميدان وهي تبدو كما أنها لو كانت في مكانها الطبيعي.
أعلى الباب كانت هناك لافتة كُتب عليها مساحة الميدان 470 *295 ذراع، يا ترى لمن كان هذا الذراع الذي قاسوا بها الميدان؟ وهل كان عمل هذا الشخص أن يكون القياس؟ وهل كانوا ينادونه كلما احتاجوا لذراعه؟
الآن جاء دورنا للدخول، أخذت جولة حول مقتنيات الغرفة ثم سألت الرجل المسن (مسن آخر):
- "هل تذكر متى تم تحويل الميدان إلى منتزه؟"
- "بالطبع أذكر، كنت واحداً من الذين وقفوا في وجه هذا القرار الجائر!"
- "لماذا؟"
- لأن الميدان هو المسجد! لا يعني أنه ليس مسقوفاً أنه يمكن أن يتغير غرضه وأن يُبَاح استخدامه كميدان عام!
- "ماذا حدث إذن؟"
- "قام نميري بهدم السور العتيق وشيَّد مكانه هذه الأسوار المعدنية، وبدأ تشييد الصرح وتجهيز المحيط، تقدمنا بدعوة قضائية وفزنا بها، وأنا بنفسي كنت شاهداً على إزالة كل شيء لكن الأعمدة الأسمنتية كانت عصية على الإزالة فتُركت بمكانها".
- "أنا واثق من أنه كان يريد أن يستخدمه كمدافن للناس!"، قال أحد المتجولين، والذي خرج لنا فُجأةً من حيث لا ندري، كأنه واحد من هؤلاء المدفونين المزعومين.
- "ماذا يجعلك تعتقد هذا؟"
- "يقال أنه يوجد غرف تحت هذه الأعمدة".
وأول شي قد خطر ببالك أنها بنيت لدفن الموتى!... سألته مباشرة : "هل رأيتهم؟"
- "لا ولكن ما عسى أن يكون الغرض منها؟"
"هذه صرح ضخم لا بد أنه يحتاج لهذا النوع من الإنشاءات أو القواعد تحت الأرض لتثبيته!"
- "لا أعلم".
وما عن هذه الأعمدة؟ ماذا كان الغرض من تلك الأعمدة؟
لا أدري ولكن أذكر أنها شيء عن الأبطال...

قررت أن أُعيد المحاولة مرة أخرى مع الوثائق هذه المرة، مع دار وثائق أكثر سهولة في الدخول. جلست أمام الموظفة التي كانت مهمتها الوحيدة تقرير ماذا كان مسموحاً لي بالإطلاع عليه وهو عادة كل شيء عدا الشيء الذي تبحث عنه. بعد أن شرحت لها غرضي اقترحت علي قراءة كتاب محمد أبو سليم عن الخرطوم. لأنه هو من قام بتأسيس دار الوثائق وكتب من وثائقها مجموعة كبيرة من الكتب.
كتب أبو سليم كثيراً عن الميدان وقال إنه بُني على مراحل، بداية من القش ثم الطين وأخيراً الحجر. وقال إن الميدان دوماً كان يستخدم للاحتفالات الدينية وعرض جيش الخليفة حيث كان موقع الميدان في قلب المدينة، وملتقى مجموعة من الطرق، وإحدى هذه الطرق كان يأتي منها الجيش للعرض ومنها سميت لاحقاً بـ"شارع العرضة"، وكذلك سمي الطريق الذي كان يغادر منه الجيش بـ"شارع الهجرة".
في كتاب آخر داخل هذا الأرشيف، رُسِم مخطط للمسجد في عهد الخليفة يبين به مكان وقوف كل قبيلة داخل المسجد في أوقات الصلاة. يبدو أنها كانت طريقة لتسجيل الحضور للتأكد من حضور الكل وأنه لا يجتمع أحد في مكانٍ ما للتآمر.
…..
كمحاولة مستميتة نشرت سؤال على شبكة الإنترنت يقول:
هل من أحد يعلم ماذا كان الغرض من ذاك الصرح في ميدان الخليفة؟
أتتني مجموعة من الإجابات عن صروح مختلفة لكن لم تكن أيّاً منها الصرح الذي استفسرت عنه. البعض تذكر مسلات معدنية في مواقع مختلفة في المدينة، لكن هل كانت واحدة أم كانوا ثلاث؟ هل كانت ثابتة أم متنقلة؟ لا أحد يجزم. بعضهم ذكر وجود مُدفع وآخرين تِمثال للبدري قيل إنه الأب وقيل أيضاً أنه الإبن، والشيء الوحيد المؤكد أنهم جميعاً لم يعد لهم وجود اليوم.
حاولت مجدداً نشر السؤال على فيسبوك في مجموعة للصور القديمة.
أتتني الإجابة متفرّقة بين تعليقات الأجندات السياسية التي تُحشر في كل مكان. التعليقات أشارت إلى أن قرار نميري بتحويل الميدان لم يكن بمعزل من خلافاته السياسية مع أُسرة المهدي، وكان يُنظر للقرار على أنها محاولة منه لمحو إرث تاريخ المهدية. فيما يُعنى بالصرح قيل إنه في أواخر السبعينيات تم تحويل الميدان إلى منتزه عام وسمي بـ"ساحة الأبطال"، والأعمدة المنصوبة عُرِفَت بـ"صرح الأبطال"، كُسيت بحجر الرخام الأبيض وتم رصف ممرات تنتهي بسلم عند الأعمدة مما يوحي أن البناء يفضي إلى السماء. اقترح عليّ أحدهم مشاهدة تسجيل أغنية الفنان عبد العزيز محمد داؤود "الفينا مشهودة"، حيث يظهر التسجيل مجموعة من المباني الأثرية من ضمنها صرحي المنشود!
يُظهر التسجيل أعمدة النصب الثلاثة محاطة بمنحوتات تصوّر معارك مختلفة وأشعة الشمس منعكسة بينها.

بعد عدة سنوات من زيارتي الأولى للميدان وجدت نفسي أقف مجدداً أمامه، وأيضاً في موسم احتفالات المولد حيث تأتي أصوات الإنشاد من داخل الميدان، رغم محاولات مكبرات صوت داخل مبنى البلدية من كبتها، يمكنك سماع صوت الرجال يُكَفِّرون كل من بالميدان. وبين كل هذا يستلقي عشرات الأطفال على دوّار به كرة ضخمة في التقاطع الصغير الواقع عند ملتقى مصدر الأصوات من الجهتين غير مكترثين بهذا الكم الهائل من حرية التعبير.
هي ساحة للعرض العسكري، سوق، ميدان عام، مكان للاحتفالات الدينية وساحة للاحتجاج على هذه الاحتفالات، هو فكرة مذهلة، وهو قرار متعسف، هو صرح مليء بالغموض ومؤامرات شريرة مزعومة، هو متحف مصغر، وساحة لتدريب الخيل... هو كل شيء وأكثر، الآن يمكنني القول بأن هذا الميدان المكسو باللون البني الكئيب ينبض بكثيرٍ من الحياة.
نُشر هذا المقال لأول مرة في عام ٢٠٢٢ اسم ميدان الخليفة في كتاب إلى أن نلتقي، نشر وحُرِّر من قبل لوكال وورق.
ميدان الخليفة
في ٢٦ يناير ١٨٨٥م، وإبّان مقتل الحاكم البريطاني غردون باشا، أنهت قوات المهدي الحكم التركي في السودان في ثورة استمرت من ١٨٨١ حتى ١٨٨٥م. المهدي كان زعيماً دينيَّاً تَوَحَّد السودانيون حوله لمقاومة الحكم التركي، ولكنه توفي بعد انتصار الثورة بفترة وجيزة، ولم يشهد قيام دولته الإسلامية المنشودة.
تولى من بعده الخليفة عبد الله، والذي أصبح منوطاً بتأسيس الدولة المهدية الجديدة التي اتَّخذت أمدرمان عاصمةً لها. كانت البقعة التي اختارها المهدي منزلاً له في حياته، ومثواه الأخير لاحقاً، هي النواة التي نَمَت منها مدينة أمدرمان على مدار ثلاثة عشرة سنة عبر طول ستة أميال ممتدة على الشاطئ الغربي للنيل.
بنى الخليفة منزله ومباني حكومته جنوب مقام المهدي، وشيَّد غرباً أكبر مباني المدينة، ألا وهو مسجد الخليفة، الذي صُمِّمَ لاستيعاب عشرة آلاف من المصلين. كانت جدران المسجد حجرية مطلية بالجير الأبيض، وبه محراب وكان مسقوفاً جزئيَّاً. النساء كُنَّ مفصولات عن الرجال بسور من الأشجار من الناحية الغربية. الشيء الوحيد الذي تبقى بعد الغزو البريطاني عام ١٨٩٨ هو الجدران الحجرية.
على مر القرن الماضي، خضع المسجد للعديد من التغييرات وأُطلق عليه العديد من الأسماء واستخدم لمختلف الأغراض.
أشارككم تجربتي مع العديد من الأشخاص في محاولة تقصي ما مَرَّ به هذا المكان عبر الزمن.
ذكريات داخل الذاكرة
في ظهر يومٍ عاديّ، حيث أخطأت في ركوب حافلة غير التي أريد، ووجدت نفسي أمام ميدان الخليفة. عرفتُ، من النظرة الأولى، أننا في وقت احتفالات المولد النبوي من ظهور محلات بيع حلوى المولد التي تنتشر هناك مع بدايات شهر ربيع الأول. حيث تمتلئ أعينك بحلاوة عروس المولد المصبوغة باللون الوردي وأشكالٍ أُخرى من أنواع مختلفة من الحلويات المُشبَّعة بالسّكَّر. على الرغم أن الكثير من الناس أصبحوا ينتقدون هذه الحلوى وطرق تصنيعها، وتأثيرها على الصحة، إلا أنك تجد نفسك تغضّ الطرف عن كلّ هذا عندما تقف أمام البائع قائلاً:
- "ناولني ٢ كيلو من هذه من فضلك!"
في هذه الأثناء، ألقَيتُ نظرةً على الميدان خلف محلات الحلوى، وهو مبتهجٌ بطيفٍ من الألوان، اصطفَّت خيام الطرق الصوفية، وغاب عنه اللون البني الكئيب الذي يكسوه طوال العام. عند منتصف الميدان، تنتصب ثلاثة أعمدة إسمنتية عُلِّقَت عليها ألوان من زينة المولد لطالما لفتَت انتباهي، ولكن تزيّنها بهذه الطريقة منعني أن أتجاهل فضولي حولها هذه المرة.
اقتربت من الشاب الجالس في ظلّها الضيق الذي بالكاد يظلّ جسده النحيل أسأله: "ما هذه؟".
"لا أدري، نُعلّق عليها الزينة في كل عام".
رَحلتُ وأنا أفكّر أنه لا يمكن لهذه الأعمدة الإسمنتية الكبيرة أن تكون مصنوعة لغرض تعليق الزينة فقط!
.........
تحصّلتُ، بعد عناء كبير، على تصريح للدخول لمكتبة للوثائق الصورية يُقدَّر أن بها أكثر من إثنين مليون صورة وثائقية.
تصفحت حوالي ١٧٠٠ صورة لمباني مهمة من مجلد بعنوان الخرطوم، عددٌ مقدّرٌ منها من الصور لمبنى البرلمان، وفصل كامل عن سوق أمدرمان، وأخيراً عثرت على صور الميدان المنشودة، والتي لا توحي باللون البني في شيء، على الرغم من أنها صور بالأبيض والأسود، إلا أن الأشجار تضجّ بالخضرة، وإن كانت باديةً بلونٍ أسودٍ غامق.
سألت الرجل المسنّ (ودائماً ما يكون هنالك رجل مسن في الدوائر السودانية) :"هل يمكنني أخذ صورة؟"
- "لا هذا ممنوع"
- "ولكن لدي تصريح!"
- "ليس كافياً، يجب أن يُرفَق بتوقيع آخر، ويُصدَّق عليه من جهة أخرى بعد أن يمرَّ على الجهة المختصَّة التي.. إلخ إلخ.
اكتفيت عندئذٍ بتصويره في مخيلتي ثمّ ذهبت.
........
وقف الدكتور عثمان يحاضر في إحدى الجامعات عن نشأة مدينتين، أمدرمان والخرطوم وكيف كانت إحداها تُجسِّد المدينة الأوروبية المثالية في وسط إفريقيا مقابل المدينة ذات الثقافة والسِمات المحلية الواقعة غرب النيل. بيّن د.عثمان كيف وزَّع الخليفة الأراضي وكيف قُسِّمت الشوارع ومن ثم كيف تمدَّدت مع مرور الوقت لتصبح مغلقة وخالية من أي مساحات للميادين العامة.
-"د.عثمان!"
-"نعم؟"
-"هل تعلم أن ميدان الخليفة كان منتزهاً؟"
-"كيف لا أعلم! كنت أعمل على هذا المشروع وأنا لا أزال مهندساً خريجاً يافعاً، كم كانت فكرة مُذهلة حيث أن أمدرمان كانت تخلو من المساحات الخضراء وهذا المشروع كان سيغيّر وجه المدينة كُلياً ليصبح الميدان منتزهاً عامَّاً في وسطها النابض"
-"ولكن لماذا لم يعد المنتزه موجوداً؟"
-"لا أعلم"
-"وماذا بشأن تلك الأعمدة ماذا كان الغرض منها؟"
-"لا أذكر"
حاولت البحث عن تلك الشركة الإيطالية التي ذكر د.عثمان أنها كانت صاحبة فكرة المنتزه، لم أعثر على شيء عنها ولا عن الأعمدة الثلاثة.
.........
وقفتُ في غرفة مكتظة بالتحف والصور الجدارية والتلاميذ وهي غرفة بالتأكيد لم تكن مصممة لتحتوي أيٍّ من هذه الثلاث.
قبل عدة ساعات كانت قد أرسلت ثلاثة مدارس تلاميذها لزيارة متحف بيت الخليفة، وبسبب غياب التنسيق من المدرسة لم يدروا بأن المتحف مغلق للصيانة، ولإنقاذ الموقف تطوَّع مدير اللجنة المسؤولة عن الميدان، الذي حُوِّل هو الآخر مكتبه لمتحف مصغر، تطوَّع بشرح تاريخ المهدية للضيوف اليافعين وهو تاريخ أجداده حيث أنه أحد أحفاد الخليفة.
كل فصل كان ينتظر دوره بالخارج، وكنا ننتظر نحن أيضاً جالسين بالخارج ننظر لمتدربي تعلم سياقة السيارات في الميدان، وبعض الخيول التي كان يتم تمشيتها حول الميدان وهي تبدو كما أنها لو كانت في مكانها الطبيعي.
أعلى الباب كانت هناك لافتة كُتب عليها مساحة الميدان 470 *295 ذراع، يا ترى لمن كان هذا الذراع الذي قاسوا بها الميدان؟ وهل كان عمل هذا الشخص أن يكون القياس؟ وهل كانوا ينادونه كلما احتاجوا لذراعه؟
الآن جاء دورنا للدخول، أخذت جولة حول مقتنيات الغرفة ثم سألت الرجل المسن (مسن آخر):
- "هل تذكر متى تم تحويل الميدان إلى منتزه؟"
- "بالطبع أذكر، كنت واحداً من الذين وقفوا في وجه هذا القرار الجائر!"
- "لماذا؟"
- لأن الميدان هو المسجد! لا يعني أنه ليس مسقوفاً أنه يمكن أن يتغير غرضه وأن يُبَاح استخدامه كميدان عام!
- "ماذا حدث إذن؟"
- "قام نميري بهدم السور العتيق وشيَّد مكانه هذه الأسوار المعدنية، وبدأ تشييد الصرح وتجهيز المحيط، تقدمنا بدعوة قضائية وفزنا بها، وأنا بنفسي كنت شاهداً على إزالة كل شيء لكن الأعمدة الأسمنتية كانت عصية على الإزالة فتُركت بمكانها".
- "أنا واثق من أنه كان يريد أن يستخدمه كمدافن للناس!"، قال أحد المتجولين، والذي خرج لنا فُجأةً من حيث لا ندري، كأنه واحد من هؤلاء المدفونين المزعومين.
- "ماذا يجعلك تعتقد هذا؟"
- "يقال أنه يوجد غرف تحت هذه الأعمدة".
وأول شي قد خطر ببالك أنها بنيت لدفن الموتى!... سألته مباشرة : "هل رأيتهم؟"
- "لا ولكن ما عسى أن يكون الغرض منها؟"
"هذه صرح ضخم لا بد أنه يحتاج لهذا النوع من الإنشاءات أو القواعد تحت الأرض لتثبيته!"
- "لا أعلم".
وما عن هذه الأعمدة؟ ماذا كان الغرض من تلك الأعمدة؟
لا أدري ولكن أذكر أنها شيء عن الأبطال...

قررت أن أُعيد المحاولة مرة أخرى مع الوثائق هذه المرة، مع دار وثائق أكثر سهولة في الدخول. جلست أمام الموظفة التي كانت مهمتها الوحيدة تقرير ماذا كان مسموحاً لي بالإطلاع عليه وهو عادة كل شيء عدا الشيء الذي تبحث عنه. بعد أن شرحت لها غرضي اقترحت علي قراءة كتاب محمد أبو سليم عن الخرطوم. لأنه هو من قام بتأسيس دار الوثائق وكتب من وثائقها مجموعة كبيرة من الكتب.
كتب أبو سليم كثيراً عن الميدان وقال إنه بُني على مراحل، بداية من القش ثم الطين وأخيراً الحجر. وقال إن الميدان دوماً كان يستخدم للاحتفالات الدينية وعرض جيش الخليفة حيث كان موقع الميدان في قلب المدينة، وملتقى مجموعة من الطرق، وإحدى هذه الطرق كان يأتي منها الجيش للعرض ومنها سميت لاحقاً بـ"شارع العرضة"، وكذلك سمي الطريق الذي كان يغادر منه الجيش بـ"شارع الهجرة".
في كتاب آخر داخل هذا الأرشيف، رُسِم مخطط للمسجد في عهد الخليفة يبين به مكان وقوف كل قبيلة داخل المسجد في أوقات الصلاة. يبدو أنها كانت طريقة لتسجيل الحضور للتأكد من حضور الكل وأنه لا يجتمع أحد في مكانٍ ما للتآمر.
…..
كمحاولة مستميتة نشرت سؤال على شبكة الإنترنت يقول:
هل من أحد يعلم ماذا كان الغرض من ذاك الصرح في ميدان الخليفة؟
أتتني مجموعة من الإجابات عن صروح مختلفة لكن لم تكن أيّاً منها الصرح الذي استفسرت عنه. البعض تذكر مسلات معدنية في مواقع مختلفة في المدينة، لكن هل كانت واحدة أم كانوا ثلاث؟ هل كانت ثابتة أم متنقلة؟ لا أحد يجزم. بعضهم ذكر وجود مُدفع وآخرين تِمثال للبدري قيل إنه الأب وقيل أيضاً أنه الإبن، والشيء الوحيد المؤكد أنهم جميعاً لم يعد لهم وجود اليوم.
حاولت مجدداً نشر السؤال على فيسبوك في مجموعة للصور القديمة.
أتتني الإجابة متفرّقة بين تعليقات الأجندات السياسية التي تُحشر في كل مكان. التعليقات أشارت إلى أن قرار نميري بتحويل الميدان لم يكن بمعزل من خلافاته السياسية مع أُسرة المهدي، وكان يُنظر للقرار على أنها محاولة منه لمحو إرث تاريخ المهدية. فيما يُعنى بالصرح قيل إنه في أواخر السبعينيات تم تحويل الميدان إلى منتزه عام وسمي بـ"ساحة الأبطال"، والأعمدة المنصوبة عُرِفَت بـ"صرح الأبطال"، كُسيت بحجر الرخام الأبيض وتم رصف ممرات تنتهي بسلم عند الأعمدة مما يوحي أن البناء يفضي إلى السماء. اقترح عليّ أحدهم مشاهدة تسجيل أغنية الفنان عبد العزيز محمد داؤود "الفينا مشهودة"، حيث يظهر التسجيل مجموعة من المباني الأثرية من ضمنها صرحي المنشود!
يُظهر التسجيل أعمدة النصب الثلاثة محاطة بمنحوتات تصوّر معارك مختلفة وأشعة الشمس منعكسة بينها.

بعد عدة سنوات من زيارتي الأولى للميدان وجدت نفسي أقف مجدداً أمامه، وأيضاً في موسم احتفالات المولد حيث تأتي أصوات الإنشاد من داخل الميدان، رغم محاولات مكبرات صوت داخل مبنى البلدية من كبتها، يمكنك سماع صوت الرجال يُكَفِّرون كل من بالميدان. وبين كل هذا يستلقي عشرات الأطفال على دوّار به كرة ضخمة في التقاطع الصغير الواقع عند ملتقى مصدر الأصوات من الجهتين غير مكترثين بهذا الكم الهائل من حرية التعبير.
هي ساحة للعرض العسكري، سوق، ميدان عام، مكان للاحتفالات الدينية وساحة للاحتجاج على هذه الاحتفالات، هو فكرة مذهلة، وهو قرار متعسف، هو صرح مليء بالغموض ومؤامرات شريرة مزعومة، هو متحف مصغر، وساحة لتدريب الخيل... هو كل شيء وأكثر، الآن يمكنني القول بأن هذا الميدان المكسو باللون البني الكئيب ينبض بكثيرٍ من الحياة.
نُشر هذا المقال لأول مرة في عام ٢٠٢٢ اسم ميدان الخليفة في كتاب إلى أن نلتقي، نشر وحُرِّر من قبل لوكال وورق.

ميدان الخليفة
في ٢٦ يناير ١٨٨٥م، وإبّان مقتل الحاكم البريطاني غردون باشا، أنهت قوات المهدي الحكم التركي في السودان في ثورة استمرت من ١٨٨١ حتى ١٨٨٥م. المهدي كان زعيماً دينيَّاً تَوَحَّد السودانيون حوله لمقاومة الحكم التركي، ولكنه توفي بعد انتصار الثورة بفترة وجيزة، ولم يشهد قيام دولته الإسلامية المنشودة.
تولى من بعده الخليفة عبد الله، والذي أصبح منوطاً بتأسيس الدولة المهدية الجديدة التي اتَّخذت أمدرمان عاصمةً لها. كانت البقعة التي اختارها المهدي منزلاً له في حياته، ومثواه الأخير لاحقاً، هي النواة التي نَمَت منها مدينة أمدرمان على مدار ثلاثة عشرة سنة عبر طول ستة أميال ممتدة على الشاطئ الغربي للنيل.
بنى الخليفة منزله ومباني حكومته جنوب مقام المهدي، وشيَّد غرباً أكبر مباني المدينة، ألا وهو مسجد الخليفة، الذي صُمِّمَ لاستيعاب عشرة آلاف من المصلين. كانت جدران المسجد حجرية مطلية بالجير الأبيض، وبه محراب وكان مسقوفاً جزئيَّاً. النساء كُنَّ مفصولات عن الرجال بسور من الأشجار من الناحية الغربية. الشيء الوحيد الذي تبقى بعد الغزو البريطاني عام ١٨٩٨ هو الجدران الحجرية.
على مر القرن الماضي، خضع المسجد للعديد من التغييرات وأُطلق عليه العديد من الأسماء واستخدم لمختلف الأغراض.
أشارككم تجربتي مع العديد من الأشخاص في محاولة تقصي ما مَرَّ به هذا المكان عبر الزمن.
ذكريات داخل الذاكرة
في ظهر يومٍ عاديّ، حيث أخطأت في ركوب حافلة غير التي أريد، ووجدت نفسي أمام ميدان الخليفة. عرفتُ، من النظرة الأولى، أننا في وقت احتفالات المولد النبوي من ظهور محلات بيع حلوى المولد التي تنتشر هناك مع بدايات شهر ربيع الأول. حيث تمتلئ أعينك بحلاوة عروس المولد المصبوغة باللون الوردي وأشكالٍ أُخرى من أنواع مختلفة من الحلويات المُشبَّعة بالسّكَّر. على الرغم أن الكثير من الناس أصبحوا ينتقدون هذه الحلوى وطرق تصنيعها، وتأثيرها على الصحة، إلا أنك تجد نفسك تغضّ الطرف عن كلّ هذا عندما تقف أمام البائع قائلاً:
- "ناولني ٢ كيلو من هذه من فضلك!"
في هذه الأثناء، ألقَيتُ نظرةً على الميدان خلف محلات الحلوى، وهو مبتهجٌ بطيفٍ من الألوان، اصطفَّت خيام الطرق الصوفية، وغاب عنه اللون البني الكئيب الذي يكسوه طوال العام. عند منتصف الميدان، تنتصب ثلاثة أعمدة إسمنتية عُلِّقَت عليها ألوان من زينة المولد لطالما لفتَت انتباهي، ولكن تزيّنها بهذه الطريقة منعني أن أتجاهل فضولي حولها هذه المرة.
اقتربت من الشاب الجالس في ظلّها الضيق الذي بالكاد يظلّ جسده النحيل أسأله: "ما هذه؟".
"لا أدري، نُعلّق عليها الزينة في كل عام".
رَحلتُ وأنا أفكّر أنه لا يمكن لهذه الأعمدة الإسمنتية الكبيرة أن تكون مصنوعة لغرض تعليق الزينة فقط!
.........
تحصّلتُ، بعد عناء كبير، على تصريح للدخول لمكتبة للوثائق الصورية يُقدَّر أن بها أكثر من إثنين مليون صورة وثائقية.
تصفحت حوالي ١٧٠٠ صورة لمباني مهمة من مجلد بعنوان الخرطوم، عددٌ مقدّرٌ منها من الصور لمبنى البرلمان، وفصل كامل عن سوق أمدرمان، وأخيراً عثرت على صور الميدان المنشودة، والتي لا توحي باللون البني في شيء، على الرغم من أنها صور بالأبيض والأسود، إلا أن الأشجار تضجّ بالخضرة، وإن كانت باديةً بلونٍ أسودٍ غامق.
سألت الرجل المسنّ (ودائماً ما يكون هنالك رجل مسن في الدوائر السودانية) :"هل يمكنني أخذ صورة؟"
- "لا هذا ممنوع"
- "ولكن لدي تصريح!"
- "ليس كافياً، يجب أن يُرفَق بتوقيع آخر، ويُصدَّق عليه من جهة أخرى بعد أن يمرَّ على الجهة المختصَّة التي.. إلخ إلخ.
اكتفيت عندئذٍ بتصويره في مخيلتي ثمّ ذهبت.
........
وقف الدكتور عثمان يحاضر في إحدى الجامعات عن نشأة مدينتين، أمدرمان والخرطوم وكيف كانت إحداها تُجسِّد المدينة الأوروبية المثالية في وسط إفريقيا مقابل المدينة ذات الثقافة والسِمات المحلية الواقعة غرب النيل. بيّن د.عثمان كيف وزَّع الخليفة الأراضي وكيف قُسِّمت الشوارع ومن ثم كيف تمدَّدت مع مرور الوقت لتصبح مغلقة وخالية من أي مساحات للميادين العامة.
-"د.عثمان!"
-"نعم؟"
-"هل تعلم أن ميدان الخليفة كان منتزهاً؟"
-"كيف لا أعلم! كنت أعمل على هذا المشروع وأنا لا أزال مهندساً خريجاً يافعاً، كم كانت فكرة مُذهلة حيث أن أمدرمان كانت تخلو من المساحات الخضراء وهذا المشروع كان سيغيّر وجه المدينة كُلياً ليصبح الميدان منتزهاً عامَّاً في وسطها النابض"
-"ولكن لماذا لم يعد المنتزه موجوداً؟"
-"لا أعلم"
-"وماذا بشأن تلك الأعمدة ماذا كان الغرض منها؟"
-"لا أذكر"
حاولت البحث عن تلك الشركة الإيطالية التي ذكر د.عثمان أنها كانت صاحبة فكرة المنتزه، لم أعثر على شيء عنها ولا عن الأعمدة الثلاثة.
.........
وقفتُ في غرفة مكتظة بالتحف والصور الجدارية والتلاميذ وهي غرفة بالتأكيد لم تكن مصممة لتحتوي أيٍّ من هذه الثلاث.
قبل عدة ساعات كانت قد أرسلت ثلاثة مدارس تلاميذها لزيارة متحف بيت الخليفة، وبسبب غياب التنسيق من المدرسة لم يدروا بأن المتحف مغلق للصيانة، ولإنقاذ الموقف تطوَّع مدير اللجنة المسؤولة عن الميدان، الذي حُوِّل هو الآخر مكتبه لمتحف مصغر، تطوَّع بشرح تاريخ المهدية للضيوف اليافعين وهو تاريخ أجداده حيث أنه أحد أحفاد الخليفة.
كل فصل كان ينتظر دوره بالخارج، وكنا ننتظر نحن أيضاً جالسين بالخارج ننظر لمتدربي تعلم سياقة السيارات في الميدان، وبعض الخيول التي كان يتم تمشيتها حول الميدان وهي تبدو كما أنها لو كانت في مكانها الطبيعي.
أعلى الباب كانت هناك لافتة كُتب عليها مساحة الميدان 470 *295 ذراع، يا ترى لمن كان هذا الذراع الذي قاسوا بها الميدان؟ وهل كان عمل هذا الشخص أن يكون القياس؟ وهل كانوا ينادونه كلما احتاجوا لذراعه؟
الآن جاء دورنا للدخول، أخذت جولة حول مقتنيات الغرفة ثم سألت الرجل المسن (مسن آخر):
- "هل تذكر متى تم تحويل الميدان إلى منتزه؟"
- "بالطبع أذكر، كنت واحداً من الذين وقفوا في وجه هذا القرار الجائر!"
- "لماذا؟"
- لأن الميدان هو المسجد! لا يعني أنه ليس مسقوفاً أنه يمكن أن يتغير غرضه وأن يُبَاح استخدامه كميدان عام!
- "ماذا حدث إذن؟"
- "قام نميري بهدم السور العتيق وشيَّد مكانه هذه الأسوار المعدنية، وبدأ تشييد الصرح وتجهيز المحيط، تقدمنا بدعوة قضائية وفزنا بها، وأنا بنفسي كنت شاهداً على إزالة كل شيء لكن الأعمدة الأسمنتية كانت عصية على الإزالة فتُركت بمكانها".
- "أنا واثق من أنه كان يريد أن يستخدمه كمدافن للناس!"، قال أحد المتجولين، والذي خرج لنا فُجأةً من حيث لا ندري، كأنه واحد من هؤلاء المدفونين المزعومين.
- "ماذا يجعلك تعتقد هذا؟"
- "يقال أنه يوجد غرف تحت هذه الأعمدة".
وأول شي قد خطر ببالك أنها بنيت لدفن الموتى!... سألته مباشرة : "هل رأيتهم؟"
- "لا ولكن ما عسى أن يكون الغرض منها؟"
"هذه صرح ضخم لا بد أنه يحتاج لهذا النوع من الإنشاءات أو القواعد تحت الأرض لتثبيته!"
- "لا أعلم".
وما عن هذه الأعمدة؟ ماذا كان الغرض من تلك الأعمدة؟
لا أدري ولكن أذكر أنها شيء عن الأبطال...

قررت أن أُعيد المحاولة مرة أخرى مع الوثائق هذه المرة، مع دار وثائق أكثر سهولة في الدخول. جلست أمام الموظفة التي كانت مهمتها الوحيدة تقرير ماذا كان مسموحاً لي بالإطلاع عليه وهو عادة كل شيء عدا الشيء الذي تبحث عنه. بعد أن شرحت لها غرضي اقترحت علي قراءة كتاب محمد أبو سليم عن الخرطوم. لأنه هو من قام بتأسيس دار الوثائق وكتب من وثائقها مجموعة كبيرة من الكتب.
كتب أبو سليم كثيراً عن الميدان وقال إنه بُني على مراحل، بداية من القش ثم الطين وأخيراً الحجر. وقال إن الميدان دوماً كان يستخدم للاحتفالات الدينية وعرض جيش الخليفة حيث كان موقع الميدان في قلب المدينة، وملتقى مجموعة من الطرق، وإحدى هذه الطرق كان يأتي منها الجيش للعرض ومنها سميت لاحقاً بـ"شارع العرضة"، وكذلك سمي الطريق الذي كان يغادر منه الجيش بـ"شارع الهجرة".
في كتاب آخر داخل هذا الأرشيف، رُسِم مخطط للمسجد في عهد الخليفة يبين به مكان وقوف كل قبيلة داخل المسجد في أوقات الصلاة. يبدو أنها كانت طريقة لتسجيل الحضور للتأكد من حضور الكل وأنه لا يجتمع أحد في مكانٍ ما للتآمر.
…..
كمحاولة مستميتة نشرت سؤال على شبكة الإنترنت يقول:
هل من أحد يعلم ماذا كان الغرض من ذاك الصرح في ميدان الخليفة؟
أتتني مجموعة من الإجابات عن صروح مختلفة لكن لم تكن أيّاً منها الصرح الذي استفسرت عنه. البعض تذكر مسلات معدنية في مواقع مختلفة في المدينة، لكن هل كانت واحدة أم كانوا ثلاث؟ هل كانت ثابتة أم متنقلة؟ لا أحد يجزم. بعضهم ذكر وجود مُدفع وآخرين تِمثال للبدري قيل إنه الأب وقيل أيضاً أنه الإبن، والشيء الوحيد المؤكد أنهم جميعاً لم يعد لهم وجود اليوم.
حاولت مجدداً نشر السؤال على فيسبوك في مجموعة للصور القديمة.
أتتني الإجابة متفرّقة بين تعليقات الأجندات السياسية التي تُحشر في كل مكان. التعليقات أشارت إلى أن قرار نميري بتحويل الميدان لم يكن بمعزل من خلافاته السياسية مع أُسرة المهدي، وكان يُنظر للقرار على أنها محاولة منه لمحو إرث تاريخ المهدية. فيما يُعنى بالصرح قيل إنه في أواخر السبعينيات تم تحويل الميدان إلى منتزه عام وسمي بـ"ساحة الأبطال"، والأعمدة المنصوبة عُرِفَت بـ"صرح الأبطال"، كُسيت بحجر الرخام الأبيض وتم رصف ممرات تنتهي بسلم عند الأعمدة مما يوحي أن البناء يفضي إلى السماء. اقترح عليّ أحدهم مشاهدة تسجيل أغنية الفنان عبد العزيز محمد داؤود "الفينا مشهودة"، حيث يظهر التسجيل مجموعة من المباني الأثرية من ضمنها صرحي المنشود!
يُظهر التسجيل أعمدة النصب الثلاثة محاطة بمنحوتات تصوّر معارك مختلفة وأشعة الشمس منعكسة بينها.

بعد عدة سنوات من زيارتي الأولى للميدان وجدت نفسي أقف مجدداً أمامه، وأيضاً في موسم احتفالات المولد حيث تأتي أصوات الإنشاد من داخل الميدان، رغم محاولات مكبرات صوت داخل مبنى البلدية من كبتها، يمكنك سماع صوت الرجال يُكَفِّرون كل من بالميدان. وبين كل هذا يستلقي عشرات الأطفال على دوّار به كرة ضخمة في التقاطع الصغير الواقع عند ملتقى مصدر الأصوات من الجهتين غير مكترثين بهذا الكم الهائل من حرية التعبير.
هي ساحة للعرض العسكري، سوق، ميدان عام، مكان للاحتفالات الدينية وساحة للاحتجاج على هذه الاحتفالات، هو فكرة مذهلة، وهو قرار متعسف، هو صرح مليء بالغموض ومؤامرات شريرة مزعومة، هو متحف مصغر، وساحة لتدريب الخيل... هو كل شيء وأكثر، الآن يمكنني القول بأن هذا الميدان المكسو باللون البني الكئيب ينبض بكثيرٍ من الحياة.
نُشر هذا المقال لأول مرة في عام ٢٠٢٢ اسم ميدان الخليفة في كتاب إلى أن نلتقي، نشر وحُرِّر من قبل لوكال وورق.

العودة إلى سنار

العودة إلى سنار
العودة إلى سنار
شعر: د. محمد عبد الحي
تُعتبر قصيدة "العودة إلى سنار"، للشاعر الكبير الدكتور محمد عبد الحي، من أهم القصائد التي ناقشت قضيّة الهويّة السودانية، وقد كانت مركزيّةً من ضمن تكوينات تيار "الغابة والصحراء" الذي انطلقت بداياته في ستينيات القرن الماضي، وقد ساهمت مجموعة من الشعراء الكبار في تكوين هذه الحركة الشعريّة والثقافية، من أبرزهم الشعراء: النور عثمان أبكر، ومحمد المكي إبراهيم، دكتور يوسف عيدابي وعبد الله شابو.
اخترنا لكم القصيدة من بين القصائد التي كُتبت عن مدن وممالك سودانيّة قديمة، وتعود إلى العام ١٩٦٣م، وتُعتبر كذلك من القصائد الرائدة ضمن تيارات الشعر الحديث في السودان وفي البلدان الكاتبة والقارئة باللغة العربيّة.
مقتطف من القصيدة
الليلة يستقبلني أهلي:
أرواح جدودي تخرج من
فضَّة أحلام النّهر، ومن
ليل الأسماءْ
تتقمص أجساد الأطفالْ.
تنفخ في رئةِ المدّاحِ
وتضرب بالساعد
عبر ذراع الطبّالْ.
الليلة يستقبلني أهلي:
أهدوني مسبحةً من أسنان الموتى
إبريقاً جمجمةً،
مصلاة من جلد الجاموسْ
رمزاً يلمع بين النخلة والأبنوسْ
لغةً تطلعُ مثلَ الرّمحْ
من جسد الأرضِ
وعبَر سماء الجُرحْ.
الليلة يستقبلني أهلي.
وكانت الغابة والصحراءْ
امرأةً عاريةً تنامْ
على سرير البرقِ في انتظارِ
ثورها الإلهي الذي يزور في الظلامْ.
وكان أفق الوجه والقناع شكلاً واحداً.
يزهر في سلطنة البراءة
وحمأ البداءةْ
على حدودِ النورِ والظلمةِ بين الصحوِ والمنامْ.
صورة الغلاف © زينب جعفر، أطفال على الدوار، مدينة سنار، ٢٠١٨
العودة إلى سنار
شعر: د. محمد عبد الحي
تُعتبر قصيدة "العودة إلى سنار"، للشاعر الكبير الدكتور محمد عبد الحي، من أهم القصائد التي ناقشت قضيّة الهويّة السودانية، وقد كانت مركزيّةً من ضمن تكوينات تيار "الغابة والصحراء" الذي انطلقت بداياته في ستينيات القرن الماضي، وقد ساهمت مجموعة من الشعراء الكبار في تكوين هذه الحركة الشعريّة والثقافية، من أبرزهم الشعراء: النور عثمان أبكر، ومحمد المكي إبراهيم، دكتور يوسف عيدابي وعبد الله شابو.
اخترنا لكم القصيدة من بين القصائد التي كُتبت عن مدن وممالك سودانيّة قديمة، وتعود إلى العام ١٩٦٣م، وتُعتبر كذلك من القصائد الرائدة ضمن تيارات الشعر الحديث في السودان وفي البلدان الكاتبة والقارئة باللغة العربيّة.
مقتطف من القصيدة
الليلة يستقبلني أهلي:
أرواح جدودي تخرج من
فضَّة أحلام النّهر، ومن
ليل الأسماءْ
تتقمص أجساد الأطفالْ.
تنفخ في رئةِ المدّاحِ
وتضرب بالساعد
عبر ذراع الطبّالْ.
الليلة يستقبلني أهلي:
أهدوني مسبحةً من أسنان الموتى
إبريقاً جمجمةً،
مصلاة من جلد الجاموسْ
رمزاً يلمع بين النخلة والأبنوسْ
لغةً تطلعُ مثلَ الرّمحْ
من جسد الأرضِ
وعبَر سماء الجُرحْ.
الليلة يستقبلني أهلي.
وكانت الغابة والصحراءْ
امرأةً عاريةً تنامْ
على سرير البرقِ في انتظارِ
ثورها الإلهي الذي يزور في الظلامْ.
وكان أفق الوجه والقناع شكلاً واحداً.
يزهر في سلطنة البراءة
وحمأ البداءةْ
على حدودِ النورِ والظلمةِ بين الصحوِ والمنامْ.
صورة الغلاف © زينب جعفر، أطفال على الدوار، مدينة سنار، ٢٠١٨

العودة إلى سنار
شعر: د. محمد عبد الحي
تُعتبر قصيدة "العودة إلى سنار"، للشاعر الكبير الدكتور محمد عبد الحي، من أهم القصائد التي ناقشت قضيّة الهويّة السودانية، وقد كانت مركزيّةً من ضمن تكوينات تيار "الغابة والصحراء" الذي انطلقت بداياته في ستينيات القرن الماضي، وقد ساهمت مجموعة من الشعراء الكبار في تكوين هذه الحركة الشعريّة والثقافية، من أبرزهم الشعراء: النور عثمان أبكر، ومحمد المكي إبراهيم، دكتور يوسف عيدابي وعبد الله شابو.
اخترنا لكم القصيدة من بين القصائد التي كُتبت عن مدن وممالك سودانيّة قديمة، وتعود إلى العام ١٩٦٣م، وتُعتبر كذلك من القصائد الرائدة ضمن تيارات الشعر الحديث في السودان وفي البلدان الكاتبة والقارئة باللغة العربيّة.
مقتطف من القصيدة
الليلة يستقبلني أهلي:
أرواح جدودي تخرج من
فضَّة أحلام النّهر، ومن
ليل الأسماءْ
تتقمص أجساد الأطفالْ.
تنفخ في رئةِ المدّاحِ
وتضرب بالساعد
عبر ذراع الطبّالْ.
الليلة يستقبلني أهلي:
أهدوني مسبحةً من أسنان الموتى
إبريقاً جمجمةً،
مصلاة من جلد الجاموسْ
رمزاً يلمع بين النخلة والأبنوسْ
لغةً تطلعُ مثلَ الرّمحْ
من جسد الأرضِ
وعبَر سماء الجُرحْ.
الليلة يستقبلني أهلي.
وكانت الغابة والصحراءْ
امرأةً عاريةً تنامْ
على سرير البرقِ في انتظارِ
ثورها الإلهي الذي يزور في الظلامْ.
وكان أفق الوجه والقناع شكلاً واحداً.
يزهر في سلطنة البراءة
وحمأ البداءةْ
على حدودِ النورِ والظلمةِ بين الصحوِ والمنامْ.
صورة الغلاف © زينب جعفر، أطفال على الدوار، مدينة سنار، ٢٠١٨

الحق في الفضاء العام

الحق في الفضاء العام
عمل على إنتاج الحلقة كل من:
بحث وإنتاج: المزن محمد الحسن، مي أبو صالح، و زينب عثمان.
تقديم وتصميم بوستر: عزة محمد.
تحرير: المزن محمد الحسن، مي أبو صالح، زينب عثمان، و حسام هلالي.
موسيقى: الزين ستوديو.
ميكساج: طارق سليمان.
إدارة: زينب عثمان.
معدات ومساعدة تقنية: المصطبة TV
تم التسجيل باستديو
404 Creative Design
الفضاءات العامة رئة تنفُّس في مدينة مزدحمة ومتمدّدة باطّراد كالخرطوم. خلال الثلاثين عاماً الماضية يمكن تلخيص سياسات السُلطة تجاه المساحات العامة واستخدامها في ثلاث كلمات تقريباً؛ الخصخصة، تضييق الاستخدام وتغيير الغرض. نتج عن ذلك تآكل البنية التحتية لمدينة الخرطوم من الميادين والساحات العامة، خاصة خلال سنوات الإنقاذ. يصحو الناس يوماً بعد يوم، ليجدوا هذه الحديقة أو ذاك الميدان العام بِيع لمستثمر ما أو أُجِّر له لسنوات عديدة، وسُرعان ما ترتفع الأسوار حوله، وتُغلَق البوابات دونه، ويضيق الفضاء العام شيئاً فشيئاً.
في هذا المقال، نلقي نظرة على بعض المساحات العامة النشِطة التي نشأت عفوياً بلا تخطيط، ومصير تلك المخطّطة منها. نستكشف دور المساحات العامة في الحياة السياسية للبلاد، ثم نستعرض دور سياسات الخصخصة في خسارة المكان العام بالنظر إلى بعض الأمثلة، و إلى الجانب القانوني لهذه الحملة المُمنهجة لتجريد المدينة من مساحاتها العامة.
يبدأ الفضاء العام فعلياً عند عتبة البيت، "المصطبة" أي الجزء المرتفع قليلاً أمام المنزل، التي تمثِّل مسرحاً للعديد من الأنشطة الاجتماعية، مثل لعب الأطفال أو إفطار رمضان، كثيراً ما تُصمَّم وتبنى مع البيت كامتداد طبيعي له. لكن تركيزنا سينصَبُّ على مستوًى أشمل، على الساحات و الميادين والحدائق العامة، و لنبدأ أولاً بتلك التي تشكّلت تلقائياً بلا تخطيط.
لعل ميدان أتني، على صِغر مساحته وغرابة أصله، وحقيقة أنه ليس مساحة عامة بالمعنى التقني للكلمة، يُعَدُّ واحداً من أكثر الساحات العامة شهرةً، خاصة في السنوات الأخيرة. كما أن لرواده وطبيعة النشاطات فيه صورة خاصة في المخيال الجمعي. جزء كبير من هذه الشهرة الأخيرة يمكن أن يُعزى إلى معرض "مفروش" للكتب المستعملة، الذي انتظم خلال الأعوام ما بين ٢٠١٢ و٢٠١٥ قبل أن تعرقِل السُلطات إقامته.
أتني، كمساحة عامة، وليد الصدفة، أو لعبت الصدفة أثراً كبيراً في وجوده، إذ أن الميدان نفسه ليس ميداناً عاماً، إنما جزء من عقار تملكه عائلة أبو العِلا، تم بناؤه في فترة الاستقلال. العقار الذي صمّمه ن.ستيفانيس يضُم خمسة مبان مكتبية، ويقع في تقاطع شارعيْ القصر والجمهورية، أحد أكثر تقاطعات المدينة نشاطاً، مما جعل الوصول إليه سهلاً من معظم نواحي منطقة وسط الخرطوم. بُنيت أربعة مبانٍ من بين المباني المصممة، بينما بقيت مساحة المبنى الأخير في الوسط خالية إلا من رؤوس الأعمدة ومدخل ومخرج لموقف السيارات في القبو، وهذه هي المساحة التى تحوّلت لاحقاً إلى ساحة أتني. هذا التمركز الوسطي جعل الساحة "مُحتضَنة" بين بقية المباني، و أعطاها نوعاً من الانفصال عن إزعاج الشوارع المحيطة. بقية المباني ترمي بظلها على الميدان منذ الظهيرة، مما جعل استخدامه ممكناً في تلك الأوقات، على عكس ميادين أو ساحات عامة أخرى تكون مشمسة أغلب النهار. فوق هذا كله، فالميدان مُحاط من ثلاث جهات بمحلات تجارية وحوانيت مفتوحة على فرندات، مما يجعله مأهولاً طوال اليوم بدون أن يزدحم.

ربما كانت طبيعة المِلكيّة الخاصة لأتني هي ميزته الأعظم؛ إذ قلَّلَت من قدرة الحكومة –أو الحكومات- على التصرُّف فيه أو تقييد استخدامه. و هذه من المفارقات الغريبة؛ أن تبعية أتني للقطاع الخاص هي ما يحمي استخدامه العام من التغوّل الحكومي! و تصبح هذه المفارقة جليّة بالنظر إلى قصة معرض مفروش.
أُقيمت أول فعالية لمفروش في مايو ٢٠١٢ بمبادرة من جماعة عَمَل الثقافية، في الميدان الذي تم اختياره لرمزيته، إذ كان مكان التقاء المثقّفين لعُقود. المعرض يقوم على فكرة بسيطة، في أول ثلاثاء من كل شهر يفترش الأرض حوالى عشرين إلى خمسين بائعاً للكتب "فراشاً"، لعرض بضاعتهم من الكتب، قديمة كانت أم مستعملة أو جديدة أو نادرة أو ممنوعة، والمعاملات تكون إما بالبيع أو التبادل. كان المعرض يستقطب مئات الروّاد من مختَلَف الفئات والأجيال، كما كان مكاناً للالتقاء بالأصدقاء والنقاش، في فترة تمتد لساعات منذ بدايات المساء وحتى الساعة التاسعة. لم يقتصر المعرض على
الكتب فقط، إذ كانت تُعرض به المشغولات اليدوية، وربما صاحبته عروض موسيقية من حين لآخر.
لم يكن المعرض مدعوماً من أي مؤسسة حكومية ولم يشكِّل هذا أيّ مشكلة في أول عامين من عمره، لكن المضايقات بدأت في إثر التقييد والقمع الذي تلا هبة سبتمبر ٢٠١٣. مُنِع المنظِّمون من إقامة المعرض عبر حبسهم في سلسلة من الإجراءات البيروقراطية بحجّة أن عليهم تسليم قائمة بجميع عناوين الكتب التى ستُعرض، الأمر الذي يُعَدُّ ضرباً من المستحيل لمعرض يقوم أساساً على تبادل رواده لكتبهم المستعمَلة بحُرٍّيّة. وبعد توقُّف دام لعدة سنوات عاد مفروش إلى ساحة اعتصام القيادة ثم أصبح لاحقاً يُقام في ساحة المتحف القومي.

خَلَقَ مفروش مساحة للثقافة في وقت كانت تزداد فيه القيود المفروضة عليها، وتضيق المساحات المفتوحة للعمل العام. وعندما تعذَّر على السلطات التخلُّص من الميدان ببيعه أو منع النشاط العام فيه كما يحدث عادة مع الميادين العامة؛ عمدت إلى التخلص منه عبر ثُقب البيروقراطية الأسود. ولايبدو أن المشكلة كانت في أتني أو في مفروش نفسه بقدر ما كانت المساحة الحرة التي وفّرها، والتي تَرَى فيها السلطة الديكتاتورية سرطاناً لابد من استئصاله.
المساحة الأخرى في الخرطوم التي يُمكن اعتبارها وليدة الصدفة هي شارع النيل، الذي تحوَّل تدريجياً إلى مُتَنفَّس مهم يحتضن المئات من أصحاب الأعمال الصغيرة المُعتمِدين على وجوده كمساحة عامة يرتادها جميع سكان المدينة. بدأ نمط خصخصة الواجهة النهرية عبر بيعها للاستثمار الخاص يظهر في الجزء الشرقي من الشارع. بين جِسرِيّ القوات المسلحة والمنشية، يمكن ملاحظة عدة منشآت ومرافق خاصة مثل النادي الوطني أو صالات الأفراح. نمط التغوُّل على المساحات العامة الذي يتشكَّل في هذا الجزء من شارع النيل يُعمَّد رسمياً في مخطَّط الخرطوم الهيكلي (آخر خطة حضرية للخرطوم الكبرى)، وتحديداً في مخطَّط منطقة المقرن وغابة السنط. يبدو أن هناك نزعة واضحة لتحويل المنطقة إلى غابة إسمنتية من نوع ما؛ إذ أن الخطة تنحى لرفع كثافة المنطقة وتحويلها لمنطقة أعمال مليئة بالأبراج المكتبية. معظم المساحة بين النيل الأزرق وشارع النيل ستكون خاصة، أي أن الوصول للواجهة المائية سيصبح امتيازاً وليس حقاً في مدينة تعبرها ثلاثة أنهار. فُتح عطاء للخطة التى وُضِعت بأفق خمسة وعشرين عاماً للشركات المحلية والعالمية على حد سواء عام ٢٠٠٥. لا يبدو أن مشروع كمشروع المقرن يضع في اعتباره مصير مستخدمي المكان المذكورين آنفاً، سواء أصحاب الأعمال الصغيرة أو زبائنهم من مرتادي المكان، أو حتى النسيج الحضري للمدينة.

ذكر مفروش و شارع النيل مهم لأنهما مساحتان عامتان مركزيتان إلى حد ما، ولأنهما ليستا مخطَّطَتَْين بل نَبَعَتا من حوجة الناس إليهما ونمط استخدامهم للمكان، لكن لفترة وجيزة كانت منطقة الاعتصام أمام القيادة العامة للجيش هي "الميدان" الرئيسي للمدينة. بصورة أو بأخرى كانت بها كل النشاطات التي تتوقع وجودها في ميدان عام، حيث يلتقي الأصدقاء عفوياً بعد ساعات العمل، أو تُقام بعض الفعاليات أو الحفلات الكبيرة، أو المكان الذي يلتقي فيه الناس لمجرد الوَنَس و تبادل الآراء. كل تلك الاستخدامات التى وُظِّفَت لها منطقة الاعتصام نشأت تلقائياً أثناء تواجد الناس فيه، لكن الغرض الذي كان مقصوداً لحظة وصول الجموع إليها كان لإيصال أصواتهم، كان غرضاً سياسياً بالمقام الأول.
هذه القَصْديَّة السياسية هي إحدى السمات المهمة في استخدام الفضاء العام في المدينة، فذاكرة الخرطوم مع الثورات والحِراك المدني ذاكرة عجوزة تمتد إلى ما قبل الاستقلال. من المستحيل الكتابة عن الفضاء العام في مدينة كالخرطوم بدون ذكر اللحظات التي نَقَشَت فيها آلافُ الأقدام ذاكرةً حية، ما تزال معلّقة في أرصفة و تراب وأسفلت الشوارع
ميدان عبد المنعم (سابقاً)، ونادي الأسرة حالياً، كان المسرح الأول لثورة أكتوبر ١٩٤٦ حيث شُيِّع فيه الشهيد القرشي، و المسرح الثاني الأهم كان شارع الجامعة، حيث اتجه آلاف المواطنين في الثامن والعشرين من أكتوبر تجاه القصر الجمهوري، حتى ملأت أجسادهم جميع الشوارع المحيطة به. أما شارع القصر، فقد زارته أقدام الثوار في أبريل 1985، إذ تدفَّقُوا في الثالث من أبريل على امتداد الشارع من محطة السكة الحديدية و حتى القصر نفسه. أهم مسارح ثورة ديسمبر ٢٠١٨ "القيادة" لم تكن ميداناً وإنما مجموعة من الشوارع المحيطة بالقيادة العامة لأركان الجيش، و كنقطة تجمُّع لعدد من الشوارع الرئيسية فهي إحدى مناطق المدينة المركزية.

يتبيّن لنا أنه عدا ميدان عبد المنعم، فإن معظم الحراك المدني كان في الشوارع وليس الميادين العامة. لماذا إذاً كانت معظم الأحداث السياسية الكبيرة مرتبطة بالشوارع؟ لماذا شارع الجامعة وشارع القصر وليس ميدان أبو جنزير مثلاً؟ ميادين مثل ميدان التحرير في القاهرة او ميدان تيانانمن في بكين كانت مسارح لأحداث سياسية مهمة. هل لأن الخرطوم في الأصل تفتقد للميادين العامة؟ أم أن هذه المساحات لها مشاكلها؟ ما الذي منع هذه الميادين من أن تكون مسرحاً لأحداث كتلك؟
إن استعراضاً بسيطاً لتاريخ ميادين الخرطوم المركزية مثل ميدان عبّاس سابقاً، وميداني أبي جنزير والأمم المتحدة، وميدان عبد المنعم، يمكن أن يعطي لمحة عن السبب وراء هذا. الأخيران تحديداً يُلقِيان الضوء على سياسة الخصخصة وتغيير الغرض التى انتهجتها الحكومات السابقة. إن التجلي الأعظم لسياسات الدولة المعادية لوجود فضاء عام حي وحر يظهر في ميدان عبد المنعم، الذي كان بؤرة للتجمعات المطلبية والحراك المدني في الخمسينات والستينات، ثم تراجع دوره حتى اختفى تماماً من المخيلة الجمعية.

لنستهلّ بأول ميدان خُطِّط في الخرطوم، ميدان عبّاس (المسمّى على الخديوي عباس)، كان الميدان الرئيسي لخرطوم كتشنر، وظلّ يخدم كميدان رئيسي للمدينة المتّسِعة باطّراد، يتوسطه-على نمط كثير من المدن العربية- المسجد الكبير ويحيط به السوق الرئيسي، و يقطعه شارع فكتوريا أوسع شوارع الخرطوم. مع تمدُّد المدينة بدأ الميدان يتقزَّم تدريجياً أمام زحف المباني المتطاولة حوله، حتى لم يتبقَّ من الميدان الأصل سوى ميدانيْن صغيرين هما ميدان الأمم المتحدة وميدان أبو جنزير.

سُمِّي ميدان أبو جنزير على صاحب القبر المحاط بالسلاسل الحديدية (الجنازير) الذي كان يتوسط الميدان. في السنوات الأخيرة أُحيط الميدان بأسوار، وأثناء ثورة ديسمبر كانت تتخذه القوات الأمنية كنقطة إرتكاز. كأن احتلال قوات أمنية لميدان عام كأحد أوقح مظاهر عسكرة الدولة لم يكن كافياً؛ فقد تحوَّل الميدان خلال ثورة ديسمبر إلى نقطة لتجميع المعتقلين من المواكب المركزية في منطقة وسط الخرطوم، حيث يتم توزيعهم منها إلى مراكز الاعتقال المختلفة.
أما ميدان الأمم المتحدة فكان ذا استخدامات متعددة، فالجزء الجنوبي منه كان يضُم ملعباً لكرة القدم، والجزء الشمالي به سوق لبيع الخضار يسمى سوق الزنك. صَمَد الميدان أمام التغيّرات حتى عهد نميري، ثم تحوَّل لاحقاً إلى مكتبة القُبّة الخضراء، التي هُدمت ليُبنى في موقعها أبراج الواحة. أما سرّ الاسم هنا فيرجع إلى أنه الميدان الذي كانت تُرفع فيه أعلام الأمم المتحدة.
ميدان عبد المنعم هو الميدان الرئيسي لحي الخرطوم ٣، وخطِّط على نَسَق مُغايِر تماماً لخرطوم كتشنر. فعلى عكس الشبكة المنتظمة بلا انقطاع ، فإن الخرطوم ٣ خُطِّطت حول مركز دائري يمثِّلُه ميدان عبد المنعم. في الخمسينات والستينات كان الميدان مسرحاً لأحداث مهمة في ذاكرة المدينة. أحداث امتدّ أثرها للبلاد كلها، مثل اعتصام مزارعي الجزيرة في الميدان في التاسع والعشرين من ديسمبر ١٩٥٣، حينما احتلّ خمسة وعشرون ألف مُزارعٍ من مشروع الجزيرة بأُسَرٍهٍم ميدان عبد المنعم ونجحوا في إجبار الحكومة على الاعتراف باتحادهم. شهد الميدان أيضاً اجتماع نُوّاب البرلمان في السابع عشر من نوفمبر ١٩٥٨ للتصويت على سحب الثقة من حكومة عبدالله بك خليل ، الذي حاول منعهم بتأجيل جلسة البرلمان وسَلَّم السلطة للجيش في اليوم التالي. موكب تشييع الشهيد القرشي المذكور آنفاً والذي مَثَّل بداية النهاية لحكومة عبود كان أيضاً في الميدان ، حينما حَمَل زملاء وأساتذة القرشي-الطالب بجامعة الخرطوم آنذاك- ومن انضمّ إليهم من المواطنين، جثمانه من مستشفى الخرطوم عبر شارع الاسبتالية عابِرِين جسر الحرية باتجاه حي الخرطوم ٣، حيث صَلَّوا عليه في الميدان، قبل أن يُحمَل إلى مسقط رأسه في قرية القراصَة في ولاية الجزيرة ليُدفن هناك.

تحوَّل الميدان فيما بعد إلى نادي الأُسرة، الذي سمح اتّساعُه باستيعاب مختلف الأنشطة الرياضية والاجتماعية والسياسية. كان النادي يضم ملاعب وصالات لمختلف الرياضات من بينها التنس والاسكواش والبلياردو. بالإضافة لذلك فقد كان مسرحاً للعديد من الندوات السياسية، والأهم أنه كان مقصداً للأُسر التي تسكن في الحي والأحياء المجاورة حتى بداية التسعينات. بعد ذلك بدأت السلطات في تقييد استخدامه، ثم بدأت باقتطاع أجزاء منه لاستخدامها كمقر لمنشآت حكومية أو أجهزة أمنية، كما مُنحت أجزاء من النادي للاستثمار الخاص. الهجمة الشرسة لخصخصة النادي ربما تصير مفهومة بمعرفة أن قطعة الأرض المُقام عليها النادي من بين أعلى الأراضي سعراً في الخرطوم.
من بين ما يجعل ميدان عبد المنعم سِجِلاًّ تاريخياً مهماً لفهم العلاقة بين الفضاء العام والدولة أنه: أولاً رغم أنه صُمِّم أساساً ليخدم على مستوى الحي وربما الأحياء المجاورة كما ذكرنا وليس على مستوى المدينة، لكن كما يتضح من تاريخ الميدان أنه في فترات كان يخدم مستوى أكبر من المدينة نفسها. و ثانياً أنه يكشف الإمكانيات المُهدَرَة لميادين الأحياء، كما يتضح من الفترة التي تم تطويره فيها وكان يضم نادي الأسرة. فوق هذا كله فالميدان مثال على العداء الذي تعاملت به الدولة مع المساحات العامة، خاصة خلال الثلاثين عاماً من عهد الإنقاذ. هذا العداء خلق نمطاً واضحاً يتمثَّل في الحملة الممنهجة للاستيلاء على الميادين العامة، بدءاً من مستوى ميادين المدينة الكبيرة وحتى ميادين الأحياء، بل إن حملة الاستيلاء هذه تصل إلى حد الوقاحة في الميادين الصغيرة المُوزَّعَة في الأحياء البعيدة عن عين الرقابة الشعبية.
إذاً كيف أصبحت ميادين الأحياء صيداً سهلاً لجشع الحكومات والمستثمرين؟ أولاً هنالك مسألة: كيفية بداية نمط الاستيلاء هذا؟ ثم كيف ساعد التخطيط العام للمدينة وتخطيط هذه الميادين نفسها في تسهيل استمراره؟
بحسب د. عثمان الخير، المهندس المعماري والباحث المتخصص في مجال المستوطنات البشرية، فيمكن القول بأن البذور الأولى التى ستُنبِت هذا النمط قد زُرعت خلال عهد الديكتاتورية العسكرية الأولى. خلال عهد عبود خُطِّطَت أحياء بميادين واسعة للغاية، مثل الثورات في أمدرمان. لاحقاً، خلال عهد النميري وأزماته المالية المتلاحقة التفتت الحكومة إلى تلك الميادين، التي ارتفعت قيمة أراضيها بعد أن أصبحت في وسط المدينة المتمددة. إدارة نميري بدأت باستقطاع شريط طولي من الاتجاهات الأربعة للميادين، و تقسيمه إلى قِطَع أرضي سكنية بِيعت في المزاد. بما أن تلك الميادين كانت واسعة للغاية وأكبر من حوجة تلك الأحياء، لم تكن تلك الخطوة إشكالية في ذاتها، كما هي محاولة للتحكم بالتمدُّد العمراني للمدينة الذي بدأ يخرج عن السيطرة. المعضلة أن هذه السياسة فتحت الباب على مصراعيه للاستيلاء على ميادين الأحياء.
أحد أهم العوامل التى سهلت الاستيلاء على ميادين الأحياء و جعلته أمراً تصعُب ملاحظته وبالتالي التصدِّي له، أن معظم هذه الميادين كانت مهجورة تقريباً، أرض خلاء خالية من الحياة قلّما تُستخدَم، وإن حدث فمكبّ نفايات أو طريق مختصر. هذا الهجر رجوعاً إلى د. عثمان الخير، جاء نتيجة لتركُّز الخدمات في أطراف الأحياء لتكون قريبة من الشارع الرئيسي المسفلت، مما أدّى إلى موت مركز الحي الداخلي حيث يكون الميدان عادة. هذا الهجر يبعده عن ذاكرة ساكني الحي وبالتالي يبعد عنه عين الرقابة الشعبية. بالطبع هذا وحده لا يكفي لتفسير ظاهرة تآكُل هذه الميادين، لكن إذا أُضيف لكل ما سبق قانون تخطيط فضفاض بلا حدود واضحة لسلطات الأفراد المنوط بهم تنفيذه، وبلا لوائح مفسِّرة له، تكون المعادلة قد اكتملت لتجريد الأحياء من الميادين والمدينة نفسها من المساحات العامة.
لعل إلقاء الضوء على بعض الجوانب القانونية لتخطيط واستخدام الفضاء العام، يمكن أن يعطي لمحة عن الطريقة التي كان ينظر بها النظام السابق للمساحات العامة، وإلى رمادية و مطّاطية الإجراءات البيروقراطية التي تجعل من حماية تلك المساحات صعبة وتسهِّل خصخصتها ومنحها.
بحسب سلوى أَّبَّسَام، المحامية والناشطة في عدد من منظمات المجتمع المدني، فإن القانون الحالي الذي يحكُم استخدامات الأرض وتخطيطها هو قانون التخطيط العمراني والتصرُّف في الأراضي لسنة ١٩٩٤ الذي ألغى قانون التصرّف في الأراضي لسنة ١٤٠٦هـ وقانون التخطيط العمراني لسنة ١٤٠٦هـ ،كما ألغى قانون إعادة تخطيط المدن لعام ١٩٥٠. قانون ١٩٩٤ مختَصَر وبه ٤٩ مادة فقط، ولذا فهو بحاجة لكثير من اللوائح المفسِّرة والمكمِّلة له، وهنا تبدأ مشكلات هذا القانون. لكن قبل أن نأتي على ذكر ذلك، ينبغي أن نوضِّح مَن هم الأفراد والمؤسسات المعنيون بتنفيذ هذا القانون. أولاً هنالك المجلس الأعلى للتخطيط العمراني، وهو المسؤول الأول عن وضع السياسات والخطط العامة والإشراف على تنفيذها، ثم لكل ولاية هناك وزير التخطيط العمراني ولجنة التخطيط بالولاية.
من بين صلاحيات المجلس الأعلى للتخطيط العمراني المذكورة في المادة ٨ التصديق على تغيير مجال استخدام الأرض، باستثناء الفَسَحَات والميادين العامة، حيث أُعطِيَت هذه الصلاحيات إلى الوزير ولجنة التخطيط في كل ولاية وفقاً للمادة ٩، التي تحدد صلاحيات الوزير، الذي تُسند إليه أيضاً مهمة اعتماد الخرائط الموجّهة. هذه الخرائط هي التى تُحدَّد فيها احتياجات المنطقة الخدمية واستخدامات الأرض، بما في ذلك تحديد المساحات والميادين العامة. المادة ٩ أَعطَت الوزير صلاحية التوصية بتغيير الغرض لأي مساحة عامة "متى ما اقتضت الضرورة ذلك" وأسندت مهمة إجازة أو رفض هذه التوصية إلى لجنة التخطيط في الولاية؛ أي أن اللجنة هي التي تحدِّد ما "الضرورة" التي تستدعي التغيير. ثمة تضارُب غريب في أن قرارات هذه اللجنة تُستأنف عند الوزير نفسه. للوزير أيضا صلاحية التصرُّف في الأرض بأفضلية تخصيص أي قطعة أرض لصالح جهة ما بموجب المادة 42، والتي تشمل أيضاً ضوابط لهذا التخصيص، الذي يمر بالإجراء السابق نفسه، أي أن لجنة التخطيط لها أن تُجيز أو أن ترفض هذا التخصيص.
الآن نعود إلى الجزء الإشكالي من القانون، حيث توضح د. أَّبَّسَام أن تعبيرات مثل "متى ما اقتضت الضرورة ذلك" هي تعبيرات فضفاضة ومرنة، وقابلة للتفسير على هوى السلطة التنفيذية. الوضع الأمثل هو أن أي غموض من هذه الشاكلة يتم إجلاؤه في اللوائح الفنية والتنفيذية التابِعة للقانون. فالذي كان يحدث حقيقةً أنه وخلال الثلاثين عاماً الماضية، كان هنالك توجُّه أو نزعة لتكون اللوائح متضارِبة مع القوانين التى صدرت تحتها، كما أن كثير من هذه اللوائح لا يمكن الاطّلاع عليها، إذ أنها لم تُنشَر في أي مكان. لتكتسب أي لائحة شرعية القانون وتصبح نافذة لابد أن تكون سليمة فنياً، وألّا تتضارب مع القانون المفسِّرة له ولا مع الدستور. الأهم من ذلك لابد أن تُنشَر في الجريدة الرسمية لوزارة العدل، الأمر الذي لم يكن ينطبق على اللوائح المفسِّرة لقانون التخطيط العمراني والتصرُّف في الأراضي لعام ١٩٩٤.
عدم شفافية و رمادية هذه القوانين وبالتالي الإجراءات البيروقراطية، تجعل مهمة مراقبة السلطة التنفيذية وحماية الحق العام شبه مستحيلة. كيف يمكن أن يعْلَم الناس أن تغيير استخدام هذا الميدان أو بيع هذه المساحة العامة كان مخالِفاً لقانون لا يعلمون بوجوده في المقام الأول. سياسة تغييب أصحاب المصلحة هذه ليست بجديدة على نظام الإنقاذ، بل هي التي سمحت له بالبقاء لثلاثين عاماً، وهذا التعتيم لا يقتصر على مصلحة الأراضي فقط بل يمتد إلى كامل السلطة التنفيذية.
سياسة الحكومات تجاه المساحات العامة تعكس تقديرها للفضاء العام بصفته الأشمل، واقعياً كان أم افتراضياً، كفضاء حُر لتبادل الآراء، ومجتمع مفتوح يتفاعل فيما بينه. المساحات العامة جزء أصيل من هذا التفاعل ومسرح مهم لحدوثه. غالباً ما تَنزَع الديكتاتوريات للتضييق على هذا التفاعل، مدفوعة بغريزة البقاء والدفاع الشَّرِس عن وجودها من عَواقِب هذا التفاعل، بدءاً من الاحتجاج على توجُّه أو سياسةٍ ما، وحتى الاحتجاج على وجودها نفسه. بالمقابل وكما في شعار الواشنطن بوست "فالديمقراطية تموت في الظلمة". لا يمكن للديمقراطية أن تُولَد إلا في فضاء طَلِق ومفتوح لكل أفراد المجتمع بلا استثناء، ولا يمكن أن تكون معافاة في غياب مساحات عامة تحتضن الجميع.
تصميم البوستر: عزة محمد
عمل على إنتاج الحلقة كل من:
بحث وإنتاج: المزن محمد الحسن، مي أبو صالح، و زينب عثمان.
تقديم وتصميم بوستر: عزة محمد.
تحرير: المزن محمد الحسن، مي أبو صالح، زينب عثمان، و حسام هلالي.
موسيقى: الزين ستوديو.
ميكساج: طارق سليمان.
إدارة: زينب عثمان.
معدات ومساعدة تقنية: المصطبة TV
تم التسجيل باستديو
404 Creative Design
الفضاءات العامة رئة تنفُّس في مدينة مزدحمة ومتمدّدة باطّراد كالخرطوم. خلال الثلاثين عاماً الماضية يمكن تلخيص سياسات السُلطة تجاه المساحات العامة واستخدامها في ثلاث كلمات تقريباً؛ الخصخصة، تضييق الاستخدام وتغيير الغرض. نتج عن ذلك تآكل البنية التحتية لمدينة الخرطوم من الميادين والساحات العامة، خاصة خلال سنوات الإنقاذ. يصحو الناس يوماً بعد يوم، ليجدوا هذه الحديقة أو ذاك الميدان العام بِيع لمستثمر ما أو أُجِّر له لسنوات عديدة، وسُرعان ما ترتفع الأسوار حوله، وتُغلَق البوابات دونه، ويضيق الفضاء العام شيئاً فشيئاً.
في هذا المقال، نلقي نظرة على بعض المساحات العامة النشِطة التي نشأت عفوياً بلا تخطيط، ومصير تلك المخطّطة منها. نستكشف دور المساحات العامة في الحياة السياسية للبلاد، ثم نستعرض دور سياسات الخصخصة في خسارة المكان العام بالنظر إلى بعض الأمثلة، و إلى الجانب القانوني لهذه الحملة المُمنهجة لتجريد المدينة من مساحاتها العامة.
يبدأ الفضاء العام فعلياً عند عتبة البيت، "المصطبة" أي الجزء المرتفع قليلاً أمام المنزل، التي تمثِّل مسرحاً للعديد من الأنشطة الاجتماعية، مثل لعب الأطفال أو إفطار رمضان، كثيراً ما تُصمَّم وتبنى مع البيت كامتداد طبيعي له. لكن تركيزنا سينصَبُّ على مستوًى أشمل، على الساحات و الميادين والحدائق العامة، و لنبدأ أولاً بتلك التي تشكّلت تلقائياً بلا تخطيط.
لعل ميدان أتني، على صِغر مساحته وغرابة أصله، وحقيقة أنه ليس مساحة عامة بالمعنى التقني للكلمة، يُعَدُّ واحداً من أكثر الساحات العامة شهرةً، خاصة في السنوات الأخيرة. كما أن لرواده وطبيعة النشاطات فيه صورة خاصة في المخيال الجمعي. جزء كبير من هذه الشهرة الأخيرة يمكن أن يُعزى إلى معرض "مفروش" للكتب المستعملة، الذي انتظم خلال الأعوام ما بين ٢٠١٢ و٢٠١٥ قبل أن تعرقِل السُلطات إقامته.
أتني، كمساحة عامة، وليد الصدفة، أو لعبت الصدفة أثراً كبيراً في وجوده، إذ أن الميدان نفسه ليس ميداناً عاماً، إنما جزء من عقار تملكه عائلة أبو العِلا، تم بناؤه في فترة الاستقلال. العقار الذي صمّمه ن.ستيفانيس يضُم خمسة مبان مكتبية، ويقع في تقاطع شارعيْ القصر والجمهورية، أحد أكثر تقاطعات المدينة نشاطاً، مما جعل الوصول إليه سهلاً من معظم نواحي منطقة وسط الخرطوم. بُنيت أربعة مبانٍ من بين المباني المصممة، بينما بقيت مساحة المبنى الأخير في الوسط خالية إلا من رؤوس الأعمدة ومدخل ومخرج لموقف السيارات في القبو، وهذه هي المساحة التى تحوّلت لاحقاً إلى ساحة أتني. هذا التمركز الوسطي جعل الساحة "مُحتضَنة" بين بقية المباني، و أعطاها نوعاً من الانفصال عن إزعاج الشوارع المحيطة. بقية المباني ترمي بظلها على الميدان منذ الظهيرة، مما جعل استخدامه ممكناً في تلك الأوقات، على عكس ميادين أو ساحات عامة أخرى تكون مشمسة أغلب النهار. فوق هذا كله، فالميدان مُحاط من ثلاث جهات بمحلات تجارية وحوانيت مفتوحة على فرندات، مما يجعله مأهولاً طوال اليوم بدون أن يزدحم.

ربما كانت طبيعة المِلكيّة الخاصة لأتني هي ميزته الأعظم؛ إذ قلَّلَت من قدرة الحكومة –أو الحكومات- على التصرُّف فيه أو تقييد استخدامه. و هذه من المفارقات الغريبة؛ أن تبعية أتني للقطاع الخاص هي ما يحمي استخدامه العام من التغوّل الحكومي! و تصبح هذه المفارقة جليّة بالنظر إلى قصة معرض مفروش.
أُقيمت أول فعالية لمفروش في مايو ٢٠١٢ بمبادرة من جماعة عَمَل الثقافية، في الميدان الذي تم اختياره لرمزيته، إذ كان مكان التقاء المثقّفين لعُقود. المعرض يقوم على فكرة بسيطة، في أول ثلاثاء من كل شهر يفترش الأرض حوالى عشرين إلى خمسين بائعاً للكتب "فراشاً"، لعرض بضاعتهم من الكتب، قديمة كانت أم مستعملة أو جديدة أو نادرة أو ممنوعة، والمعاملات تكون إما بالبيع أو التبادل. كان المعرض يستقطب مئات الروّاد من مختَلَف الفئات والأجيال، كما كان مكاناً للالتقاء بالأصدقاء والنقاش، في فترة تمتد لساعات منذ بدايات المساء وحتى الساعة التاسعة. لم يقتصر المعرض على
الكتب فقط، إذ كانت تُعرض به المشغولات اليدوية، وربما صاحبته عروض موسيقية من حين لآخر.
لم يكن المعرض مدعوماً من أي مؤسسة حكومية ولم يشكِّل هذا أيّ مشكلة في أول عامين من عمره، لكن المضايقات بدأت في إثر التقييد والقمع الذي تلا هبة سبتمبر ٢٠١٣. مُنِع المنظِّمون من إقامة المعرض عبر حبسهم في سلسلة من الإجراءات البيروقراطية بحجّة أن عليهم تسليم قائمة بجميع عناوين الكتب التى ستُعرض، الأمر الذي يُعَدُّ ضرباً من المستحيل لمعرض يقوم أساساً على تبادل رواده لكتبهم المستعمَلة بحُرٍّيّة. وبعد توقُّف دام لعدة سنوات عاد مفروش إلى ساحة اعتصام القيادة ثم أصبح لاحقاً يُقام في ساحة المتحف القومي.

خَلَقَ مفروش مساحة للثقافة في وقت كانت تزداد فيه القيود المفروضة عليها، وتضيق المساحات المفتوحة للعمل العام. وعندما تعذَّر على السلطات التخلُّص من الميدان ببيعه أو منع النشاط العام فيه كما يحدث عادة مع الميادين العامة؛ عمدت إلى التخلص منه عبر ثُقب البيروقراطية الأسود. ولايبدو أن المشكلة كانت في أتني أو في مفروش نفسه بقدر ما كانت المساحة الحرة التي وفّرها، والتي تَرَى فيها السلطة الديكتاتورية سرطاناً لابد من استئصاله.
المساحة الأخرى في الخرطوم التي يُمكن اعتبارها وليدة الصدفة هي شارع النيل، الذي تحوَّل تدريجياً إلى مُتَنفَّس مهم يحتضن المئات من أصحاب الأعمال الصغيرة المُعتمِدين على وجوده كمساحة عامة يرتادها جميع سكان المدينة. بدأ نمط خصخصة الواجهة النهرية عبر بيعها للاستثمار الخاص يظهر في الجزء الشرقي من الشارع. بين جِسرِيّ القوات المسلحة والمنشية، يمكن ملاحظة عدة منشآت ومرافق خاصة مثل النادي الوطني أو صالات الأفراح. نمط التغوُّل على المساحات العامة الذي يتشكَّل في هذا الجزء من شارع النيل يُعمَّد رسمياً في مخطَّط الخرطوم الهيكلي (آخر خطة حضرية للخرطوم الكبرى)، وتحديداً في مخطَّط منطقة المقرن وغابة السنط. يبدو أن هناك نزعة واضحة لتحويل المنطقة إلى غابة إسمنتية من نوع ما؛ إذ أن الخطة تنحى لرفع كثافة المنطقة وتحويلها لمنطقة أعمال مليئة بالأبراج المكتبية. معظم المساحة بين النيل الأزرق وشارع النيل ستكون خاصة، أي أن الوصول للواجهة المائية سيصبح امتيازاً وليس حقاً في مدينة تعبرها ثلاثة أنهار. فُتح عطاء للخطة التى وُضِعت بأفق خمسة وعشرين عاماً للشركات المحلية والعالمية على حد سواء عام ٢٠٠٥. لا يبدو أن مشروع كمشروع المقرن يضع في اعتباره مصير مستخدمي المكان المذكورين آنفاً، سواء أصحاب الأعمال الصغيرة أو زبائنهم من مرتادي المكان، أو حتى النسيج الحضري للمدينة.

ذكر مفروش و شارع النيل مهم لأنهما مساحتان عامتان مركزيتان إلى حد ما، ولأنهما ليستا مخطَّطَتَْين بل نَبَعَتا من حوجة الناس إليهما ونمط استخدامهم للمكان، لكن لفترة وجيزة كانت منطقة الاعتصام أمام القيادة العامة للجيش هي "الميدان" الرئيسي للمدينة. بصورة أو بأخرى كانت بها كل النشاطات التي تتوقع وجودها في ميدان عام، حيث يلتقي الأصدقاء عفوياً بعد ساعات العمل، أو تُقام بعض الفعاليات أو الحفلات الكبيرة، أو المكان الذي يلتقي فيه الناس لمجرد الوَنَس و تبادل الآراء. كل تلك الاستخدامات التى وُظِّفَت لها منطقة الاعتصام نشأت تلقائياً أثناء تواجد الناس فيه، لكن الغرض الذي كان مقصوداً لحظة وصول الجموع إليها كان لإيصال أصواتهم، كان غرضاً سياسياً بالمقام الأول.
هذه القَصْديَّة السياسية هي إحدى السمات المهمة في استخدام الفضاء العام في المدينة، فذاكرة الخرطوم مع الثورات والحِراك المدني ذاكرة عجوزة تمتد إلى ما قبل الاستقلال. من المستحيل الكتابة عن الفضاء العام في مدينة كالخرطوم بدون ذكر اللحظات التي نَقَشَت فيها آلافُ الأقدام ذاكرةً حية، ما تزال معلّقة في أرصفة و تراب وأسفلت الشوارع
ميدان عبد المنعم (سابقاً)، ونادي الأسرة حالياً، كان المسرح الأول لثورة أكتوبر ١٩٤٦ حيث شُيِّع فيه الشهيد القرشي، و المسرح الثاني الأهم كان شارع الجامعة، حيث اتجه آلاف المواطنين في الثامن والعشرين من أكتوبر تجاه القصر الجمهوري، حتى ملأت أجسادهم جميع الشوارع المحيطة به. أما شارع القصر، فقد زارته أقدام الثوار في أبريل 1985، إذ تدفَّقُوا في الثالث من أبريل على امتداد الشارع من محطة السكة الحديدية و حتى القصر نفسه. أهم مسارح ثورة ديسمبر ٢٠١٨ "القيادة" لم تكن ميداناً وإنما مجموعة من الشوارع المحيطة بالقيادة العامة لأركان الجيش، و كنقطة تجمُّع لعدد من الشوارع الرئيسية فهي إحدى مناطق المدينة المركزية.

يتبيّن لنا أنه عدا ميدان عبد المنعم، فإن معظم الحراك المدني كان في الشوارع وليس الميادين العامة. لماذا إذاً كانت معظم الأحداث السياسية الكبيرة مرتبطة بالشوارع؟ لماذا شارع الجامعة وشارع القصر وليس ميدان أبو جنزير مثلاً؟ ميادين مثل ميدان التحرير في القاهرة او ميدان تيانانمن في بكين كانت مسارح لأحداث سياسية مهمة. هل لأن الخرطوم في الأصل تفتقد للميادين العامة؟ أم أن هذه المساحات لها مشاكلها؟ ما الذي منع هذه الميادين من أن تكون مسرحاً لأحداث كتلك؟
إن استعراضاً بسيطاً لتاريخ ميادين الخرطوم المركزية مثل ميدان عبّاس سابقاً، وميداني أبي جنزير والأمم المتحدة، وميدان عبد المنعم، يمكن أن يعطي لمحة عن السبب وراء هذا. الأخيران تحديداً يُلقِيان الضوء على سياسة الخصخصة وتغيير الغرض التى انتهجتها الحكومات السابقة. إن التجلي الأعظم لسياسات الدولة المعادية لوجود فضاء عام حي وحر يظهر في ميدان عبد المنعم، الذي كان بؤرة للتجمعات المطلبية والحراك المدني في الخمسينات والستينات، ثم تراجع دوره حتى اختفى تماماً من المخيلة الجمعية.

لنستهلّ بأول ميدان خُطِّط في الخرطوم، ميدان عبّاس (المسمّى على الخديوي عباس)، كان الميدان الرئيسي لخرطوم كتشنر، وظلّ يخدم كميدان رئيسي للمدينة المتّسِعة باطّراد، يتوسطه-على نمط كثير من المدن العربية- المسجد الكبير ويحيط به السوق الرئيسي، و يقطعه شارع فكتوريا أوسع شوارع الخرطوم. مع تمدُّد المدينة بدأ الميدان يتقزَّم تدريجياً أمام زحف المباني المتطاولة حوله، حتى لم يتبقَّ من الميدان الأصل سوى ميدانيْن صغيرين هما ميدان الأمم المتحدة وميدان أبو جنزير.

سُمِّي ميدان أبو جنزير على صاحب القبر المحاط بالسلاسل الحديدية (الجنازير) الذي كان يتوسط الميدان. في السنوات الأخيرة أُحيط الميدان بأسوار، وأثناء ثورة ديسمبر كانت تتخذه القوات الأمنية كنقطة إرتكاز. كأن احتلال قوات أمنية لميدان عام كأحد أوقح مظاهر عسكرة الدولة لم يكن كافياً؛ فقد تحوَّل الميدان خلال ثورة ديسمبر إلى نقطة لتجميع المعتقلين من المواكب المركزية في منطقة وسط الخرطوم، حيث يتم توزيعهم منها إلى مراكز الاعتقال المختلفة.
أما ميدان الأمم المتحدة فكان ذا استخدامات متعددة، فالجزء الجنوبي منه كان يضُم ملعباً لكرة القدم، والجزء الشمالي به سوق لبيع الخضار يسمى سوق الزنك. صَمَد الميدان أمام التغيّرات حتى عهد نميري، ثم تحوَّل لاحقاً إلى مكتبة القُبّة الخضراء، التي هُدمت ليُبنى في موقعها أبراج الواحة. أما سرّ الاسم هنا فيرجع إلى أنه الميدان الذي كانت تُرفع فيه أعلام الأمم المتحدة.
ميدان عبد المنعم هو الميدان الرئيسي لحي الخرطوم ٣، وخطِّط على نَسَق مُغايِر تماماً لخرطوم كتشنر. فعلى عكس الشبكة المنتظمة بلا انقطاع ، فإن الخرطوم ٣ خُطِّطت حول مركز دائري يمثِّلُه ميدان عبد المنعم. في الخمسينات والستينات كان الميدان مسرحاً لأحداث مهمة في ذاكرة المدينة. أحداث امتدّ أثرها للبلاد كلها، مثل اعتصام مزارعي الجزيرة في الميدان في التاسع والعشرين من ديسمبر ١٩٥٣، حينما احتلّ خمسة وعشرون ألف مُزارعٍ من مشروع الجزيرة بأُسَرٍهٍم ميدان عبد المنعم ونجحوا في إجبار الحكومة على الاعتراف باتحادهم. شهد الميدان أيضاً اجتماع نُوّاب البرلمان في السابع عشر من نوفمبر ١٩٥٨ للتصويت على سحب الثقة من حكومة عبدالله بك خليل ، الذي حاول منعهم بتأجيل جلسة البرلمان وسَلَّم السلطة للجيش في اليوم التالي. موكب تشييع الشهيد القرشي المذكور آنفاً والذي مَثَّل بداية النهاية لحكومة عبود كان أيضاً في الميدان ، حينما حَمَل زملاء وأساتذة القرشي-الطالب بجامعة الخرطوم آنذاك- ومن انضمّ إليهم من المواطنين، جثمانه من مستشفى الخرطوم عبر شارع الاسبتالية عابِرِين جسر الحرية باتجاه حي الخرطوم ٣، حيث صَلَّوا عليه في الميدان، قبل أن يُحمَل إلى مسقط رأسه في قرية القراصَة في ولاية الجزيرة ليُدفن هناك.

تحوَّل الميدان فيما بعد إلى نادي الأُسرة، الذي سمح اتّساعُه باستيعاب مختلف الأنشطة الرياضية والاجتماعية والسياسية. كان النادي يضم ملاعب وصالات لمختلف الرياضات من بينها التنس والاسكواش والبلياردو. بالإضافة لذلك فقد كان مسرحاً للعديد من الندوات السياسية، والأهم أنه كان مقصداً للأُسر التي تسكن في الحي والأحياء المجاورة حتى بداية التسعينات. بعد ذلك بدأت السلطات في تقييد استخدامه، ثم بدأت باقتطاع أجزاء منه لاستخدامها كمقر لمنشآت حكومية أو أجهزة أمنية، كما مُنحت أجزاء من النادي للاستثمار الخاص. الهجمة الشرسة لخصخصة النادي ربما تصير مفهومة بمعرفة أن قطعة الأرض المُقام عليها النادي من بين أعلى الأراضي سعراً في الخرطوم.
من بين ما يجعل ميدان عبد المنعم سِجِلاًّ تاريخياً مهماً لفهم العلاقة بين الفضاء العام والدولة أنه: أولاً رغم أنه صُمِّم أساساً ليخدم على مستوى الحي وربما الأحياء المجاورة كما ذكرنا وليس على مستوى المدينة، لكن كما يتضح من تاريخ الميدان أنه في فترات كان يخدم مستوى أكبر من المدينة نفسها. و ثانياً أنه يكشف الإمكانيات المُهدَرَة لميادين الأحياء، كما يتضح من الفترة التي تم تطويره فيها وكان يضم نادي الأسرة. فوق هذا كله فالميدان مثال على العداء الذي تعاملت به الدولة مع المساحات العامة، خاصة خلال الثلاثين عاماً من عهد الإنقاذ. هذا العداء خلق نمطاً واضحاً يتمثَّل في الحملة الممنهجة للاستيلاء على الميادين العامة، بدءاً من مستوى ميادين المدينة الكبيرة وحتى ميادين الأحياء، بل إن حملة الاستيلاء هذه تصل إلى حد الوقاحة في الميادين الصغيرة المُوزَّعَة في الأحياء البعيدة عن عين الرقابة الشعبية.
إذاً كيف أصبحت ميادين الأحياء صيداً سهلاً لجشع الحكومات والمستثمرين؟ أولاً هنالك مسألة: كيفية بداية نمط الاستيلاء هذا؟ ثم كيف ساعد التخطيط العام للمدينة وتخطيط هذه الميادين نفسها في تسهيل استمراره؟
بحسب د. عثمان الخير، المهندس المعماري والباحث المتخصص في مجال المستوطنات البشرية، فيمكن القول بأن البذور الأولى التى ستُنبِت هذا النمط قد زُرعت خلال عهد الديكتاتورية العسكرية الأولى. خلال عهد عبود خُطِّطَت أحياء بميادين واسعة للغاية، مثل الثورات في أمدرمان. لاحقاً، خلال عهد النميري وأزماته المالية المتلاحقة التفتت الحكومة إلى تلك الميادين، التي ارتفعت قيمة أراضيها بعد أن أصبحت في وسط المدينة المتمددة. إدارة نميري بدأت باستقطاع شريط طولي من الاتجاهات الأربعة للميادين، و تقسيمه إلى قِطَع أرضي سكنية بِيعت في المزاد. بما أن تلك الميادين كانت واسعة للغاية وأكبر من حوجة تلك الأحياء، لم تكن تلك الخطوة إشكالية في ذاتها، كما هي محاولة للتحكم بالتمدُّد العمراني للمدينة الذي بدأ يخرج عن السيطرة. المعضلة أن هذه السياسة فتحت الباب على مصراعيه للاستيلاء على ميادين الأحياء.
أحد أهم العوامل التى سهلت الاستيلاء على ميادين الأحياء و جعلته أمراً تصعُب ملاحظته وبالتالي التصدِّي له، أن معظم هذه الميادين كانت مهجورة تقريباً، أرض خلاء خالية من الحياة قلّما تُستخدَم، وإن حدث فمكبّ نفايات أو طريق مختصر. هذا الهجر رجوعاً إلى د. عثمان الخير، جاء نتيجة لتركُّز الخدمات في أطراف الأحياء لتكون قريبة من الشارع الرئيسي المسفلت، مما أدّى إلى موت مركز الحي الداخلي حيث يكون الميدان عادة. هذا الهجر يبعده عن ذاكرة ساكني الحي وبالتالي يبعد عنه عين الرقابة الشعبية. بالطبع هذا وحده لا يكفي لتفسير ظاهرة تآكُل هذه الميادين، لكن إذا أُضيف لكل ما سبق قانون تخطيط فضفاض بلا حدود واضحة لسلطات الأفراد المنوط بهم تنفيذه، وبلا لوائح مفسِّرة له، تكون المعادلة قد اكتملت لتجريد الأحياء من الميادين والمدينة نفسها من المساحات العامة.
لعل إلقاء الضوء على بعض الجوانب القانونية لتخطيط واستخدام الفضاء العام، يمكن أن يعطي لمحة عن الطريقة التي كان ينظر بها النظام السابق للمساحات العامة، وإلى رمادية و مطّاطية الإجراءات البيروقراطية التي تجعل من حماية تلك المساحات صعبة وتسهِّل خصخصتها ومنحها.
بحسب سلوى أَّبَّسَام، المحامية والناشطة في عدد من منظمات المجتمع المدني، فإن القانون الحالي الذي يحكُم استخدامات الأرض وتخطيطها هو قانون التخطيط العمراني والتصرُّف في الأراضي لسنة ١٩٩٤ الذي ألغى قانون التصرّف في الأراضي لسنة ١٤٠٦هـ وقانون التخطيط العمراني لسنة ١٤٠٦هـ ،كما ألغى قانون إعادة تخطيط المدن لعام ١٩٥٠. قانون ١٩٩٤ مختَصَر وبه ٤٩ مادة فقط، ولذا فهو بحاجة لكثير من اللوائح المفسِّرة والمكمِّلة له، وهنا تبدأ مشكلات هذا القانون. لكن قبل أن نأتي على ذكر ذلك، ينبغي أن نوضِّح مَن هم الأفراد والمؤسسات المعنيون بتنفيذ هذا القانون. أولاً هنالك المجلس الأعلى للتخطيط العمراني، وهو المسؤول الأول عن وضع السياسات والخطط العامة والإشراف على تنفيذها، ثم لكل ولاية هناك وزير التخطيط العمراني ولجنة التخطيط بالولاية.
من بين صلاحيات المجلس الأعلى للتخطيط العمراني المذكورة في المادة ٨ التصديق على تغيير مجال استخدام الأرض، باستثناء الفَسَحَات والميادين العامة، حيث أُعطِيَت هذه الصلاحيات إلى الوزير ولجنة التخطيط في كل ولاية وفقاً للمادة ٩، التي تحدد صلاحيات الوزير، الذي تُسند إليه أيضاً مهمة اعتماد الخرائط الموجّهة. هذه الخرائط هي التى تُحدَّد فيها احتياجات المنطقة الخدمية واستخدامات الأرض، بما في ذلك تحديد المساحات والميادين العامة. المادة ٩ أَعطَت الوزير صلاحية التوصية بتغيير الغرض لأي مساحة عامة "متى ما اقتضت الضرورة ذلك" وأسندت مهمة إجازة أو رفض هذه التوصية إلى لجنة التخطيط في الولاية؛ أي أن اللجنة هي التي تحدِّد ما "الضرورة" التي تستدعي التغيير. ثمة تضارُب غريب في أن قرارات هذه اللجنة تُستأنف عند الوزير نفسه. للوزير أيضا صلاحية التصرُّف في الأرض بأفضلية تخصيص أي قطعة أرض لصالح جهة ما بموجب المادة 42، والتي تشمل أيضاً ضوابط لهذا التخصيص، الذي يمر بالإجراء السابق نفسه، أي أن لجنة التخطيط لها أن تُجيز أو أن ترفض هذا التخصيص.
الآن نعود إلى الجزء الإشكالي من القانون، حيث توضح د. أَّبَّسَام أن تعبيرات مثل "متى ما اقتضت الضرورة ذلك" هي تعبيرات فضفاضة ومرنة، وقابلة للتفسير على هوى السلطة التنفيذية. الوضع الأمثل هو أن أي غموض من هذه الشاكلة يتم إجلاؤه في اللوائح الفنية والتنفيذية التابِعة للقانون. فالذي كان يحدث حقيقةً أنه وخلال الثلاثين عاماً الماضية، كان هنالك توجُّه أو نزعة لتكون اللوائح متضارِبة مع القوانين التى صدرت تحتها، كما أن كثير من هذه اللوائح لا يمكن الاطّلاع عليها، إذ أنها لم تُنشَر في أي مكان. لتكتسب أي لائحة شرعية القانون وتصبح نافذة لابد أن تكون سليمة فنياً، وألّا تتضارب مع القانون المفسِّرة له ولا مع الدستور. الأهم من ذلك لابد أن تُنشَر في الجريدة الرسمية لوزارة العدل، الأمر الذي لم يكن ينطبق على اللوائح المفسِّرة لقانون التخطيط العمراني والتصرُّف في الأراضي لعام ١٩٩٤.
عدم شفافية و رمادية هذه القوانين وبالتالي الإجراءات البيروقراطية، تجعل مهمة مراقبة السلطة التنفيذية وحماية الحق العام شبه مستحيلة. كيف يمكن أن يعْلَم الناس أن تغيير استخدام هذا الميدان أو بيع هذه المساحة العامة كان مخالِفاً لقانون لا يعلمون بوجوده في المقام الأول. سياسة تغييب أصحاب المصلحة هذه ليست بجديدة على نظام الإنقاذ، بل هي التي سمحت له بالبقاء لثلاثين عاماً، وهذا التعتيم لا يقتصر على مصلحة الأراضي فقط بل يمتد إلى كامل السلطة التنفيذية.
سياسة الحكومات تجاه المساحات العامة تعكس تقديرها للفضاء العام بصفته الأشمل، واقعياً كان أم افتراضياً، كفضاء حُر لتبادل الآراء، ومجتمع مفتوح يتفاعل فيما بينه. المساحات العامة جزء أصيل من هذا التفاعل ومسرح مهم لحدوثه. غالباً ما تَنزَع الديكتاتوريات للتضييق على هذا التفاعل، مدفوعة بغريزة البقاء والدفاع الشَّرِس عن وجودها من عَواقِب هذا التفاعل، بدءاً من الاحتجاج على توجُّه أو سياسةٍ ما، وحتى الاحتجاج على وجودها نفسه. بالمقابل وكما في شعار الواشنطن بوست "فالديمقراطية تموت في الظلمة". لا يمكن للديمقراطية أن تُولَد إلا في فضاء طَلِق ومفتوح لكل أفراد المجتمع بلا استثناء، ولا يمكن أن تكون معافاة في غياب مساحات عامة تحتضن الجميع.
تصميم البوستر: عزة محمد

عمل على إنتاج الحلقة كل من:
بحث وإنتاج: المزن محمد الحسن، مي أبو صالح، و زينب عثمان.
تقديم وتصميم بوستر: عزة محمد.
تحرير: المزن محمد الحسن، مي أبو صالح، زينب عثمان، و حسام هلالي.
موسيقى: الزين ستوديو.
ميكساج: طارق سليمان.
إدارة: زينب عثمان.
معدات ومساعدة تقنية: المصطبة TV
تم التسجيل باستديو
404 Creative Design
الفضاءات العامة رئة تنفُّس في مدينة مزدحمة ومتمدّدة باطّراد كالخرطوم. خلال الثلاثين عاماً الماضية يمكن تلخيص سياسات السُلطة تجاه المساحات العامة واستخدامها في ثلاث كلمات تقريباً؛ الخصخصة، تضييق الاستخدام وتغيير الغرض. نتج عن ذلك تآكل البنية التحتية لمدينة الخرطوم من الميادين والساحات العامة، خاصة خلال سنوات الإنقاذ. يصحو الناس يوماً بعد يوم، ليجدوا هذه الحديقة أو ذاك الميدان العام بِيع لمستثمر ما أو أُجِّر له لسنوات عديدة، وسُرعان ما ترتفع الأسوار حوله، وتُغلَق البوابات دونه، ويضيق الفضاء العام شيئاً فشيئاً.
في هذا المقال، نلقي نظرة على بعض المساحات العامة النشِطة التي نشأت عفوياً بلا تخطيط، ومصير تلك المخطّطة منها. نستكشف دور المساحات العامة في الحياة السياسية للبلاد، ثم نستعرض دور سياسات الخصخصة في خسارة المكان العام بالنظر إلى بعض الأمثلة، و إلى الجانب القانوني لهذه الحملة المُمنهجة لتجريد المدينة من مساحاتها العامة.
يبدأ الفضاء العام فعلياً عند عتبة البيت، "المصطبة" أي الجزء المرتفع قليلاً أمام المنزل، التي تمثِّل مسرحاً للعديد من الأنشطة الاجتماعية، مثل لعب الأطفال أو إفطار رمضان، كثيراً ما تُصمَّم وتبنى مع البيت كامتداد طبيعي له. لكن تركيزنا سينصَبُّ على مستوًى أشمل، على الساحات و الميادين والحدائق العامة، و لنبدأ أولاً بتلك التي تشكّلت تلقائياً بلا تخطيط.
لعل ميدان أتني، على صِغر مساحته وغرابة أصله، وحقيقة أنه ليس مساحة عامة بالمعنى التقني للكلمة، يُعَدُّ واحداً من أكثر الساحات العامة شهرةً، خاصة في السنوات الأخيرة. كما أن لرواده وطبيعة النشاطات فيه صورة خاصة في المخيال الجمعي. جزء كبير من هذه الشهرة الأخيرة يمكن أن يُعزى إلى معرض "مفروش" للكتب المستعملة، الذي انتظم خلال الأعوام ما بين ٢٠١٢ و٢٠١٥ قبل أن تعرقِل السُلطات إقامته.
أتني، كمساحة عامة، وليد الصدفة، أو لعبت الصدفة أثراً كبيراً في وجوده، إذ أن الميدان نفسه ليس ميداناً عاماً، إنما جزء من عقار تملكه عائلة أبو العِلا، تم بناؤه في فترة الاستقلال. العقار الذي صمّمه ن.ستيفانيس يضُم خمسة مبان مكتبية، ويقع في تقاطع شارعيْ القصر والجمهورية، أحد أكثر تقاطعات المدينة نشاطاً، مما جعل الوصول إليه سهلاً من معظم نواحي منطقة وسط الخرطوم. بُنيت أربعة مبانٍ من بين المباني المصممة، بينما بقيت مساحة المبنى الأخير في الوسط خالية إلا من رؤوس الأعمدة ومدخل ومخرج لموقف السيارات في القبو، وهذه هي المساحة التى تحوّلت لاحقاً إلى ساحة أتني. هذا التمركز الوسطي جعل الساحة "مُحتضَنة" بين بقية المباني، و أعطاها نوعاً من الانفصال عن إزعاج الشوارع المحيطة. بقية المباني ترمي بظلها على الميدان منذ الظهيرة، مما جعل استخدامه ممكناً في تلك الأوقات، على عكس ميادين أو ساحات عامة أخرى تكون مشمسة أغلب النهار. فوق هذا كله، فالميدان مُحاط من ثلاث جهات بمحلات تجارية وحوانيت مفتوحة على فرندات، مما يجعله مأهولاً طوال اليوم بدون أن يزدحم.

ربما كانت طبيعة المِلكيّة الخاصة لأتني هي ميزته الأعظم؛ إذ قلَّلَت من قدرة الحكومة –أو الحكومات- على التصرُّف فيه أو تقييد استخدامه. و هذه من المفارقات الغريبة؛ أن تبعية أتني للقطاع الخاص هي ما يحمي استخدامه العام من التغوّل الحكومي! و تصبح هذه المفارقة جليّة بالنظر إلى قصة معرض مفروش.
أُقيمت أول فعالية لمفروش في مايو ٢٠١٢ بمبادرة من جماعة عَمَل الثقافية، في الميدان الذي تم اختياره لرمزيته، إذ كان مكان التقاء المثقّفين لعُقود. المعرض يقوم على فكرة بسيطة، في أول ثلاثاء من كل شهر يفترش الأرض حوالى عشرين إلى خمسين بائعاً للكتب "فراشاً"، لعرض بضاعتهم من الكتب، قديمة كانت أم مستعملة أو جديدة أو نادرة أو ممنوعة، والمعاملات تكون إما بالبيع أو التبادل. كان المعرض يستقطب مئات الروّاد من مختَلَف الفئات والأجيال، كما كان مكاناً للالتقاء بالأصدقاء والنقاش، في فترة تمتد لساعات منذ بدايات المساء وحتى الساعة التاسعة. لم يقتصر المعرض على
الكتب فقط، إذ كانت تُعرض به المشغولات اليدوية، وربما صاحبته عروض موسيقية من حين لآخر.
لم يكن المعرض مدعوماً من أي مؤسسة حكومية ولم يشكِّل هذا أيّ مشكلة في أول عامين من عمره، لكن المضايقات بدأت في إثر التقييد والقمع الذي تلا هبة سبتمبر ٢٠١٣. مُنِع المنظِّمون من إقامة المعرض عبر حبسهم في سلسلة من الإجراءات البيروقراطية بحجّة أن عليهم تسليم قائمة بجميع عناوين الكتب التى ستُعرض، الأمر الذي يُعَدُّ ضرباً من المستحيل لمعرض يقوم أساساً على تبادل رواده لكتبهم المستعمَلة بحُرٍّيّة. وبعد توقُّف دام لعدة سنوات عاد مفروش إلى ساحة اعتصام القيادة ثم أصبح لاحقاً يُقام في ساحة المتحف القومي.

خَلَقَ مفروش مساحة للثقافة في وقت كانت تزداد فيه القيود المفروضة عليها، وتضيق المساحات المفتوحة للعمل العام. وعندما تعذَّر على السلطات التخلُّص من الميدان ببيعه أو منع النشاط العام فيه كما يحدث عادة مع الميادين العامة؛ عمدت إلى التخلص منه عبر ثُقب البيروقراطية الأسود. ولايبدو أن المشكلة كانت في أتني أو في مفروش نفسه بقدر ما كانت المساحة الحرة التي وفّرها، والتي تَرَى فيها السلطة الديكتاتورية سرطاناً لابد من استئصاله.
المساحة الأخرى في الخرطوم التي يُمكن اعتبارها وليدة الصدفة هي شارع النيل، الذي تحوَّل تدريجياً إلى مُتَنفَّس مهم يحتضن المئات من أصحاب الأعمال الصغيرة المُعتمِدين على وجوده كمساحة عامة يرتادها جميع سكان المدينة. بدأ نمط خصخصة الواجهة النهرية عبر بيعها للاستثمار الخاص يظهر في الجزء الشرقي من الشارع. بين جِسرِيّ القوات المسلحة والمنشية، يمكن ملاحظة عدة منشآت ومرافق خاصة مثل النادي الوطني أو صالات الأفراح. نمط التغوُّل على المساحات العامة الذي يتشكَّل في هذا الجزء من شارع النيل يُعمَّد رسمياً في مخطَّط الخرطوم الهيكلي (آخر خطة حضرية للخرطوم الكبرى)، وتحديداً في مخطَّط منطقة المقرن وغابة السنط. يبدو أن هناك نزعة واضحة لتحويل المنطقة إلى غابة إسمنتية من نوع ما؛ إذ أن الخطة تنحى لرفع كثافة المنطقة وتحويلها لمنطقة أعمال مليئة بالأبراج المكتبية. معظم المساحة بين النيل الأزرق وشارع النيل ستكون خاصة، أي أن الوصول للواجهة المائية سيصبح امتيازاً وليس حقاً في مدينة تعبرها ثلاثة أنهار. فُتح عطاء للخطة التى وُضِعت بأفق خمسة وعشرين عاماً للشركات المحلية والعالمية على حد سواء عام ٢٠٠٥. لا يبدو أن مشروع كمشروع المقرن يضع في اعتباره مصير مستخدمي المكان المذكورين آنفاً، سواء أصحاب الأعمال الصغيرة أو زبائنهم من مرتادي المكان، أو حتى النسيج الحضري للمدينة.

ذكر مفروش و شارع النيل مهم لأنهما مساحتان عامتان مركزيتان إلى حد ما، ولأنهما ليستا مخطَّطَتَْين بل نَبَعَتا من حوجة الناس إليهما ونمط استخدامهم للمكان، لكن لفترة وجيزة كانت منطقة الاعتصام أمام القيادة العامة للجيش هي "الميدان" الرئيسي للمدينة. بصورة أو بأخرى كانت بها كل النشاطات التي تتوقع وجودها في ميدان عام، حيث يلتقي الأصدقاء عفوياً بعد ساعات العمل، أو تُقام بعض الفعاليات أو الحفلات الكبيرة، أو المكان الذي يلتقي فيه الناس لمجرد الوَنَس و تبادل الآراء. كل تلك الاستخدامات التى وُظِّفَت لها منطقة الاعتصام نشأت تلقائياً أثناء تواجد الناس فيه، لكن الغرض الذي كان مقصوداً لحظة وصول الجموع إليها كان لإيصال أصواتهم، كان غرضاً سياسياً بالمقام الأول.
هذه القَصْديَّة السياسية هي إحدى السمات المهمة في استخدام الفضاء العام في المدينة، فذاكرة الخرطوم مع الثورات والحِراك المدني ذاكرة عجوزة تمتد إلى ما قبل الاستقلال. من المستحيل الكتابة عن الفضاء العام في مدينة كالخرطوم بدون ذكر اللحظات التي نَقَشَت فيها آلافُ الأقدام ذاكرةً حية، ما تزال معلّقة في أرصفة و تراب وأسفلت الشوارع
ميدان عبد المنعم (سابقاً)، ونادي الأسرة حالياً، كان المسرح الأول لثورة أكتوبر ١٩٤٦ حيث شُيِّع فيه الشهيد القرشي، و المسرح الثاني الأهم كان شارع الجامعة، حيث اتجه آلاف المواطنين في الثامن والعشرين من أكتوبر تجاه القصر الجمهوري، حتى ملأت أجسادهم جميع الشوارع المحيطة به. أما شارع القصر، فقد زارته أقدام الثوار في أبريل 1985، إذ تدفَّقُوا في الثالث من أبريل على امتداد الشارع من محطة السكة الحديدية و حتى القصر نفسه. أهم مسارح ثورة ديسمبر ٢٠١٨ "القيادة" لم تكن ميداناً وإنما مجموعة من الشوارع المحيطة بالقيادة العامة لأركان الجيش، و كنقطة تجمُّع لعدد من الشوارع الرئيسية فهي إحدى مناطق المدينة المركزية.

يتبيّن لنا أنه عدا ميدان عبد المنعم، فإن معظم الحراك المدني كان في الشوارع وليس الميادين العامة. لماذا إذاً كانت معظم الأحداث السياسية الكبيرة مرتبطة بالشوارع؟ لماذا شارع الجامعة وشارع القصر وليس ميدان أبو جنزير مثلاً؟ ميادين مثل ميدان التحرير في القاهرة او ميدان تيانانمن في بكين كانت مسارح لأحداث سياسية مهمة. هل لأن الخرطوم في الأصل تفتقد للميادين العامة؟ أم أن هذه المساحات لها مشاكلها؟ ما الذي منع هذه الميادين من أن تكون مسرحاً لأحداث كتلك؟
إن استعراضاً بسيطاً لتاريخ ميادين الخرطوم المركزية مثل ميدان عبّاس سابقاً، وميداني أبي جنزير والأمم المتحدة، وميدان عبد المنعم، يمكن أن يعطي لمحة عن السبب وراء هذا. الأخيران تحديداً يُلقِيان الضوء على سياسة الخصخصة وتغيير الغرض التى انتهجتها الحكومات السابقة. إن التجلي الأعظم لسياسات الدولة المعادية لوجود فضاء عام حي وحر يظهر في ميدان عبد المنعم، الذي كان بؤرة للتجمعات المطلبية والحراك المدني في الخمسينات والستينات، ثم تراجع دوره حتى اختفى تماماً من المخيلة الجمعية.

لنستهلّ بأول ميدان خُطِّط في الخرطوم، ميدان عبّاس (المسمّى على الخديوي عباس)، كان الميدان الرئيسي لخرطوم كتشنر، وظلّ يخدم كميدان رئيسي للمدينة المتّسِعة باطّراد، يتوسطه-على نمط كثير من المدن العربية- المسجد الكبير ويحيط به السوق الرئيسي، و يقطعه شارع فكتوريا أوسع شوارع الخرطوم. مع تمدُّد المدينة بدأ الميدان يتقزَّم تدريجياً أمام زحف المباني المتطاولة حوله، حتى لم يتبقَّ من الميدان الأصل سوى ميدانيْن صغيرين هما ميدان الأمم المتحدة وميدان أبو جنزير.

سُمِّي ميدان أبو جنزير على صاحب القبر المحاط بالسلاسل الحديدية (الجنازير) الذي كان يتوسط الميدان. في السنوات الأخيرة أُحيط الميدان بأسوار، وأثناء ثورة ديسمبر كانت تتخذه القوات الأمنية كنقطة إرتكاز. كأن احتلال قوات أمنية لميدان عام كأحد أوقح مظاهر عسكرة الدولة لم يكن كافياً؛ فقد تحوَّل الميدان خلال ثورة ديسمبر إلى نقطة لتجميع المعتقلين من المواكب المركزية في منطقة وسط الخرطوم، حيث يتم توزيعهم منها إلى مراكز الاعتقال المختلفة.
أما ميدان الأمم المتحدة فكان ذا استخدامات متعددة، فالجزء الجنوبي منه كان يضُم ملعباً لكرة القدم، والجزء الشمالي به سوق لبيع الخضار يسمى سوق الزنك. صَمَد الميدان أمام التغيّرات حتى عهد نميري، ثم تحوَّل لاحقاً إلى مكتبة القُبّة الخضراء، التي هُدمت ليُبنى في موقعها أبراج الواحة. أما سرّ الاسم هنا فيرجع إلى أنه الميدان الذي كانت تُرفع فيه أعلام الأمم المتحدة.
ميدان عبد المنعم هو الميدان الرئيسي لحي الخرطوم ٣، وخطِّط على نَسَق مُغايِر تماماً لخرطوم كتشنر. فعلى عكس الشبكة المنتظمة بلا انقطاع ، فإن الخرطوم ٣ خُطِّطت حول مركز دائري يمثِّلُه ميدان عبد المنعم. في الخمسينات والستينات كان الميدان مسرحاً لأحداث مهمة في ذاكرة المدينة. أحداث امتدّ أثرها للبلاد كلها، مثل اعتصام مزارعي الجزيرة في الميدان في التاسع والعشرين من ديسمبر ١٩٥٣، حينما احتلّ خمسة وعشرون ألف مُزارعٍ من مشروع الجزيرة بأُسَرٍهٍم ميدان عبد المنعم ونجحوا في إجبار الحكومة على الاعتراف باتحادهم. شهد الميدان أيضاً اجتماع نُوّاب البرلمان في السابع عشر من نوفمبر ١٩٥٨ للتصويت على سحب الثقة من حكومة عبدالله بك خليل ، الذي حاول منعهم بتأجيل جلسة البرلمان وسَلَّم السلطة للجيش في اليوم التالي. موكب تشييع الشهيد القرشي المذكور آنفاً والذي مَثَّل بداية النهاية لحكومة عبود كان أيضاً في الميدان ، حينما حَمَل زملاء وأساتذة القرشي-الطالب بجامعة الخرطوم آنذاك- ومن انضمّ إليهم من المواطنين، جثمانه من مستشفى الخرطوم عبر شارع الاسبتالية عابِرِين جسر الحرية باتجاه حي الخرطوم ٣، حيث صَلَّوا عليه في الميدان، قبل أن يُحمَل إلى مسقط رأسه في قرية القراصَة في ولاية الجزيرة ليُدفن هناك.

تحوَّل الميدان فيما بعد إلى نادي الأُسرة، الذي سمح اتّساعُه باستيعاب مختلف الأنشطة الرياضية والاجتماعية والسياسية. كان النادي يضم ملاعب وصالات لمختلف الرياضات من بينها التنس والاسكواش والبلياردو. بالإضافة لذلك فقد كان مسرحاً للعديد من الندوات السياسية، والأهم أنه كان مقصداً للأُسر التي تسكن في الحي والأحياء المجاورة حتى بداية التسعينات. بعد ذلك بدأت السلطات في تقييد استخدامه، ثم بدأت باقتطاع أجزاء منه لاستخدامها كمقر لمنشآت حكومية أو أجهزة أمنية، كما مُنحت أجزاء من النادي للاستثمار الخاص. الهجمة الشرسة لخصخصة النادي ربما تصير مفهومة بمعرفة أن قطعة الأرض المُقام عليها النادي من بين أعلى الأراضي سعراً في الخرطوم.
من بين ما يجعل ميدان عبد المنعم سِجِلاًّ تاريخياً مهماً لفهم العلاقة بين الفضاء العام والدولة أنه: أولاً رغم أنه صُمِّم أساساً ليخدم على مستوى الحي وربما الأحياء المجاورة كما ذكرنا وليس على مستوى المدينة، لكن كما يتضح من تاريخ الميدان أنه في فترات كان يخدم مستوى أكبر من المدينة نفسها. و ثانياً أنه يكشف الإمكانيات المُهدَرَة لميادين الأحياء، كما يتضح من الفترة التي تم تطويره فيها وكان يضم نادي الأسرة. فوق هذا كله فالميدان مثال على العداء الذي تعاملت به الدولة مع المساحات العامة، خاصة خلال الثلاثين عاماً من عهد الإنقاذ. هذا العداء خلق نمطاً واضحاً يتمثَّل في الحملة الممنهجة للاستيلاء على الميادين العامة، بدءاً من مستوى ميادين المدينة الكبيرة وحتى ميادين الأحياء، بل إن حملة الاستيلاء هذه تصل إلى حد الوقاحة في الميادين الصغيرة المُوزَّعَة في الأحياء البعيدة عن عين الرقابة الشعبية.
إذاً كيف أصبحت ميادين الأحياء صيداً سهلاً لجشع الحكومات والمستثمرين؟ أولاً هنالك مسألة: كيفية بداية نمط الاستيلاء هذا؟ ثم كيف ساعد التخطيط العام للمدينة وتخطيط هذه الميادين نفسها في تسهيل استمراره؟
بحسب د. عثمان الخير، المهندس المعماري والباحث المتخصص في مجال المستوطنات البشرية، فيمكن القول بأن البذور الأولى التى ستُنبِت هذا النمط قد زُرعت خلال عهد الديكتاتورية العسكرية الأولى. خلال عهد عبود خُطِّطَت أحياء بميادين واسعة للغاية، مثل الثورات في أمدرمان. لاحقاً، خلال عهد النميري وأزماته المالية المتلاحقة التفتت الحكومة إلى تلك الميادين، التي ارتفعت قيمة أراضيها بعد أن أصبحت في وسط المدينة المتمددة. إدارة نميري بدأت باستقطاع شريط طولي من الاتجاهات الأربعة للميادين، و تقسيمه إلى قِطَع أرضي سكنية بِيعت في المزاد. بما أن تلك الميادين كانت واسعة للغاية وأكبر من حوجة تلك الأحياء، لم تكن تلك الخطوة إشكالية في ذاتها، كما هي محاولة للتحكم بالتمدُّد العمراني للمدينة الذي بدأ يخرج عن السيطرة. المعضلة أن هذه السياسة فتحت الباب على مصراعيه للاستيلاء على ميادين الأحياء.
أحد أهم العوامل التى سهلت الاستيلاء على ميادين الأحياء و جعلته أمراً تصعُب ملاحظته وبالتالي التصدِّي له، أن معظم هذه الميادين كانت مهجورة تقريباً، أرض خلاء خالية من الحياة قلّما تُستخدَم، وإن حدث فمكبّ نفايات أو طريق مختصر. هذا الهجر رجوعاً إلى د. عثمان الخير، جاء نتيجة لتركُّز الخدمات في أطراف الأحياء لتكون قريبة من الشارع الرئيسي المسفلت، مما أدّى إلى موت مركز الحي الداخلي حيث يكون الميدان عادة. هذا الهجر يبعده عن ذاكرة ساكني الحي وبالتالي يبعد عنه عين الرقابة الشعبية. بالطبع هذا وحده لا يكفي لتفسير ظاهرة تآكُل هذه الميادين، لكن إذا أُضيف لكل ما سبق قانون تخطيط فضفاض بلا حدود واضحة لسلطات الأفراد المنوط بهم تنفيذه، وبلا لوائح مفسِّرة له، تكون المعادلة قد اكتملت لتجريد الأحياء من الميادين والمدينة نفسها من المساحات العامة.
لعل إلقاء الضوء على بعض الجوانب القانونية لتخطيط واستخدام الفضاء العام، يمكن أن يعطي لمحة عن الطريقة التي كان ينظر بها النظام السابق للمساحات العامة، وإلى رمادية و مطّاطية الإجراءات البيروقراطية التي تجعل من حماية تلك المساحات صعبة وتسهِّل خصخصتها ومنحها.
بحسب سلوى أَّبَّسَام، المحامية والناشطة في عدد من منظمات المجتمع المدني، فإن القانون الحالي الذي يحكُم استخدامات الأرض وتخطيطها هو قانون التخطيط العمراني والتصرُّف في الأراضي لسنة ١٩٩٤ الذي ألغى قانون التصرّف في الأراضي لسنة ١٤٠٦هـ وقانون التخطيط العمراني لسنة ١٤٠٦هـ ،كما ألغى قانون إعادة تخطيط المدن لعام ١٩٥٠. قانون ١٩٩٤ مختَصَر وبه ٤٩ مادة فقط، ولذا فهو بحاجة لكثير من اللوائح المفسِّرة والمكمِّلة له، وهنا تبدأ مشكلات هذا القانون. لكن قبل أن نأتي على ذكر ذلك، ينبغي أن نوضِّح مَن هم الأفراد والمؤسسات المعنيون بتنفيذ هذا القانون. أولاً هنالك المجلس الأعلى للتخطيط العمراني، وهو المسؤول الأول عن وضع السياسات والخطط العامة والإشراف على تنفيذها، ثم لكل ولاية هناك وزير التخطيط العمراني ولجنة التخطيط بالولاية.
من بين صلاحيات المجلس الأعلى للتخطيط العمراني المذكورة في المادة ٨ التصديق على تغيير مجال استخدام الأرض، باستثناء الفَسَحَات والميادين العامة، حيث أُعطِيَت هذه الصلاحيات إلى الوزير ولجنة التخطيط في كل ولاية وفقاً للمادة ٩، التي تحدد صلاحيات الوزير، الذي تُسند إليه أيضاً مهمة اعتماد الخرائط الموجّهة. هذه الخرائط هي التى تُحدَّد فيها احتياجات المنطقة الخدمية واستخدامات الأرض، بما في ذلك تحديد المساحات والميادين العامة. المادة ٩ أَعطَت الوزير صلاحية التوصية بتغيير الغرض لأي مساحة عامة "متى ما اقتضت الضرورة ذلك" وأسندت مهمة إجازة أو رفض هذه التوصية إلى لجنة التخطيط في الولاية؛ أي أن اللجنة هي التي تحدِّد ما "الضرورة" التي تستدعي التغيير. ثمة تضارُب غريب في أن قرارات هذه اللجنة تُستأنف عند الوزير نفسه. للوزير أيضا صلاحية التصرُّف في الأرض بأفضلية تخصيص أي قطعة أرض لصالح جهة ما بموجب المادة 42، والتي تشمل أيضاً ضوابط لهذا التخصيص، الذي يمر بالإجراء السابق نفسه، أي أن لجنة التخطيط لها أن تُجيز أو أن ترفض هذا التخصيص.
الآن نعود إلى الجزء الإشكالي من القانون، حيث توضح د. أَّبَّسَام أن تعبيرات مثل "متى ما اقتضت الضرورة ذلك" هي تعبيرات فضفاضة ومرنة، وقابلة للتفسير على هوى السلطة التنفيذية. الوضع الأمثل هو أن أي غموض من هذه الشاكلة يتم إجلاؤه في اللوائح الفنية والتنفيذية التابِعة للقانون. فالذي كان يحدث حقيقةً أنه وخلال الثلاثين عاماً الماضية، كان هنالك توجُّه أو نزعة لتكون اللوائح متضارِبة مع القوانين التى صدرت تحتها، كما أن كثير من هذه اللوائح لا يمكن الاطّلاع عليها، إذ أنها لم تُنشَر في أي مكان. لتكتسب أي لائحة شرعية القانون وتصبح نافذة لابد أن تكون سليمة فنياً، وألّا تتضارب مع القانون المفسِّرة له ولا مع الدستور. الأهم من ذلك لابد أن تُنشَر في الجريدة الرسمية لوزارة العدل، الأمر الذي لم يكن ينطبق على اللوائح المفسِّرة لقانون التخطيط العمراني والتصرُّف في الأراضي لعام ١٩٩٤.
عدم شفافية و رمادية هذه القوانين وبالتالي الإجراءات البيروقراطية، تجعل مهمة مراقبة السلطة التنفيذية وحماية الحق العام شبه مستحيلة. كيف يمكن أن يعْلَم الناس أن تغيير استخدام هذا الميدان أو بيع هذه المساحة العامة كان مخالِفاً لقانون لا يعلمون بوجوده في المقام الأول. سياسة تغييب أصحاب المصلحة هذه ليست بجديدة على نظام الإنقاذ، بل هي التي سمحت له بالبقاء لثلاثين عاماً، وهذا التعتيم لا يقتصر على مصلحة الأراضي فقط بل يمتد إلى كامل السلطة التنفيذية.
سياسة الحكومات تجاه المساحات العامة تعكس تقديرها للفضاء العام بصفته الأشمل، واقعياً كان أم افتراضياً، كفضاء حُر لتبادل الآراء، ومجتمع مفتوح يتفاعل فيما بينه. المساحات العامة جزء أصيل من هذا التفاعل ومسرح مهم لحدوثه. غالباً ما تَنزَع الديكتاتوريات للتضييق على هذا التفاعل، مدفوعة بغريزة البقاء والدفاع الشَّرِس عن وجودها من عَواقِب هذا التفاعل، بدءاً من الاحتجاج على توجُّه أو سياسةٍ ما، وحتى الاحتجاج على وجودها نفسه. بالمقابل وكما في شعار الواشنطن بوست "فالديمقراطية تموت في الظلمة". لا يمكن للديمقراطية أن تُولَد إلا في فضاء طَلِق ومفتوح لكل أفراد المجتمع بلا استثناء، ولا يمكن أن تكون معافاة في غياب مساحات عامة تحتضن الجميع.
تصميم البوستر: عزة محمد
المدن في الخيال
إن المدن موجودة فينا كما نوجد نحن في المدن. وهذا المفهوم يفسر كيف تظل المدن موجودة حتى لو لم تعد موجودة فعليًا من خلال الموسيقى والفن والشعر والقصص وفي ذاكرتنا.

عصر البطولة في سنار

عصر البطولة في سنار
مقدمة:
الهدف من هذا الملخص هو إعطاء فكرة عامة عن محتويات هذا الكتاب المهم. كتاب (عصر البطولة في سنار) هو كتاب عن تاريخ سلطنة سنار. الكتاب من تأليف الكاتب الأمريكي جاي سبولدينق، وتعريب أحمد المعتصم الشيخ. صدر الكتاب من هيئة الخرطوم للنشر ٢٠١٠، ضمن سلسلة (الـ١٠٠) كتاب الذي ترعاه وزارة الثقافة والإعلام بولاية الخرطوم، السودان. وقد صدرت النسخة الأصلية من الكتاب باللغة الانجليزية عام ١٩٨٥.
يتكون الكتاب من ثلاثة أجزاء رئيسية تنقسم بدورها إلى أجزاء فرعية وهي: ملوك النوبة المسلمين ومفاهيم العرب وإلى النار

الجزء الأول: ملوك النوبة المسلمين
يتضمن هذا الجزء خلفية عن هيكل السلطة والمجتمع في السلطنة، حيث يتناول الموضوعات المتعلقة بالسلطان والبلاط والمراسم الاحتفالية في البلاط. كما يتناول موضوع أصل الفونج ونظام توارث السلطة لدى الفونج وأسلوب اختيار السلطان، وعلاقة السلطان بالنبلاء ونظام توزيع الاراضي على النبلاء لضمان ولاءهم. يتناول هذا الجزء أيضاً النظام الإداري وسلطات كل من المركز والاقاليم. وأخيراً يتحدث هذا الجزء عن رعايا السلطنة باعتبارهم الأدنى في التراتبية الطبقية في السلطنة حيث يتناول علاقتهم بالنبلاء الذين يمارسون عليهم السلطة المباشرة نيابة عن المركز فيما يتعلق بالضرائب والخدمات التي يقدمها الرعايا للنبلاء.
الجزء الثاني: مفاهيم العرب
يشرح هذا الجزء بداية انفتاح دولة الفونج نحو الثقافة الاجنبية في الشمال والشرق من خلال العلاقات التجارية باعتبارها عاملاً مساعداً في التأثير الثقافي والاطلاع على مفاهيم العرب. باختصار، يتحدث الكاتب عن بداية دخول الرأسمالية لأجهزة الدولة وتعاملاتها، مفسرا حدوث ذلك بالأخذ بالمبادئ الإسلامية في التعاملات المالية، وبروز رجال الدين كطبقة وسطى و ظهور الحواضر والمحميات الدينية، باعتباره وجه للتطور الاقتصادي الجديد الذي أخذت به السلطنة. فهو يشير لظهور رجال الدين كطبقة أصبح لها ارتباطات و مصالح اقتصادية وسياسية متبادلة مع السلطة. وشملت تلك المصالح والمنافع لرجال الدين الهبات من الأراضي والإعفاءات من الضرائب بالإضافة لحصولهم على الصلاحيات القضائية.
يتحدث هذا القسم ايضا عمن اسماهم ( أمراء الحرب) وهم في الغالب كما ذكر، حكام الاقاليم الذين سنحت لهم الفرصة للحصول على الثروة واحتاجوا بالتالي لحمايتها فقاموا لذلك بتكوين وحدات مسلحة من الرقيق خاصة بهم. كما ظهرت في تلك الفترة بوادر التحول للنظام الابوي وابتداع الأنساب بغرض الارتقاء في السلم الاجتماعي. يتحدث هذا الجزء عن سيطرة الهمج عام 1762 باعتبارها بداية لتفكك النظام القديم لدولة الفونج والتحول لنظام جديد تهيمن عليه الطبقة الوسطى. اعتمد الهمج بشكل كبير على رجال الدين الذين تم استيعاب رجال الدين ضمن الطبقة الوسطى حيث تعيينهم لتحصيل الضرائب وتم ضم رجال الدين البارزين منهم ضمن بلاط السلطان. أخيراً يتحدث هذا الجزء عن ظهور شبكة الشركات التجارية بعد الغزو التركي للسيطرة للسوق والتجارة والاستثمار بأنواعه.
في نهاية هذا الجزء يتحدث الكاتب عن ادخال الاتراك بعد غزوهم للسودان لنظام الجهادية في الجيش بحيث اصبح الجيش التركي الجديد مكون من الرقيق. وفي تلك الفترة بدا اتجاه التجار الشماليين للذهاب نحو مناطق الجنوبية من سنار لملء الفراغ بانسحاب الأتراك وذلك بحثاً عن الذهب بتشجيع من الأتراك الذين فشلوا في الحصول على الكميات الكبيرة من الذهب التي كانوا يتوقعونها. زادت هجرة المواطنين من الشمال بعد ادخال الأتراك لأساليب انتاج جديدة في مناطق الشمال المروية. وزادت وتيرة هجرة التجار الشماليين(الجلابة) للجنوب بتقديم الحكومة التركية الحماية للتجار الشماليين وإنشاء المحاكم الشرعية وسوق للرقيق والبضائع الواردة من جنوب سنار. يتحدث الجزء الأخير عن تغلغل الجلابة الشماليين في الجنوب وكذلك في المناطق الجنوبية الشرقية لسنار.
الجزء الثالث: إلى النار
يتحدث هذا الجزاء عن حقبة الهمج التي يصفها بانها كانت فترة دموية و بالغة التعقيد ومتسمة بالصراع للاستيلاء على السلطة . كما يتناول يتحدث هذا الجزء سيرة ابولكيلك وشخصيته وكيفية امساكه بزمام الامور لمصلحة الهمج وأن عهده شهد تحولات عميقة في بنية الدولة خاصة من خلال اعتماده على رجال الدين ضد طبقة النبلاء الفترة التي اعقبت موت ابو لكيلك قائد الانقلاب وموت عدلان بدأت السلطة في التفكك بخروج الاقاليم على المركز. بدأت سلطة الهمج في التحلل ابتداء من 1803 الى 1809 من خلال الصراعات على السلطة واصبحت القيادة الفعلية في يد قادة فرق الفرسان العبيد. احتشد هذا الجزء بتفاصيل تمرد الطامعين في السلطة المركزية والنزاعات القبلية خلال السنوات الاخيرة من القرن الثامن عشر وبداية القرن التاسع عشر كما شهد نزوع الاقاليم والقبائل للاستقلال عن السلطة المركزية إلى حين غزو الأتراك للبلاد.
خلفية موجزة عن الكتاب
1- يُعتَبَر كتاب (عصر البطولة في سنار)، من الكتب القليلة التي تناولت تاريخ الفونج بكثير من الإحاطة والشمول والعمق، حيث بذل الكاتب جهدا مقدرا في جمع مادة الكتاب من مصادر متعددة ومتنوعة والتي تعود بشكل رئيسي إلى كتابات الرحالة أو الإداريين الاجانب وكذلك للمصادر المحلية مثل مخطوطة كاتب الشونة وكتاب طبقات ود ضيف الله. بالتالي فقد جاءت مادة الكتاب دسمة ومكتنزة بالمعلومات، بالإضافة إلى أن الكتاب اتصف بتعدد مستويات التناول والتحليل، مما يجعل كثير من الاستنتاجات التي توصل إليها المؤلف مثيرة للتفكير، ولربما مثيرة للجدل كذلك. في اعتقادي إن كتاب (عصر البطولة في سنار) لا غنى عنه لأي دارسٍ، أو قارئٍ ومتابعٍ لتاريخ دولة سنار.
لابد هنا من الإشارة إلى أن احتشاد الكتاب بالمعلومات الثرة والمتنوعة قد أثر إلى حدٍ ما في تنظيم الكتاب حيث أن العناوين الرئيسية لا تدل أحيانا بشكل دقيق على محتوى المعلومات التي تندرج تحته، بالتالي قد يجد القارئ (خاصة المتعجِّل أو غير المتخصص) صعوبة في المتابعة وربط الأحداث ببعضها.
2- الكاتب لم ينظر إلى الحكم السناري باعتباره حقبة زمنية واحدة، كما فعل كثير من سابقيه، ولكنه تناوله فترة الحكم السناري باعتبارها عهدين مختلفين وهما عهدي حكم الفونج و كم الهمج. وقد ساعد هذا التمييز في التعرف على سمات كل مرحلة وعلى فهم الديناميات والظروف التي أثّرت على كل منهما.
3- تبَنَّىَ المؤلف في تحليله المنهج الاقتصادي للكشف عن تغلغل الرأسمالية والطابع البرجوازي في الحكم والإدارة سيّما في المرحلة الثانية من حكم الدولة السنارية باعتبارها العوامل التي أثرت على مختلف جوانب الحياة في عهد حكم الهمج والتي كانت السبب غير المباشر في إضعاف حكمهم.
الدكتور محمد عبد الله الحسين
mohabd505@gmail.com
صورة الغلاف عبارة عن رسم تخطيطي لقصر سنار المدمر في وقت الفتح العثماني (١٨٢١). من كتاب Voyage à Meroé لفريدريك كايليو © ليجابري
مقدمة:
الهدف من هذا الملخص هو إعطاء فكرة عامة عن محتويات هذا الكتاب المهم. كتاب (عصر البطولة في سنار) هو كتاب عن تاريخ سلطنة سنار. الكتاب من تأليف الكاتب الأمريكي جاي سبولدينق، وتعريب أحمد المعتصم الشيخ. صدر الكتاب من هيئة الخرطوم للنشر ٢٠١٠، ضمن سلسلة (الـ١٠٠) كتاب الذي ترعاه وزارة الثقافة والإعلام بولاية الخرطوم، السودان. وقد صدرت النسخة الأصلية من الكتاب باللغة الانجليزية عام ١٩٨٥.
يتكون الكتاب من ثلاثة أجزاء رئيسية تنقسم بدورها إلى أجزاء فرعية وهي: ملوك النوبة المسلمين ومفاهيم العرب وإلى النار

الجزء الأول: ملوك النوبة المسلمين
يتضمن هذا الجزء خلفية عن هيكل السلطة والمجتمع في السلطنة، حيث يتناول الموضوعات المتعلقة بالسلطان والبلاط والمراسم الاحتفالية في البلاط. كما يتناول موضوع أصل الفونج ونظام توارث السلطة لدى الفونج وأسلوب اختيار السلطان، وعلاقة السلطان بالنبلاء ونظام توزيع الاراضي على النبلاء لضمان ولاءهم. يتناول هذا الجزء أيضاً النظام الإداري وسلطات كل من المركز والاقاليم. وأخيراً يتحدث هذا الجزء عن رعايا السلطنة باعتبارهم الأدنى في التراتبية الطبقية في السلطنة حيث يتناول علاقتهم بالنبلاء الذين يمارسون عليهم السلطة المباشرة نيابة عن المركز فيما يتعلق بالضرائب والخدمات التي يقدمها الرعايا للنبلاء.
الجزء الثاني: مفاهيم العرب
يشرح هذا الجزء بداية انفتاح دولة الفونج نحو الثقافة الاجنبية في الشمال والشرق من خلال العلاقات التجارية باعتبارها عاملاً مساعداً في التأثير الثقافي والاطلاع على مفاهيم العرب. باختصار، يتحدث الكاتب عن بداية دخول الرأسمالية لأجهزة الدولة وتعاملاتها، مفسرا حدوث ذلك بالأخذ بالمبادئ الإسلامية في التعاملات المالية، وبروز رجال الدين كطبقة وسطى و ظهور الحواضر والمحميات الدينية، باعتباره وجه للتطور الاقتصادي الجديد الذي أخذت به السلطنة. فهو يشير لظهور رجال الدين كطبقة أصبح لها ارتباطات و مصالح اقتصادية وسياسية متبادلة مع السلطة. وشملت تلك المصالح والمنافع لرجال الدين الهبات من الأراضي والإعفاءات من الضرائب بالإضافة لحصولهم على الصلاحيات القضائية.
يتحدث هذا القسم ايضا عمن اسماهم ( أمراء الحرب) وهم في الغالب كما ذكر، حكام الاقاليم الذين سنحت لهم الفرصة للحصول على الثروة واحتاجوا بالتالي لحمايتها فقاموا لذلك بتكوين وحدات مسلحة من الرقيق خاصة بهم. كما ظهرت في تلك الفترة بوادر التحول للنظام الابوي وابتداع الأنساب بغرض الارتقاء في السلم الاجتماعي. يتحدث هذا الجزء عن سيطرة الهمج عام 1762 باعتبارها بداية لتفكك النظام القديم لدولة الفونج والتحول لنظام جديد تهيمن عليه الطبقة الوسطى. اعتمد الهمج بشكل كبير على رجال الدين الذين تم استيعاب رجال الدين ضمن الطبقة الوسطى حيث تعيينهم لتحصيل الضرائب وتم ضم رجال الدين البارزين منهم ضمن بلاط السلطان. أخيراً يتحدث هذا الجزء عن ظهور شبكة الشركات التجارية بعد الغزو التركي للسيطرة للسوق والتجارة والاستثمار بأنواعه.
في نهاية هذا الجزء يتحدث الكاتب عن ادخال الاتراك بعد غزوهم للسودان لنظام الجهادية في الجيش بحيث اصبح الجيش التركي الجديد مكون من الرقيق. وفي تلك الفترة بدا اتجاه التجار الشماليين للذهاب نحو مناطق الجنوبية من سنار لملء الفراغ بانسحاب الأتراك وذلك بحثاً عن الذهب بتشجيع من الأتراك الذين فشلوا في الحصول على الكميات الكبيرة من الذهب التي كانوا يتوقعونها. زادت هجرة المواطنين من الشمال بعد ادخال الأتراك لأساليب انتاج جديدة في مناطق الشمال المروية. وزادت وتيرة هجرة التجار الشماليين(الجلابة) للجنوب بتقديم الحكومة التركية الحماية للتجار الشماليين وإنشاء المحاكم الشرعية وسوق للرقيق والبضائع الواردة من جنوب سنار. يتحدث الجزء الأخير عن تغلغل الجلابة الشماليين في الجنوب وكذلك في المناطق الجنوبية الشرقية لسنار.
الجزء الثالث: إلى النار
يتحدث هذا الجزاء عن حقبة الهمج التي يصفها بانها كانت فترة دموية و بالغة التعقيد ومتسمة بالصراع للاستيلاء على السلطة . كما يتناول يتحدث هذا الجزء سيرة ابولكيلك وشخصيته وكيفية امساكه بزمام الامور لمصلحة الهمج وأن عهده شهد تحولات عميقة في بنية الدولة خاصة من خلال اعتماده على رجال الدين ضد طبقة النبلاء الفترة التي اعقبت موت ابو لكيلك قائد الانقلاب وموت عدلان بدأت السلطة في التفكك بخروج الاقاليم على المركز. بدأت سلطة الهمج في التحلل ابتداء من 1803 الى 1809 من خلال الصراعات على السلطة واصبحت القيادة الفعلية في يد قادة فرق الفرسان العبيد. احتشد هذا الجزء بتفاصيل تمرد الطامعين في السلطة المركزية والنزاعات القبلية خلال السنوات الاخيرة من القرن الثامن عشر وبداية القرن التاسع عشر كما شهد نزوع الاقاليم والقبائل للاستقلال عن السلطة المركزية إلى حين غزو الأتراك للبلاد.
خلفية موجزة عن الكتاب
1- يُعتَبَر كتاب (عصر البطولة في سنار)، من الكتب القليلة التي تناولت تاريخ الفونج بكثير من الإحاطة والشمول والعمق، حيث بذل الكاتب جهدا مقدرا في جمع مادة الكتاب من مصادر متعددة ومتنوعة والتي تعود بشكل رئيسي إلى كتابات الرحالة أو الإداريين الاجانب وكذلك للمصادر المحلية مثل مخطوطة كاتب الشونة وكتاب طبقات ود ضيف الله. بالتالي فقد جاءت مادة الكتاب دسمة ومكتنزة بالمعلومات، بالإضافة إلى أن الكتاب اتصف بتعدد مستويات التناول والتحليل، مما يجعل كثير من الاستنتاجات التي توصل إليها المؤلف مثيرة للتفكير، ولربما مثيرة للجدل كذلك. في اعتقادي إن كتاب (عصر البطولة في سنار) لا غنى عنه لأي دارسٍ، أو قارئٍ ومتابعٍ لتاريخ دولة سنار.
لابد هنا من الإشارة إلى أن احتشاد الكتاب بالمعلومات الثرة والمتنوعة قد أثر إلى حدٍ ما في تنظيم الكتاب حيث أن العناوين الرئيسية لا تدل أحيانا بشكل دقيق على محتوى المعلومات التي تندرج تحته، بالتالي قد يجد القارئ (خاصة المتعجِّل أو غير المتخصص) صعوبة في المتابعة وربط الأحداث ببعضها.
2- الكاتب لم ينظر إلى الحكم السناري باعتباره حقبة زمنية واحدة، كما فعل كثير من سابقيه، ولكنه تناوله فترة الحكم السناري باعتبارها عهدين مختلفين وهما عهدي حكم الفونج و كم الهمج. وقد ساعد هذا التمييز في التعرف على سمات كل مرحلة وعلى فهم الديناميات والظروف التي أثّرت على كل منهما.
3- تبَنَّىَ المؤلف في تحليله المنهج الاقتصادي للكشف عن تغلغل الرأسمالية والطابع البرجوازي في الحكم والإدارة سيّما في المرحلة الثانية من حكم الدولة السنارية باعتبارها العوامل التي أثرت على مختلف جوانب الحياة في عهد حكم الهمج والتي كانت السبب غير المباشر في إضعاف حكمهم.
الدكتور محمد عبد الله الحسين
mohabd505@gmail.com
صورة الغلاف عبارة عن رسم تخطيطي لقصر سنار المدمر في وقت الفتح العثماني (١٨٢١). من كتاب Voyage à Meroé لفريدريك كايليو © ليجابري

مقدمة:
الهدف من هذا الملخص هو إعطاء فكرة عامة عن محتويات هذا الكتاب المهم. كتاب (عصر البطولة في سنار) هو كتاب عن تاريخ سلطنة سنار. الكتاب من تأليف الكاتب الأمريكي جاي سبولدينق، وتعريب أحمد المعتصم الشيخ. صدر الكتاب من هيئة الخرطوم للنشر ٢٠١٠، ضمن سلسلة (الـ١٠٠) كتاب الذي ترعاه وزارة الثقافة والإعلام بولاية الخرطوم، السودان. وقد صدرت النسخة الأصلية من الكتاب باللغة الانجليزية عام ١٩٨٥.
يتكون الكتاب من ثلاثة أجزاء رئيسية تنقسم بدورها إلى أجزاء فرعية وهي: ملوك النوبة المسلمين ومفاهيم العرب وإلى النار

الجزء الأول: ملوك النوبة المسلمين
يتضمن هذا الجزء خلفية عن هيكل السلطة والمجتمع في السلطنة، حيث يتناول الموضوعات المتعلقة بالسلطان والبلاط والمراسم الاحتفالية في البلاط. كما يتناول موضوع أصل الفونج ونظام توارث السلطة لدى الفونج وأسلوب اختيار السلطان، وعلاقة السلطان بالنبلاء ونظام توزيع الاراضي على النبلاء لضمان ولاءهم. يتناول هذا الجزء أيضاً النظام الإداري وسلطات كل من المركز والاقاليم. وأخيراً يتحدث هذا الجزء عن رعايا السلطنة باعتبارهم الأدنى في التراتبية الطبقية في السلطنة حيث يتناول علاقتهم بالنبلاء الذين يمارسون عليهم السلطة المباشرة نيابة عن المركز فيما يتعلق بالضرائب والخدمات التي يقدمها الرعايا للنبلاء.
الجزء الثاني: مفاهيم العرب
يشرح هذا الجزء بداية انفتاح دولة الفونج نحو الثقافة الاجنبية في الشمال والشرق من خلال العلاقات التجارية باعتبارها عاملاً مساعداً في التأثير الثقافي والاطلاع على مفاهيم العرب. باختصار، يتحدث الكاتب عن بداية دخول الرأسمالية لأجهزة الدولة وتعاملاتها، مفسرا حدوث ذلك بالأخذ بالمبادئ الإسلامية في التعاملات المالية، وبروز رجال الدين كطبقة وسطى و ظهور الحواضر والمحميات الدينية، باعتباره وجه للتطور الاقتصادي الجديد الذي أخذت به السلطنة. فهو يشير لظهور رجال الدين كطبقة أصبح لها ارتباطات و مصالح اقتصادية وسياسية متبادلة مع السلطة. وشملت تلك المصالح والمنافع لرجال الدين الهبات من الأراضي والإعفاءات من الضرائب بالإضافة لحصولهم على الصلاحيات القضائية.
يتحدث هذا القسم ايضا عمن اسماهم ( أمراء الحرب) وهم في الغالب كما ذكر، حكام الاقاليم الذين سنحت لهم الفرصة للحصول على الثروة واحتاجوا بالتالي لحمايتها فقاموا لذلك بتكوين وحدات مسلحة من الرقيق خاصة بهم. كما ظهرت في تلك الفترة بوادر التحول للنظام الابوي وابتداع الأنساب بغرض الارتقاء في السلم الاجتماعي. يتحدث هذا الجزء عن سيطرة الهمج عام 1762 باعتبارها بداية لتفكك النظام القديم لدولة الفونج والتحول لنظام جديد تهيمن عليه الطبقة الوسطى. اعتمد الهمج بشكل كبير على رجال الدين الذين تم استيعاب رجال الدين ضمن الطبقة الوسطى حيث تعيينهم لتحصيل الضرائب وتم ضم رجال الدين البارزين منهم ضمن بلاط السلطان. أخيراً يتحدث هذا الجزء عن ظهور شبكة الشركات التجارية بعد الغزو التركي للسيطرة للسوق والتجارة والاستثمار بأنواعه.
في نهاية هذا الجزء يتحدث الكاتب عن ادخال الاتراك بعد غزوهم للسودان لنظام الجهادية في الجيش بحيث اصبح الجيش التركي الجديد مكون من الرقيق. وفي تلك الفترة بدا اتجاه التجار الشماليين للذهاب نحو مناطق الجنوبية من سنار لملء الفراغ بانسحاب الأتراك وذلك بحثاً عن الذهب بتشجيع من الأتراك الذين فشلوا في الحصول على الكميات الكبيرة من الذهب التي كانوا يتوقعونها. زادت هجرة المواطنين من الشمال بعد ادخال الأتراك لأساليب انتاج جديدة في مناطق الشمال المروية. وزادت وتيرة هجرة التجار الشماليين(الجلابة) للجنوب بتقديم الحكومة التركية الحماية للتجار الشماليين وإنشاء المحاكم الشرعية وسوق للرقيق والبضائع الواردة من جنوب سنار. يتحدث الجزء الأخير عن تغلغل الجلابة الشماليين في الجنوب وكذلك في المناطق الجنوبية الشرقية لسنار.
الجزء الثالث: إلى النار
يتحدث هذا الجزاء عن حقبة الهمج التي يصفها بانها كانت فترة دموية و بالغة التعقيد ومتسمة بالصراع للاستيلاء على السلطة . كما يتناول يتحدث هذا الجزء سيرة ابولكيلك وشخصيته وكيفية امساكه بزمام الامور لمصلحة الهمج وأن عهده شهد تحولات عميقة في بنية الدولة خاصة من خلال اعتماده على رجال الدين ضد طبقة النبلاء الفترة التي اعقبت موت ابو لكيلك قائد الانقلاب وموت عدلان بدأت السلطة في التفكك بخروج الاقاليم على المركز. بدأت سلطة الهمج في التحلل ابتداء من 1803 الى 1809 من خلال الصراعات على السلطة واصبحت القيادة الفعلية في يد قادة فرق الفرسان العبيد. احتشد هذا الجزء بتفاصيل تمرد الطامعين في السلطة المركزية والنزاعات القبلية خلال السنوات الاخيرة من القرن الثامن عشر وبداية القرن التاسع عشر كما شهد نزوع الاقاليم والقبائل للاستقلال عن السلطة المركزية إلى حين غزو الأتراك للبلاد.
خلفية موجزة عن الكتاب
1- يُعتَبَر كتاب (عصر البطولة في سنار)، من الكتب القليلة التي تناولت تاريخ الفونج بكثير من الإحاطة والشمول والعمق، حيث بذل الكاتب جهدا مقدرا في جمع مادة الكتاب من مصادر متعددة ومتنوعة والتي تعود بشكل رئيسي إلى كتابات الرحالة أو الإداريين الاجانب وكذلك للمصادر المحلية مثل مخطوطة كاتب الشونة وكتاب طبقات ود ضيف الله. بالتالي فقد جاءت مادة الكتاب دسمة ومكتنزة بالمعلومات، بالإضافة إلى أن الكتاب اتصف بتعدد مستويات التناول والتحليل، مما يجعل كثير من الاستنتاجات التي توصل إليها المؤلف مثيرة للتفكير، ولربما مثيرة للجدل كذلك. في اعتقادي إن كتاب (عصر البطولة في سنار) لا غنى عنه لأي دارسٍ، أو قارئٍ ومتابعٍ لتاريخ دولة سنار.
لابد هنا من الإشارة إلى أن احتشاد الكتاب بالمعلومات الثرة والمتنوعة قد أثر إلى حدٍ ما في تنظيم الكتاب حيث أن العناوين الرئيسية لا تدل أحيانا بشكل دقيق على محتوى المعلومات التي تندرج تحته، بالتالي قد يجد القارئ (خاصة المتعجِّل أو غير المتخصص) صعوبة في المتابعة وربط الأحداث ببعضها.
2- الكاتب لم ينظر إلى الحكم السناري باعتباره حقبة زمنية واحدة، كما فعل كثير من سابقيه، ولكنه تناوله فترة الحكم السناري باعتبارها عهدين مختلفين وهما عهدي حكم الفونج و كم الهمج. وقد ساعد هذا التمييز في التعرف على سمات كل مرحلة وعلى فهم الديناميات والظروف التي أثّرت على كل منهما.
3- تبَنَّىَ المؤلف في تحليله المنهج الاقتصادي للكشف عن تغلغل الرأسمالية والطابع البرجوازي في الحكم والإدارة سيّما في المرحلة الثانية من حكم الدولة السنارية باعتبارها العوامل التي أثرت على مختلف جوانب الحياة في عهد حكم الهمج والتي كانت السبب غير المباشر في إضعاف حكمهم.
الدكتور محمد عبد الله الحسين
mohabd505@gmail.com
صورة الغلاف عبارة عن رسم تخطيطي لقصر سنار المدمر في وقت الفتح العثماني (١٨٢١). من كتاب Voyage à Meroé لفريدريك كايليو © ليجابري

مدن على قماش

مدن على قماش
سيد أحمد محمد الحسن
فنان تشكيلي سوداني، درس الهندسة وهجرها لدراسة الفنون، حيث حصل على بكلاريوس الإمتياز في الرسم والتلوين من كلية الفنون، ونال جائزة أفضل مشروع تخرج في كلية الفنون العام ٢٠١٦م.
نشرت له ورقة علمية في مجلة العلوم الإنسانية لجامعة السودان، وعمل كمساعد تدريس في كلية التربية الفنية ٢٠١٧م. يهتم في اعماله بالتحولات التي يعيشها المجتمع والتعبير عنها بطرق بصرية جديدة، حيث نال عدد من الجوائز والمنح، وعرضت اعماله في السودان ومصر وتونس، ايضا يشارك حاليا في بينالي فينيسيا ٢٠٢٤م.

يمكن العثور على أعمال سيد أحمد على الصفحات التالية:
إينستاجرام: سيد أحمد - فنان
صفحة الفيسبوك: سيد أحمد
قناة يوتيوب: سيد أحمد
خالد عبد الرحمن
هو فنان عصامي، ولد في الخرطوم، السودان عام ١٩٧٨م، حيث عاش طوال حياته، باستثناء الرحلات القصيرة. بعد اندلاع الحرب في السودان في أبريل ٢٠٢٣، قرر الانتقال إلى القاهرة بمصر حتى يتمكن من مواصلة مسيرته المهنية.
يستخدم خالد الوسائط التقليدية في الرسم والتلوين للتعبير عن أفكاره الفنية، من خلال استكشاف علاقته بالمساحات التي عاش فيها، وذلك بشكل أساسي من خلال العمل في ابراز المناظر الطبيعية والحضرية والتفاصيل المعمارية.
شارك في العديد من المعارض الجماعية في الخرطوم وكمبالا والقاهرة ونيروبي وكيب تاون ومدن أخرى، كما أقام ستة معارض فردية في الخرطوم ونيو أورليانز ونيروبي.

يمكن العثور على أعمال خالد عبد الرحمن على الصفحات التالية:
إينستاجرام: فن خالد رحمان
أرتسي: خالد عبد الرحمن
جريزيلدا الطيب
وُلدت غريزيلدا الطيب في عام ١٩٢٥م في لندن وقدمت إلى السودان في عام ١٩٥١م حيث ساهمت في وضع منهجا دراسيًا لتدريس الفنون في مدارس البنات السودانية ودرّستها. وفن غريزيلدا في معظمه رسم تمثيلي تستخدم فيه الألوان المائية. وعُرضت أعمالها في السودان ونيجريا والمغرب وبريطانيا وأمريكا وحديثًا في مؤسسة الشارقة للفنون في المعرض الشامل لرواد الفن التشكيلي السوداني في عام ٢٠١٦م. توفيت قريزلدا في الخرطوم عام ٢٠٢٢.

يمكن العثور على معلومات حول الراحلة جريزيلدا الطيب على موقع ذاكرة السودان
مصطفى معز
وُلد مصطفى معز في عام ١٩٦٨م في أم درمان. وتخرج من كلية الفنون الجميلة والتطبيقية في عام ١٩٩٥م متخصصًا في التصميم الإيضاحي. وعادة ما يجسد مناظر الخرطوم بأسلوب نمطي يغلب فيه استخدام القلم والحبر الأسود ويقل فيه استخدام الألوان المائية وألوان الإكريليك. وعرضت أعماله في نيجيريا والإمارات العربية المتحدة وداخل السودان. وكان مصطفى معز استاذا في كلية الخرطوم للعلوم التطبيقية ومدرسة كمبوني الثانوية.


محمد إبراهيم (واد الجاك)
وُلد ود الجاك في عام ١٩٦٧ في مدينة عطبرة بولاية النيل الأبيض، ودرس في جامعة السودان للعلوم والتكنولوجيا وتخرج منها في عام ١٩٩٤ حيث نال شهادة في الطباعة والتجليد. وهو يدرّس الفنون في المستوى الجامعي ويعمل مصمما بصفة مستقلة. والأداة الرئيسية التي يستخدمها هي الباستيل، لكنه يستخدم أيضا ألوان الإكريليك والألوان الزيتية. وعرضت أعماله في معارض داخل السودان وفي الإمارات العربية المتحدة والصين. ود الجاك عضو في مجموعة تيراب الكوميدية.

صالح عبد الرحمن
وُلد صالح عبد الرحمن في عام ١٩٨٧م في بحري بالخرطوم، ودرس في جبيت في شرق السودان ثم التحق بكلية التربية بجامعة السودان للعلوم والتكنولوجيا التي تخرج منها متخصصا في الرسم والخط. وهو يستخدم الألوان المائية والبن والفحم في رسم مناظر المدينة وتتسم رسوماته في معظمها بالواقعية. وعرضت أعماله داخل السودان وخارجه.

يمكن العثور على أعمال صالح عبد الرحمن على الصفحة التالية:
صفحة الفيسبوك: صالح عبدو
لوحة الغلاف: جامع الخرطوم الكبير وميدان أبو جنزير، نُشر في تقويم © جريزيلدا الطيب
سيد أحمد محمد الحسن
فنان تشكيلي سوداني، درس الهندسة وهجرها لدراسة الفنون، حيث حصل على بكلاريوس الإمتياز في الرسم والتلوين من كلية الفنون، ونال جائزة أفضل مشروع تخرج في كلية الفنون العام ٢٠١٦م.
نشرت له ورقة علمية في مجلة العلوم الإنسانية لجامعة السودان، وعمل كمساعد تدريس في كلية التربية الفنية ٢٠١٧م. يهتم في اعماله بالتحولات التي يعيشها المجتمع والتعبير عنها بطرق بصرية جديدة، حيث نال عدد من الجوائز والمنح، وعرضت اعماله في السودان ومصر وتونس، ايضا يشارك حاليا في بينالي فينيسيا ٢٠٢٤م.

يمكن العثور على أعمال سيد أحمد على الصفحات التالية:
إينستاجرام: سيد أحمد - فنان
صفحة الفيسبوك: سيد أحمد
قناة يوتيوب: سيد أحمد
خالد عبد الرحمن
هو فنان عصامي، ولد في الخرطوم، السودان عام ١٩٧٨م، حيث عاش طوال حياته، باستثناء الرحلات القصيرة. بعد اندلاع الحرب في السودان في أبريل ٢٠٢٣، قرر الانتقال إلى القاهرة بمصر حتى يتمكن من مواصلة مسيرته المهنية.
يستخدم خالد الوسائط التقليدية في الرسم والتلوين للتعبير عن أفكاره الفنية، من خلال استكشاف علاقته بالمساحات التي عاش فيها، وذلك بشكل أساسي من خلال العمل في ابراز المناظر الطبيعية والحضرية والتفاصيل المعمارية.
شارك في العديد من المعارض الجماعية في الخرطوم وكمبالا والقاهرة ونيروبي وكيب تاون ومدن أخرى، كما أقام ستة معارض فردية في الخرطوم ونيو أورليانز ونيروبي.

يمكن العثور على أعمال خالد عبد الرحمن على الصفحات التالية:
إينستاجرام: فن خالد رحمان
أرتسي: خالد عبد الرحمن
جريزيلدا الطيب
وُلدت غريزيلدا الطيب في عام ١٩٢٥م في لندن وقدمت إلى السودان في عام ١٩٥١م حيث ساهمت في وضع منهجا دراسيًا لتدريس الفنون في مدارس البنات السودانية ودرّستها. وفن غريزيلدا في معظمه رسم تمثيلي تستخدم فيه الألوان المائية. وعُرضت أعمالها في السودان ونيجريا والمغرب وبريطانيا وأمريكا وحديثًا في مؤسسة الشارقة للفنون في المعرض الشامل لرواد الفن التشكيلي السوداني في عام ٢٠١٦م. توفيت قريزلدا في الخرطوم عام ٢٠٢٢.

يمكن العثور على معلومات حول الراحلة جريزيلدا الطيب على موقع ذاكرة السودان
مصطفى معز
وُلد مصطفى معز في عام ١٩٦٨م في أم درمان. وتخرج من كلية الفنون الجميلة والتطبيقية في عام ١٩٩٥م متخصصًا في التصميم الإيضاحي. وعادة ما يجسد مناظر الخرطوم بأسلوب نمطي يغلب فيه استخدام القلم والحبر الأسود ويقل فيه استخدام الألوان المائية وألوان الإكريليك. وعرضت أعماله في نيجيريا والإمارات العربية المتحدة وداخل السودان. وكان مصطفى معز استاذا في كلية الخرطوم للعلوم التطبيقية ومدرسة كمبوني الثانوية.


محمد إبراهيم (واد الجاك)
وُلد ود الجاك في عام ١٩٦٧ في مدينة عطبرة بولاية النيل الأبيض، ودرس في جامعة السودان للعلوم والتكنولوجيا وتخرج منها في عام ١٩٩٤ حيث نال شهادة في الطباعة والتجليد. وهو يدرّس الفنون في المستوى الجامعي ويعمل مصمما بصفة مستقلة. والأداة الرئيسية التي يستخدمها هي الباستيل، لكنه يستخدم أيضا ألوان الإكريليك والألوان الزيتية. وعرضت أعماله في معارض داخل السودان وفي الإمارات العربية المتحدة والصين. ود الجاك عضو في مجموعة تيراب الكوميدية.

صالح عبد الرحمن
وُلد صالح عبد الرحمن في عام ١٩٨٧م في بحري بالخرطوم، ودرس في جبيت في شرق السودان ثم التحق بكلية التربية بجامعة السودان للعلوم والتكنولوجيا التي تخرج منها متخصصا في الرسم والخط. وهو يستخدم الألوان المائية والبن والفحم في رسم مناظر المدينة وتتسم رسوماته في معظمها بالواقعية. وعرضت أعماله داخل السودان وخارجه.

يمكن العثور على أعمال صالح عبد الرحمن على الصفحة التالية:
صفحة الفيسبوك: صالح عبدو
لوحة الغلاف: جامع الخرطوم الكبير وميدان أبو جنزير، نُشر في تقويم © جريزيلدا الطيب

سيد أحمد محمد الحسن
فنان تشكيلي سوداني، درس الهندسة وهجرها لدراسة الفنون، حيث حصل على بكلاريوس الإمتياز في الرسم والتلوين من كلية الفنون، ونال جائزة أفضل مشروع تخرج في كلية الفنون العام ٢٠١٦م.
نشرت له ورقة علمية في مجلة العلوم الإنسانية لجامعة السودان، وعمل كمساعد تدريس في كلية التربية الفنية ٢٠١٧م. يهتم في اعماله بالتحولات التي يعيشها المجتمع والتعبير عنها بطرق بصرية جديدة، حيث نال عدد من الجوائز والمنح، وعرضت اعماله في السودان ومصر وتونس، ايضا يشارك حاليا في بينالي فينيسيا ٢٠٢٤م.

يمكن العثور على أعمال سيد أحمد على الصفحات التالية:
إينستاجرام: سيد أحمد - فنان
صفحة الفيسبوك: سيد أحمد
قناة يوتيوب: سيد أحمد
خالد عبد الرحمن
هو فنان عصامي، ولد في الخرطوم، السودان عام ١٩٧٨م، حيث عاش طوال حياته، باستثناء الرحلات القصيرة. بعد اندلاع الحرب في السودان في أبريل ٢٠٢٣، قرر الانتقال إلى القاهرة بمصر حتى يتمكن من مواصلة مسيرته المهنية.
يستخدم خالد الوسائط التقليدية في الرسم والتلوين للتعبير عن أفكاره الفنية، من خلال استكشاف علاقته بالمساحات التي عاش فيها، وذلك بشكل أساسي من خلال العمل في ابراز المناظر الطبيعية والحضرية والتفاصيل المعمارية.
شارك في العديد من المعارض الجماعية في الخرطوم وكمبالا والقاهرة ونيروبي وكيب تاون ومدن أخرى، كما أقام ستة معارض فردية في الخرطوم ونيو أورليانز ونيروبي.

يمكن العثور على أعمال خالد عبد الرحمن على الصفحات التالية:
إينستاجرام: فن خالد رحمان
أرتسي: خالد عبد الرحمن
جريزيلدا الطيب
وُلدت غريزيلدا الطيب في عام ١٩٢٥م في لندن وقدمت إلى السودان في عام ١٩٥١م حيث ساهمت في وضع منهجا دراسيًا لتدريس الفنون في مدارس البنات السودانية ودرّستها. وفن غريزيلدا في معظمه رسم تمثيلي تستخدم فيه الألوان المائية. وعُرضت أعمالها في السودان ونيجريا والمغرب وبريطانيا وأمريكا وحديثًا في مؤسسة الشارقة للفنون في المعرض الشامل لرواد الفن التشكيلي السوداني في عام ٢٠١٦م. توفيت قريزلدا في الخرطوم عام ٢٠٢٢.

يمكن العثور على معلومات حول الراحلة جريزيلدا الطيب على موقع ذاكرة السودان
مصطفى معز
وُلد مصطفى معز في عام ١٩٦٨م في أم درمان. وتخرج من كلية الفنون الجميلة والتطبيقية في عام ١٩٩٥م متخصصًا في التصميم الإيضاحي. وعادة ما يجسد مناظر الخرطوم بأسلوب نمطي يغلب فيه استخدام القلم والحبر الأسود ويقل فيه استخدام الألوان المائية وألوان الإكريليك. وعرضت أعماله في نيجيريا والإمارات العربية المتحدة وداخل السودان. وكان مصطفى معز استاذا في كلية الخرطوم للعلوم التطبيقية ومدرسة كمبوني الثانوية.


محمد إبراهيم (واد الجاك)
وُلد ود الجاك في عام ١٩٦٧ في مدينة عطبرة بولاية النيل الأبيض، ودرس في جامعة السودان للعلوم والتكنولوجيا وتخرج منها في عام ١٩٩٤ حيث نال شهادة في الطباعة والتجليد. وهو يدرّس الفنون في المستوى الجامعي ويعمل مصمما بصفة مستقلة. والأداة الرئيسية التي يستخدمها هي الباستيل، لكنه يستخدم أيضا ألوان الإكريليك والألوان الزيتية. وعرضت أعماله في معارض داخل السودان وفي الإمارات العربية المتحدة والصين. ود الجاك عضو في مجموعة تيراب الكوميدية.

صالح عبد الرحمن
وُلد صالح عبد الرحمن في عام ١٩٨٧م في بحري بالخرطوم، ودرس في جبيت في شرق السودان ثم التحق بكلية التربية بجامعة السودان للعلوم والتكنولوجيا التي تخرج منها متخصصا في الرسم والخط. وهو يستخدم الألوان المائية والبن والفحم في رسم مناظر المدينة وتتسم رسوماته في معظمها بالواقعية. وعرضت أعماله داخل السودان وخارجه.

يمكن العثور على أعمال صالح عبد الرحمن على الصفحة التالية:
صفحة الفيسبوك: صالح عبدو
لوحة الغلاف: جامع الخرطوم الكبير وميدان أبو جنزير، نُشر في تقويم © جريزيلدا الطيب

قائمة تشغيل المدينة

قائمة تشغيل المدينة
الاستماع لقائمة تشغيل تحتوي على أغانٍ عن مدن مختلفة من المشهد الموسيقي السوداني هي طريقة رائعة لاستكشاف النسيج الثقافي الغني للبلاد من خلال موسيقاها. الموسيقى السودانية متجذرة بعمق في التراث الثقافي المتنوع للبلاد، والعديد من الفنانين يستمدون الإلهام من مدن مختلفة، ولكل منها قصصها وإيقاعاتها الفريدة.
تتميز الموسيقى السودانية بتنوعها الغني، حيث تمزج بين الإيقاعات الأفريقية التقليدية والألحان العربية والمؤثرات الحديثة. غالبًا ما تنعكس الجغرافيا والتاريخ المتنوع للبلاد في موسيقاها، حيث تساهم كل منطقة بأصوات وأساليب مميزة.
لا تعرض قائمة التشغيل هذه المواهب الموسيقية للفنانين السودانيين فحسب، ولكنها أيضًا بمثابة رحلة ثقافية عبر مدن البلاد، ولكل منها قصتها وأجواءها الفريدة. سواء كنت من محبي الموسيقى السودانية منذ فترة طويلة أو وافدًا جديدًا، تقدم قائمة التشغيل هذه استكشافًا عميقًا ولحنًا للمناظر الطبيعية الحضرية في السودان.
لا تتردد في إضافة المزيد من الأغاني أو الفنانين الذين يجسدون روح المدن المختلفة في السودان، حيث أن المشهد الموسيقي يتطور دائمًا ويقدم جواهر جديدة.
صورة الغلاف © محمد إبراهيم (ود الجاك)
الاستماع لقائمة تشغيل تحتوي على أغانٍ عن مدن مختلفة من المشهد الموسيقي السوداني هي طريقة رائعة لاستكشاف النسيج الثقافي الغني للبلاد من خلال موسيقاها. الموسيقى السودانية متجذرة بعمق في التراث الثقافي المتنوع للبلاد، والعديد من الفنانين يستمدون الإلهام من مدن مختلفة، ولكل منها قصصها وإيقاعاتها الفريدة.
تتميز الموسيقى السودانية بتنوعها الغني، حيث تمزج بين الإيقاعات الأفريقية التقليدية والألحان العربية والمؤثرات الحديثة. غالبًا ما تنعكس الجغرافيا والتاريخ المتنوع للبلاد في موسيقاها، حيث تساهم كل منطقة بأصوات وأساليب مميزة.
لا تعرض قائمة التشغيل هذه المواهب الموسيقية للفنانين السودانيين فحسب، ولكنها أيضًا بمثابة رحلة ثقافية عبر مدن البلاد، ولكل منها قصتها وأجواءها الفريدة. سواء كنت من محبي الموسيقى السودانية منذ فترة طويلة أو وافدًا جديدًا، تقدم قائمة التشغيل هذه استكشافًا عميقًا ولحنًا للمناظر الطبيعية الحضرية في السودان.
لا تتردد في إضافة المزيد من الأغاني أو الفنانين الذين يجسدون روح المدن المختلفة في السودان، حيث أن المشهد الموسيقي يتطور دائمًا ويقدم جواهر جديدة.
صورة الغلاف © محمد إبراهيم (ود الجاك)

الاستماع لقائمة تشغيل تحتوي على أغانٍ عن مدن مختلفة من المشهد الموسيقي السوداني هي طريقة رائعة لاستكشاف النسيج الثقافي الغني للبلاد من خلال موسيقاها. الموسيقى السودانية متجذرة بعمق في التراث الثقافي المتنوع للبلاد، والعديد من الفنانين يستمدون الإلهام من مدن مختلفة، ولكل منها قصصها وإيقاعاتها الفريدة.
تتميز الموسيقى السودانية بتنوعها الغني، حيث تمزج بين الإيقاعات الأفريقية التقليدية والألحان العربية والمؤثرات الحديثة. غالبًا ما تنعكس الجغرافيا والتاريخ المتنوع للبلاد في موسيقاها، حيث تساهم كل منطقة بأصوات وأساليب مميزة.
لا تعرض قائمة التشغيل هذه المواهب الموسيقية للفنانين السودانيين فحسب، ولكنها أيضًا بمثابة رحلة ثقافية عبر مدن البلاد، ولكل منها قصتها وأجواءها الفريدة. سواء كنت من محبي الموسيقى السودانية منذ فترة طويلة أو وافدًا جديدًا، تقدم قائمة التشغيل هذه استكشافًا عميقًا ولحنًا للمناظر الطبيعية الحضرية في السودان.
لا تتردد في إضافة المزيد من الأغاني أو الفنانين الذين يجسدون روح المدن المختلفة في السودان، حيث أن المشهد الموسيقي يتطور دائمًا ويقدم جواهر جديدة.
صورة الغلاف © محمد إبراهيم (ود الجاك)

كتاب الخرطوم

كتاب الخرطوم
كتاب "تاريخ الخرطوم" من تأليف المؤرخ الدكتور محمد إبراهيم أبو سليم، نُشر في العام ١٩٧٩م، ويُعتبر إلى اليوم من أهم المراجع الحديثة لتاريخ مدينة الخرطوم الكبرى، العمراني والتخطيطي. التحق الدكتور أبو سليم بخدمة محفوظات السودان، وكانت آنذاك قسماً صغيراً مختصَّاً بحفظ الوثائق في وزارة الداخلية. ثم قام بتطوير القسم لما يصبح دار الوثائق القومية. نال الدكتوراة في فلسفة التاريخ من جامعة الخرطوم في عام ١٩٦٦م. وهو غنيٌّ عن التعريف، فقد ارتبط اسمه ومسيرته بتطور التوثيق والتأريخ في السودان.
في مقدمة كتابه يذكر الدكتور أبو سليم أن الجزء الأكبر من "كتاب الخرطوم" كان مجموعة مقالات، نُشرت في مجلة الخرطوم التي كانت تُصدرها وزارة الإرشاد القومي بالسودان في ذلك الوقت. استعان الدكتور أبو سليم بالعديد من المصادر في دار الوثائق المركزية في السودان، ومكتبة جامعة الخرطوم ودار الكتب المصرية ودار الوثائق القومية العربية بالقاهرة.

تناولت مجلة الخرطوم مختلف المواضيع ولم تُركّز فقط على مدينة الخرطوم، وامتدت لبقية مدن السودان، من مقالات وقصص ونوادر وقصائد. منها مقالات و"الخرطوم الجديدة" و"امتدادات الخرطوم" من كتابة الدكتور أبو سليم، ومواضيع أخرى من خبراء وكتّاب آخرين. ولم تقتصر مواضيعها على وصف أو سرد تاريخي للمدن بل تطرقت إلى المسائل والقضايا المتعلقة بعمران وتخطيط المدن التي كانت تشهدها المدينة في تلك الفترة.

التالي مقتطف من مقال "امتدادات الخرطوم"، كتب فيه الدكتور أبو سليم معلّقاً على الأضرار الناتجة عن التوسّع في توزيع الأرض على ذوي الدخل المحدود. من العدد السادس من مجلة الخرطوم مارس ١٩٦٧ (ص.٧٦):
وإذ يخرج هذا المقال في وقتٍ أخذت فيه الدولة تُوزّع الأرض على ذوي الدخل المحدود، ينبغي أن نشير إلى أن المسكن يشكّل جانباً مهمّاً من حياة الإنسان، خاصةً في قطرٍ يكاد كل فرد فيه يملك المنزل الذي يأوي إليه؛ سواء كان من قش أو جلد أو طين، إن المنزل عامل استقرارٍ نفسيّ لابد منه. ولكن هناك مشاكل وراء التوسع في توزيع الأرض، ولعل أهمها هو أن التوزيع يخلق طبقةً من الملاك، خاصةً والاتجاه العام الآن هو الامتلاك للتأجير والاستفادة المادية من ورائه، وهذا في الواقع يعني أن كثيراً من مدخرات المدن ستتحول إلى منازل قد لا تجد من يؤجّرها، ويضاف إلى ذلك أن كثيرين ممن لا يملكون إمكانية البناء سيحصلون على الأرض، وليس من سبيلٍ أمامهم إلا الاستدانة؛ سواءً كانوا من عمال الدولة أو غيرهم، وهذا يعني في الواقع مزيداً من الديون لهذه الطبقة المُرهَقَة، وأخشى أيضاً أن يؤدي الزمن إلى ارتفاع في تكاليف البناء وموادّه فيصير ذلك عبئاً على الفقراء.
ودرئاً لهذه المخاطر أو تقليلًا لها، على الدولة ألا تصرّ على أن يتم البناء في وقتٍ مُحدَّد، بل من الأفضل أن تعطي فسحةً من الوقت أطول حتى يتمكن الفقراء من البناء شيئاً فشيئاً، وحتى يحدّ ذلك من ارتفاع الأسعار والتكاليف.
وعليها أيضاً أن تُوفّر مواد البناء، خاصة المواد المحلية، وأن تجعلها في متناول الفقراء.
كتاب "تاريخ الخرطوم" من تأليف المؤرخ الدكتور محمد إبراهيم أبو سليم، نُشر في العام ١٩٧٩م، ويُعتبر إلى اليوم من أهم المراجع الحديثة لتاريخ مدينة الخرطوم الكبرى، العمراني والتخطيطي. التحق الدكتور أبو سليم بخدمة محفوظات السودان، وكانت آنذاك قسماً صغيراً مختصَّاً بحفظ الوثائق في وزارة الداخلية. ثم قام بتطوير القسم لما يصبح دار الوثائق القومية. نال الدكتوراة في فلسفة التاريخ من جامعة الخرطوم في عام ١٩٦٦م. وهو غنيٌّ عن التعريف، فقد ارتبط اسمه ومسيرته بتطور التوثيق والتأريخ في السودان.
في مقدمة كتابه يذكر الدكتور أبو سليم أن الجزء الأكبر من "كتاب الخرطوم" كان مجموعة مقالات، نُشرت في مجلة الخرطوم التي كانت تُصدرها وزارة الإرشاد القومي بالسودان في ذلك الوقت. استعان الدكتور أبو سليم بالعديد من المصادر في دار الوثائق المركزية في السودان، ومكتبة جامعة الخرطوم ودار الكتب المصرية ودار الوثائق القومية العربية بالقاهرة.

تناولت مجلة الخرطوم مختلف المواضيع ولم تُركّز فقط على مدينة الخرطوم، وامتدت لبقية مدن السودان، من مقالات وقصص ونوادر وقصائد. منها مقالات و"الخرطوم الجديدة" و"امتدادات الخرطوم" من كتابة الدكتور أبو سليم، ومواضيع أخرى من خبراء وكتّاب آخرين. ولم تقتصر مواضيعها على وصف أو سرد تاريخي للمدن بل تطرقت إلى المسائل والقضايا المتعلقة بعمران وتخطيط المدن التي كانت تشهدها المدينة في تلك الفترة.

التالي مقتطف من مقال "امتدادات الخرطوم"، كتب فيه الدكتور أبو سليم معلّقاً على الأضرار الناتجة عن التوسّع في توزيع الأرض على ذوي الدخل المحدود. من العدد السادس من مجلة الخرطوم مارس ١٩٦٧ (ص.٧٦):
وإذ يخرج هذا المقال في وقتٍ أخذت فيه الدولة تُوزّع الأرض على ذوي الدخل المحدود، ينبغي أن نشير إلى أن المسكن يشكّل جانباً مهمّاً من حياة الإنسان، خاصةً في قطرٍ يكاد كل فرد فيه يملك المنزل الذي يأوي إليه؛ سواء كان من قش أو جلد أو طين، إن المنزل عامل استقرارٍ نفسيّ لابد منه. ولكن هناك مشاكل وراء التوسع في توزيع الأرض، ولعل أهمها هو أن التوزيع يخلق طبقةً من الملاك، خاصةً والاتجاه العام الآن هو الامتلاك للتأجير والاستفادة المادية من ورائه، وهذا في الواقع يعني أن كثيراً من مدخرات المدن ستتحول إلى منازل قد لا تجد من يؤجّرها، ويضاف إلى ذلك أن كثيرين ممن لا يملكون إمكانية البناء سيحصلون على الأرض، وليس من سبيلٍ أمامهم إلا الاستدانة؛ سواءً كانوا من عمال الدولة أو غيرهم، وهذا يعني في الواقع مزيداً من الديون لهذه الطبقة المُرهَقَة، وأخشى أيضاً أن يؤدي الزمن إلى ارتفاع في تكاليف البناء وموادّه فيصير ذلك عبئاً على الفقراء.
ودرئاً لهذه المخاطر أو تقليلًا لها، على الدولة ألا تصرّ على أن يتم البناء في وقتٍ مُحدَّد، بل من الأفضل أن تعطي فسحةً من الوقت أطول حتى يتمكن الفقراء من البناء شيئاً فشيئاً، وحتى يحدّ ذلك من ارتفاع الأسعار والتكاليف.
وعليها أيضاً أن تُوفّر مواد البناء، خاصة المواد المحلية، وأن تجعلها في متناول الفقراء.

كتاب "تاريخ الخرطوم" من تأليف المؤرخ الدكتور محمد إبراهيم أبو سليم، نُشر في العام ١٩٧٩م، ويُعتبر إلى اليوم من أهم المراجع الحديثة لتاريخ مدينة الخرطوم الكبرى، العمراني والتخطيطي. التحق الدكتور أبو سليم بخدمة محفوظات السودان، وكانت آنذاك قسماً صغيراً مختصَّاً بحفظ الوثائق في وزارة الداخلية. ثم قام بتطوير القسم لما يصبح دار الوثائق القومية. نال الدكتوراة في فلسفة التاريخ من جامعة الخرطوم في عام ١٩٦٦م. وهو غنيٌّ عن التعريف، فقد ارتبط اسمه ومسيرته بتطور التوثيق والتأريخ في السودان.
في مقدمة كتابه يذكر الدكتور أبو سليم أن الجزء الأكبر من "كتاب الخرطوم" كان مجموعة مقالات، نُشرت في مجلة الخرطوم التي كانت تُصدرها وزارة الإرشاد القومي بالسودان في ذلك الوقت. استعان الدكتور أبو سليم بالعديد من المصادر في دار الوثائق المركزية في السودان، ومكتبة جامعة الخرطوم ودار الكتب المصرية ودار الوثائق القومية العربية بالقاهرة.

تناولت مجلة الخرطوم مختلف المواضيع ولم تُركّز فقط على مدينة الخرطوم، وامتدت لبقية مدن السودان، من مقالات وقصص ونوادر وقصائد. منها مقالات و"الخرطوم الجديدة" و"امتدادات الخرطوم" من كتابة الدكتور أبو سليم، ومواضيع أخرى من خبراء وكتّاب آخرين. ولم تقتصر مواضيعها على وصف أو سرد تاريخي للمدن بل تطرقت إلى المسائل والقضايا المتعلقة بعمران وتخطيط المدن التي كانت تشهدها المدينة في تلك الفترة.

التالي مقتطف من مقال "امتدادات الخرطوم"، كتب فيه الدكتور أبو سليم معلّقاً على الأضرار الناتجة عن التوسّع في توزيع الأرض على ذوي الدخل المحدود. من العدد السادس من مجلة الخرطوم مارس ١٩٦٧ (ص.٧٦):
وإذ يخرج هذا المقال في وقتٍ أخذت فيه الدولة تُوزّع الأرض على ذوي الدخل المحدود، ينبغي أن نشير إلى أن المسكن يشكّل جانباً مهمّاً من حياة الإنسان، خاصةً في قطرٍ يكاد كل فرد فيه يملك المنزل الذي يأوي إليه؛ سواء كان من قش أو جلد أو طين، إن المنزل عامل استقرارٍ نفسيّ لابد منه. ولكن هناك مشاكل وراء التوسع في توزيع الأرض، ولعل أهمها هو أن التوزيع يخلق طبقةً من الملاك، خاصةً والاتجاه العام الآن هو الامتلاك للتأجير والاستفادة المادية من ورائه، وهذا في الواقع يعني أن كثيراً من مدخرات المدن ستتحول إلى منازل قد لا تجد من يؤجّرها، ويضاف إلى ذلك أن كثيرين ممن لا يملكون إمكانية البناء سيحصلون على الأرض، وليس من سبيلٍ أمامهم إلا الاستدانة؛ سواءً كانوا من عمال الدولة أو غيرهم، وهذا يعني في الواقع مزيداً من الديون لهذه الطبقة المُرهَقَة، وأخشى أيضاً أن يؤدي الزمن إلى ارتفاع في تكاليف البناء وموادّه فيصير ذلك عبئاً على الفقراء.
ودرئاً لهذه المخاطر أو تقليلًا لها، على الدولة ألا تصرّ على أن يتم البناء في وقتٍ مُحدَّد، بل من الأفضل أن تعطي فسحةً من الوقت أطول حتى يتمكن الفقراء من البناء شيئاً فشيئاً، وحتى يحدّ ذلك من ارتفاع الأسعار والتكاليف.
وعليها أيضاً أن تُوفّر مواد البناء، خاصة المواد المحلية، وأن تجعلها في متناول الفقراء.

المدن الافتراضية في السودان

المدن الافتراضية في السودان
وفقًا لدليل مختبر الجغرافيا البشرية، تتميَّز المدن بوجود مناطق مركزية، مبانٍ، طُرُق سريعة وشبكات نقل أخرى. كما أن بها شركات، وعدد كبير من السكان و هوية ثقافية يميز مظهرها العام.
في عصر وسائل التواصل الاجتماعي والمنصات الإلكترونية المنتشرة، هل يمكن القول إننا نعيش في مدن افتراضية يمكن تعريفها من خلال الخصائص نفسها أو ما يشابهها مما نُمَيِّز به المدن الحقيقية؟ وإذا كان الأمر كذلك، هل توجد مدينة أو مدن يقطنها جمهور سوداني؟.
شيوع استخدام منصات التواصل الاجتماعي كوسيلة للتواصل بين السودانيين أمرٌ جليّ، ويظهر ذلك على سبيل المثال في الطريقة التي تُستخدم بها هذه الوسائل تعويضاً عن القرب المكاني للمناسبات الاجتماعية؛ حيث من الشائع جدًا إرسال رمز تعبيري حزين أو رسالة صوتية بالبكاء والنحيب على فقدان أحد الأحباء، كما يتم في (البِكاء) لتعزية أسرة المتوفى وذلك عبر تطبيق واتساب المعروف.
توفر هذه "الطرق الافتراضية السريعة" اتصالاً بين شخص وآخر أو مجموعة من الأشخاص. ويظهر التشابه بين المدن المادية الحقيقية والمدن الافتراضية في مثل هذه المساحات الجماعية، كمجموعات الواتساب أوغرف "كلوب هاوس" أو مساحات "إكس"، حيث يجتمع الأشخاص الذين لديهم اتصال أو اهتمام مشترك لمناقشة الأخبار أو شراء السلع أو الخدمات بنفس الطريقة المعتادة التي يتوجّهون بها إلى المباني المادية للقيام بهذه الأنشطة.

في هذه المدينة تعتبر مواقع مثل "تيك توك" مناطق مركزية، حيث الإثارة و الترفيه الذي يجذب الشباب السوداني من أي مكان على مدار الساعة. كما أن النخب المثقفة الأكبر سنًا تتجمع في "مقاهيهم" الافتراضية للتنظير والتفاكر حول كيفية حل جميع مشاكل السودان. أما بالنسبة للأعمال، فقد وجدت ازدهاراً حيث يتم توجيه حركة المرور في هذه المنطقة في الغالب نحو حسابات الفيسبوك التي تروّج من خلالها لسلعها أو خدماتها. بدءًا من أحدث صيحات الموضة في التوب السوداني إلى بسكويت العيد، ومن العقارات إلى السيارات وغيرها الكثير من الخدمات. هذا سوق مفتوح للجميع طالما لديك "وسيلة" للعبور إلى الإنترنت والمواقع الإلكترونية.
ولهذه المدينة الافتراضية القدرة على توجيه مرتاديها، سواء بوعي أو من خلال خوارزميات مدمجة، حيث يصبح مرتادو هذه المدن في حالة من العزلة عن العالم الحقيقي. ومثلما هو الحال في العالم الحقيقي، يستفيد منها ويجني فوائدها فقط الذين لديهم الإمكانيات والأدوات للدخول إليها. وهكذا، بينما يوجد العديد من السودانيين "متصلين بالإنترنت"، فإن الكثيرين غير متصل. ومع ذلك، غالبًا ما يكون لهؤلاء الأفراد المعزولين وأحيانًا "الأحياء" إمكانية الدخول الى هذه المدن عبر قريب أو صديق أو عندما تنتقل مواضيع وسائل التواصل الاجتماعي إلى وسائل الإعلام المطبوعة والإذاعة حيث يتم الحديث والكتابة عنها.
وللمدينة الافتراضية السودانية سمات واضحة تميزها؛ حيث لديها أساليبها اللغوية والثقافية الخاصة وكذلك استخدامها الهاشتاقات المعبرة للتأثير على اتجاهات الأحداث والفئات المستهدفة من الجمهور السوداني. والآن ومنذ اندلاع الحرب، اكتسبت هذه المدينة السودانية الافتراضية أهمية جديدة، حيث يتخذ كمكان يمكن فيه تعويض الفقد الحقيقي للمدينة بما فيها من خصوصية وإحساس الانتماء، ولو بصورة محدودة ومؤقتة.
صورة الغلاف © سارة النقر
وفقًا لدليل مختبر الجغرافيا البشرية، تتميَّز المدن بوجود مناطق مركزية، مبانٍ، طُرُق سريعة وشبكات نقل أخرى. كما أن بها شركات، وعدد كبير من السكان و هوية ثقافية يميز مظهرها العام.
في عصر وسائل التواصل الاجتماعي والمنصات الإلكترونية المنتشرة، هل يمكن القول إننا نعيش في مدن افتراضية يمكن تعريفها من خلال الخصائص نفسها أو ما يشابهها مما نُمَيِّز به المدن الحقيقية؟ وإذا كان الأمر كذلك، هل توجد مدينة أو مدن يقطنها جمهور سوداني؟.
شيوع استخدام منصات التواصل الاجتماعي كوسيلة للتواصل بين السودانيين أمرٌ جليّ، ويظهر ذلك على سبيل المثال في الطريقة التي تُستخدم بها هذه الوسائل تعويضاً عن القرب المكاني للمناسبات الاجتماعية؛ حيث من الشائع جدًا إرسال رمز تعبيري حزين أو رسالة صوتية بالبكاء والنحيب على فقدان أحد الأحباء، كما يتم في (البِكاء) لتعزية أسرة المتوفى وذلك عبر تطبيق واتساب المعروف.
توفر هذه "الطرق الافتراضية السريعة" اتصالاً بين شخص وآخر أو مجموعة من الأشخاص. ويظهر التشابه بين المدن المادية الحقيقية والمدن الافتراضية في مثل هذه المساحات الجماعية، كمجموعات الواتساب أوغرف "كلوب هاوس" أو مساحات "إكس"، حيث يجتمع الأشخاص الذين لديهم اتصال أو اهتمام مشترك لمناقشة الأخبار أو شراء السلع أو الخدمات بنفس الطريقة المعتادة التي يتوجّهون بها إلى المباني المادية للقيام بهذه الأنشطة.

في هذه المدينة تعتبر مواقع مثل "تيك توك" مناطق مركزية، حيث الإثارة و الترفيه الذي يجذب الشباب السوداني من أي مكان على مدار الساعة. كما أن النخب المثقفة الأكبر سنًا تتجمع في "مقاهيهم" الافتراضية للتنظير والتفاكر حول كيفية حل جميع مشاكل السودان. أما بالنسبة للأعمال، فقد وجدت ازدهاراً حيث يتم توجيه حركة المرور في هذه المنطقة في الغالب نحو حسابات الفيسبوك التي تروّج من خلالها لسلعها أو خدماتها. بدءًا من أحدث صيحات الموضة في التوب السوداني إلى بسكويت العيد، ومن العقارات إلى السيارات وغيرها الكثير من الخدمات. هذا سوق مفتوح للجميع طالما لديك "وسيلة" للعبور إلى الإنترنت والمواقع الإلكترونية.
ولهذه المدينة الافتراضية القدرة على توجيه مرتاديها، سواء بوعي أو من خلال خوارزميات مدمجة، حيث يصبح مرتادو هذه المدن في حالة من العزلة عن العالم الحقيقي. ومثلما هو الحال في العالم الحقيقي، يستفيد منها ويجني فوائدها فقط الذين لديهم الإمكانيات والأدوات للدخول إليها. وهكذا، بينما يوجد العديد من السودانيين "متصلين بالإنترنت"، فإن الكثيرين غير متصل. ومع ذلك، غالبًا ما يكون لهؤلاء الأفراد المعزولين وأحيانًا "الأحياء" إمكانية الدخول الى هذه المدن عبر قريب أو صديق أو عندما تنتقل مواضيع وسائل التواصل الاجتماعي إلى وسائل الإعلام المطبوعة والإذاعة حيث يتم الحديث والكتابة عنها.
وللمدينة الافتراضية السودانية سمات واضحة تميزها؛ حيث لديها أساليبها اللغوية والثقافية الخاصة وكذلك استخدامها الهاشتاقات المعبرة للتأثير على اتجاهات الأحداث والفئات المستهدفة من الجمهور السوداني. والآن ومنذ اندلاع الحرب، اكتسبت هذه المدينة السودانية الافتراضية أهمية جديدة، حيث يتخذ كمكان يمكن فيه تعويض الفقد الحقيقي للمدينة بما فيها من خصوصية وإحساس الانتماء، ولو بصورة محدودة ومؤقتة.
صورة الغلاف © سارة النقر

وفقًا لدليل مختبر الجغرافيا البشرية، تتميَّز المدن بوجود مناطق مركزية، مبانٍ، طُرُق سريعة وشبكات نقل أخرى. كما أن بها شركات، وعدد كبير من السكان و هوية ثقافية يميز مظهرها العام.
في عصر وسائل التواصل الاجتماعي والمنصات الإلكترونية المنتشرة، هل يمكن القول إننا نعيش في مدن افتراضية يمكن تعريفها من خلال الخصائص نفسها أو ما يشابهها مما نُمَيِّز به المدن الحقيقية؟ وإذا كان الأمر كذلك، هل توجد مدينة أو مدن يقطنها جمهور سوداني؟.
شيوع استخدام منصات التواصل الاجتماعي كوسيلة للتواصل بين السودانيين أمرٌ جليّ، ويظهر ذلك على سبيل المثال في الطريقة التي تُستخدم بها هذه الوسائل تعويضاً عن القرب المكاني للمناسبات الاجتماعية؛ حيث من الشائع جدًا إرسال رمز تعبيري حزين أو رسالة صوتية بالبكاء والنحيب على فقدان أحد الأحباء، كما يتم في (البِكاء) لتعزية أسرة المتوفى وذلك عبر تطبيق واتساب المعروف.
توفر هذه "الطرق الافتراضية السريعة" اتصالاً بين شخص وآخر أو مجموعة من الأشخاص. ويظهر التشابه بين المدن المادية الحقيقية والمدن الافتراضية في مثل هذه المساحات الجماعية، كمجموعات الواتساب أوغرف "كلوب هاوس" أو مساحات "إكس"، حيث يجتمع الأشخاص الذين لديهم اتصال أو اهتمام مشترك لمناقشة الأخبار أو شراء السلع أو الخدمات بنفس الطريقة المعتادة التي يتوجّهون بها إلى المباني المادية للقيام بهذه الأنشطة.

في هذه المدينة تعتبر مواقع مثل "تيك توك" مناطق مركزية، حيث الإثارة و الترفيه الذي يجذب الشباب السوداني من أي مكان على مدار الساعة. كما أن النخب المثقفة الأكبر سنًا تتجمع في "مقاهيهم" الافتراضية للتنظير والتفاكر حول كيفية حل جميع مشاكل السودان. أما بالنسبة للأعمال، فقد وجدت ازدهاراً حيث يتم توجيه حركة المرور في هذه المنطقة في الغالب نحو حسابات الفيسبوك التي تروّج من خلالها لسلعها أو خدماتها. بدءًا من أحدث صيحات الموضة في التوب السوداني إلى بسكويت العيد، ومن العقارات إلى السيارات وغيرها الكثير من الخدمات. هذا سوق مفتوح للجميع طالما لديك "وسيلة" للعبور إلى الإنترنت والمواقع الإلكترونية.
ولهذه المدينة الافتراضية القدرة على توجيه مرتاديها، سواء بوعي أو من خلال خوارزميات مدمجة، حيث يصبح مرتادو هذه المدن في حالة من العزلة عن العالم الحقيقي. ومثلما هو الحال في العالم الحقيقي، يستفيد منها ويجني فوائدها فقط الذين لديهم الإمكانيات والأدوات للدخول إليها. وهكذا، بينما يوجد العديد من السودانيين "متصلين بالإنترنت"، فإن الكثيرين غير متصل. ومع ذلك، غالبًا ما يكون لهؤلاء الأفراد المعزولين وأحيانًا "الأحياء" إمكانية الدخول الى هذه المدن عبر قريب أو صديق أو عندما تنتقل مواضيع وسائل التواصل الاجتماعي إلى وسائل الإعلام المطبوعة والإذاعة حيث يتم الحديث والكتابة عنها.
وللمدينة الافتراضية السودانية سمات واضحة تميزها؛ حيث لديها أساليبها اللغوية والثقافية الخاصة وكذلك استخدامها الهاشتاقات المعبرة للتأثير على اتجاهات الأحداث والفئات المستهدفة من الجمهور السوداني. والآن ومنذ اندلاع الحرب، اكتسبت هذه المدينة السودانية الافتراضية أهمية جديدة، حيث يتخذ كمكان يمكن فيه تعويض الفقد الحقيقي للمدينة بما فيها من خصوصية وإحساس الانتماء، ولو بصورة محدودة ومؤقتة.
صورة الغلاف © سارة النقر

أسطورة حضرية

أسطورة حضرية
ميدان الخليفة
في ٢٦ يناير ١٨٨٥م، وإبّان مقتل الحاكم البريطاني غردون باشا، أنهت قوات المهدي الحكم التركي في السودان في ثورة استمرت من ١٨٨١ حتى ١٨٨٥م. المهدي كان زعيماً دينيَّاً تَوَحَّد السودانيون حوله لمقاومة الحكم التركي، ولكنه توفي بعد انتصار الثورة بفترة وجيزة، ولم يشهد قيام دولته الإسلامية المنشودة.
تولى من بعده الخليفة عبد الله، والذي أصبح منوطاً بتأسيس الدولة المهدية الجديدة التي اتَّخذت أمدرمان عاصمةً لها. كانت البقعة التي اختارها المهدي منزلاً له في حياته، ومثواه الأخير لاحقاً، هي النواة التي نَمَت منها مدينة أمدرمان على مدار ثلاثة عشرة سنة عبر طول ستة أميال ممتدة على الشاطئ الغربي للنيل.
بنى الخليفة منزله ومباني حكومته جنوب مقام المهدي، وشيَّد غرباً أكبر مباني المدينة، ألا وهو مسجد الخليفة، الذي صُمِّمَ لاستيعاب عشرة آلاف من المصلين. كانت جدران المسجد حجرية مطلية بالجير الأبيض، وبه محراب وكان مسقوفاً جزئيَّاً. النساء كُنَّ مفصولات عن الرجال بسور من الأشجار من الناحية الغربية. الشيء الوحيد الذي تبقى بعد الغزو البريطاني عام ١٨٩٨ هو الجدران الحجرية.
على مر القرن الماضي، خضع المسجد للعديد من التغييرات وأُطلق عليه العديد من الأسماء واستخدم لمختلف الأغراض.
أشارككم تجربتي مع العديد من الأشخاص في محاولة تقصي ما مَرَّ به هذا المكان عبر الزمن.
ذكريات داخل الذاكرة
في ظهر يومٍ عاديّ، حيث أخطأت في ركوب حافلة غير التي أريد، ووجدت نفسي أمام ميدان الخليفة. عرفتُ، من النظرة الأولى، أننا في وقت احتفالات المولد النبوي من ظهور محلات بيع حلوى المولد التي تنتشر هناك مع بدايات شهر ربيع الأول. حيث تمتلئ أعينك بحلاوة عروس المولد المصبوغة باللون الوردي وأشكالٍ أُخرى من أنواع مختلفة من الحلويات المُشبَّعة بالسّكَّر. على الرغم أن الكثير من الناس أصبحوا ينتقدون هذه الحلوى وطرق تصنيعها، وتأثيرها على الصحة، إلا أنك تجد نفسك تغضّ الطرف عن كلّ هذا عندما تقف أمام البائع قائلاً:
- "ناولني ٢ كيلو من هذه من فضلك!"
في هذه الأثناء، ألقَيتُ نظرةً على الميدان خلف محلات الحلوى، وهو مبتهجٌ بطيفٍ من الألوان، اصطفَّت خيام الطرق الصوفية، وغاب عنه اللون البني الكئيب الذي يكسوه طوال العام. عند منتصف الميدان، تنتصب ثلاثة أعمدة إسمنتية عُلِّقَت عليها ألوان من زينة المولد لطالما لفتَت انتباهي، ولكن تزيّنها بهذه الطريقة منعني أن أتجاهل فضولي حولها هذه المرة.
اقتربت من الشاب الجالس في ظلّها الضيق الذي بالكاد يظلّ جسده النحيل أسأله: "ما هذه؟".
"لا أدري، نُعلّق عليها الزينة في كل عام".
رَحلتُ وأنا أفكّر أنه لا يمكن لهذه الأعمدة الإسمنتية الكبيرة أن تكون مصنوعة لغرض تعليق الزينة فقط!
.........
تحصّلتُ، بعد عناء كبير، على تصريح للدخول لمكتبة للوثائق الصورية يُقدَّر أن بها أكثر من إثنين مليون صورة وثائقية.
تصفحت حوالي ١٧٠٠ صورة لمباني مهمة من مجلد بعنوان الخرطوم، عددٌ مقدّرٌ منها من الصور لمبنى البرلمان، وفصل كامل عن سوق أمدرمان، وأخيراً عثرت على صور الميدان المنشودة، والتي لا توحي باللون البني في شيء، على الرغم من أنها صور بالأبيض والأسود، إلا أن الأشجار تضجّ بالخضرة، وإن كانت باديةً بلونٍ أسودٍ غامق.
سألت الرجل المسنّ (ودائماً ما يكون هنالك رجل مسن في الدوائر السودانية) :"هل يمكنني أخذ صورة؟"
- "لا هذا ممنوع"
- "ولكن لدي تصريح!"
- "ليس كافياً، يجب أن يُرفَق بتوقيع آخر، ويُصدَّق عليه من جهة أخرى بعد أن يمرَّ على الجهة المختصَّة التي.. إلخ إلخ.
اكتفيت عندئذٍ بتصويره في مخيلتي ثمّ ذهبت.
........
وقف الدكتور عثمان يحاضر في إحدى الجامعات عن نشأة مدينتين، أمدرمان والخرطوم وكيف كانت إحداها تُجسِّد المدينة الأوروبية المثالية في وسط إفريقيا مقابل المدينة ذات الثقافة والسِمات المحلية الواقعة غرب النيل. بيّن د.عثمان كيف وزَّع الخليفة الأراضي وكيف قُسِّمت الشوارع ومن ثم كيف تمدَّدت مع مرور الوقت لتصبح مغلقة وخالية من أي مساحات للميادين العامة.
-"د.عثمان!"
-"نعم؟"
-"هل تعلم أن ميدان الخليفة كان منتزهاً؟"
-"كيف لا أعلم! كنت أعمل على هذا المشروع وأنا لا أزال مهندساً خريجاً يافعاً، كم كانت فكرة مُذهلة حيث أن أمدرمان كانت تخلو من المساحات الخضراء وهذا المشروع كان سيغيّر وجه المدينة كُلياً ليصبح الميدان منتزهاً عامَّاً في وسطها النابض"
-"ولكن لماذا لم يعد المنتزه موجوداً؟"
-"لا أعلم"
-"وماذا بشأن تلك الأعمدة ماذا كان الغرض منها؟"
-"لا أذكر"
حاولت البحث عن تلك الشركة الإيطالية التي ذكر د.عثمان أنها كانت صاحبة فكرة المنتزه، لم أعثر على شيء عنها ولا عن الأعمدة الثلاثة.
.........
وقفتُ في غرفة مكتظة بالتحف والصور الجدارية والتلاميذ وهي غرفة بالتأكيد لم تكن مصممة لتحتوي أيٍّ من هذه الثلاث.
قبل عدة ساعات كانت قد أرسلت ثلاثة مدارس تلاميذها لزيارة متحف بيت الخليفة، وبسبب غياب التنسيق من المدرسة لم يدروا بأن المتحف مغلق للصيانة، ولإنقاذ الموقف تطوَّع مدير اللجنة المسؤولة عن الميدان، الذي حُوِّل هو الآخر مكتبه لمتحف مصغر، تطوَّع بشرح تاريخ المهدية للضيوف اليافعين وهو تاريخ أجداده حيث أنه أحد أحفاد الخليفة.
كل فصل كان ينتظر دوره بالخارج، وكنا ننتظر نحن أيضاً جالسين بالخارج ننظر لمتدربي تعلم سياقة السيارات في الميدان، وبعض الخيول التي كان يتم تمشيتها حول الميدان وهي تبدو كما أنها لو كانت في مكانها الطبيعي.
أعلى الباب كانت هناك لافتة كُتب عليها مساحة الميدان 470 *295 ذراع، يا ترى لمن كان هذا الذراع الذي قاسوا بها الميدان؟ وهل كان عمل هذا الشخص أن يكون القياس؟ وهل كانوا ينادونه كلما احتاجوا لذراعه؟
الآن جاء دورنا للدخول، أخذت جولة حول مقتنيات الغرفة ثم سألت الرجل المسن (مسن آخر):
- "هل تذكر متى تم تحويل الميدان إلى منتزه؟"
- "بالطبع أذكر، كنت واحداً من الذين وقفوا في وجه هذا القرار الجائر!"
- "لماذا؟"
- لأن الميدان هو المسجد! لا يعني أنه ليس مسقوفاً أنه يمكن أن يتغير غرضه وأن يُبَاح استخدامه كميدان عام!
- "ماذا حدث إذن؟"
- "قام نميري بهدم السور العتيق وشيَّد مكانه هذه الأسوار المعدنية، وبدأ تشييد الصرح وتجهيز المحيط، تقدمنا بدعوة قضائية وفزنا بها، وأنا بنفسي كنت شاهداً على إزالة كل شيء لكن الأعمدة الأسمنتية كانت عصية على الإزالة فتُركت بمكانها".
- "أنا واثق من أنه كان يريد أن يستخدمه كمدافن للناس!"، قال أحد المتجولين، والذي خرج لنا فُجأةً من حيث لا ندري، كأنه واحد من هؤلاء المدفونين المزعومين.
- "ماذا يجعلك تعتقد هذا؟"
- "يقال أنه يوجد غرف تحت هذه الأعمدة".
وأول شي قد خطر ببالك أنها بنيت لدفن الموتى!... سألته مباشرة : "هل رأيتهم؟"
- "لا ولكن ما عسى أن يكون الغرض منها؟"
"هذه صرح ضخم لا بد أنه يحتاج لهذا النوع من الإنشاءات أو القواعد تحت الأرض لتثبيته!"
- "لا أعلم".
وما عن هذه الأعمدة؟ ماذا كان الغرض من تلك الأعمدة؟
لا أدري ولكن أذكر أنها شيء عن الأبطال...

قررت أن أُعيد المحاولة مرة أخرى مع الوثائق هذه المرة، مع دار وثائق أكثر سهولة في الدخول. جلست أمام الموظفة التي كانت مهمتها الوحيدة تقرير ماذا كان مسموحاً لي بالإطلاع عليه وهو عادة كل شيء عدا الشيء الذي تبحث عنه. بعد أن شرحت لها غرضي اقترحت علي قراءة كتاب محمد أبو سليم عن الخرطوم. لأنه هو من قام بتأسيس دار الوثائق وكتب من وثائقها مجموعة كبيرة من الكتب.
كتب أبو سليم كثيراً عن الميدان وقال إنه بُني على مراحل، بداية من القش ثم الطين وأخيراً الحجر. وقال إن الميدان دوماً كان يستخدم للاحتفالات الدينية وعرض جيش الخليفة حيث كان موقع الميدان في قلب المدينة، وملتقى مجموعة من الطرق، وإحدى هذه الطرق كان يأتي منها الجيش للعرض ومنها سميت لاحقاً بـ"شارع العرضة"، وكذلك سمي الطريق الذي كان يغادر منه الجيش بـ"شارع الهجرة".
في كتاب آخر داخل هذا الأرشيف، رُسِم مخطط للمسجد في عهد الخليفة يبين به مكان وقوف كل قبيلة داخل المسجد في أوقات الصلاة. يبدو أنها كانت طريقة لتسجيل الحضور للتأكد من حضور الكل وأنه لا يجتمع أحد في مكانٍ ما للتآمر.
…..
كمحاولة مستميتة نشرت سؤال على شبكة الإنترنت يقول:
هل من أحد يعلم ماذا كان الغرض من ذاك الصرح في ميدان الخليفة؟
أتتني مجموعة من الإجابات عن صروح مختلفة لكن لم تكن أيّاً منها الصرح الذي استفسرت عنه. البعض تذكر مسلات معدنية في مواقع مختلفة في المدينة، لكن هل كانت واحدة أم كانوا ثلاث؟ هل كانت ثابتة أم متنقلة؟ لا أحد يجزم. بعضهم ذكر وجود مُدفع وآخرين تِمثال للبدري قيل إنه الأب وقيل أيضاً أنه الإبن، والشيء الوحيد المؤكد أنهم جميعاً لم يعد لهم وجود اليوم.
حاولت مجدداً نشر السؤال على فيسبوك في مجموعة للصور القديمة.
أتتني الإجابة متفرّقة بين تعليقات الأجندات السياسية التي تُحشر في كل مكان. التعليقات أشارت إلى أن قرار نميري بتحويل الميدان لم يكن بمعزل من خلافاته السياسية مع أُسرة المهدي، وكان يُنظر للقرار على أنها محاولة منه لمحو إرث تاريخ المهدية. فيما يُعنى بالصرح قيل إنه في أواخر السبعينيات تم تحويل الميدان إلى منتزه عام وسمي بـ"ساحة الأبطال"، والأعمدة المنصوبة عُرِفَت بـ"صرح الأبطال"، كُسيت بحجر الرخام الأبيض وتم رصف ممرات تنتهي بسلم عند الأعمدة مما يوحي أن البناء يفضي إلى السماء. اقترح عليّ أحدهم مشاهدة تسجيل أغنية الفنان عبد العزيز محمد داؤود "الفينا مشهودة"، حيث يظهر التسجيل مجموعة من المباني الأثرية من ضمنها صرحي المنشود!
يُظهر التسجيل أعمدة النصب الثلاثة محاطة بمنحوتات تصوّر معارك مختلفة وأشعة الشمس منعكسة بينها.

بعد عدة سنوات من زيارتي الأولى للميدان وجدت نفسي أقف مجدداً أمامه، وأيضاً في موسم احتفالات المولد حيث تأتي أصوات الإنشاد من داخل الميدان، رغم محاولات مكبرات صوت داخل مبنى البلدية من كبتها، يمكنك سماع صوت الرجال يُكَفِّرون كل من بالميدان. وبين كل هذا يستلقي عشرات الأطفال على دوّار به كرة ضخمة في التقاطع الصغير الواقع عند ملتقى مصدر الأصوات من الجهتين غير مكترثين بهذا الكم الهائل من حرية التعبير.
هي ساحة للعرض العسكري، سوق، ميدان عام، مكان للاحتفالات الدينية وساحة للاحتجاج على هذه الاحتفالات، هو فكرة مذهلة، وهو قرار متعسف، هو صرح مليء بالغموض ومؤامرات شريرة مزعومة، هو متحف مصغر، وساحة لتدريب الخيل... هو كل شيء وأكثر، الآن يمكنني القول بأن هذا الميدان المكسو باللون البني الكئيب ينبض بكثيرٍ من الحياة.
نُشر هذا المقال لأول مرة في عام ٢٠٢٢ اسم ميدان الخليفة في كتاب إلى أن نلتقي، نشر وحُرِّر من قبل لوكال وورق.
ميدان الخليفة
في ٢٦ يناير ١٨٨٥م، وإبّان مقتل الحاكم البريطاني غردون باشا، أنهت قوات المهدي الحكم التركي في السودان في ثورة استمرت من ١٨٨١ حتى ١٨٨٥م. المهدي كان زعيماً دينيَّاً تَوَحَّد السودانيون حوله لمقاومة الحكم التركي، ولكنه توفي بعد انتصار الثورة بفترة وجيزة، ولم يشهد قيام دولته الإسلامية المنشودة.
تولى من بعده الخليفة عبد الله، والذي أصبح منوطاً بتأسيس الدولة المهدية الجديدة التي اتَّخذت أمدرمان عاصمةً لها. كانت البقعة التي اختارها المهدي منزلاً له في حياته، ومثواه الأخير لاحقاً، هي النواة التي نَمَت منها مدينة أمدرمان على مدار ثلاثة عشرة سنة عبر طول ستة أميال ممتدة على الشاطئ الغربي للنيل.
بنى الخليفة منزله ومباني حكومته جنوب مقام المهدي، وشيَّد غرباً أكبر مباني المدينة، ألا وهو مسجد الخليفة، الذي صُمِّمَ لاستيعاب عشرة آلاف من المصلين. كانت جدران المسجد حجرية مطلية بالجير الأبيض، وبه محراب وكان مسقوفاً جزئيَّاً. النساء كُنَّ مفصولات عن الرجال بسور من الأشجار من الناحية الغربية. الشيء الوحيد الذي تبقى بعد الغزو البريطاني عام ١٨٩٨ هو الجدران الحجرية.
على مر القرن الماضي، خضع المسجد للعديد من التغييرات وأُطلق عليه العديد من الأسماء واستخدم لمختلف الأغراض.
أشارككم تجربتي مع العديد من الأشخاص في محاولة تقصي ما مَرَّ به هذا المكان عبر الزمن.
ذكريات داخل الذاكرة
في ظهر يومٍ عاديّ، حيث أخطأت في ركوب حافلة غير التي أريد، ووجدت نفسي أمام ميدان الخليفة. عرفتُ، من النظرة الأولى، أننا في وقت احتفالات المولد النبوي من ظهور محلات بيع حلوى المولد التي تنتشر هناك مع بدايات شهر ربيع الأول. حيث تمتلئ أعينك بحلاوة عروس المولد المصبوغة باللون الوردي وأشكالٍ أُخرى من أنواع مختلفة من الحلويات المُشبَّعة بالسّكَّر. على الرغم أن الكثير من الناس أصبحوا ينتقدون هذه الحلوى وطرق تصنيعها، وتأثيرها على الصحة، إلا أنك تجد نفسك تغضّ الطرف عن كلّ هذا عندما تقف أمام البائع قائلاً:
- "ناولني ٢ كيلو من هذه من فضلك!"
في هذه الأثناء، ألقَيتُ نظرةً على الميدان خلف محلات الحلوى، وهو مبتهجٌ بطيفٍ من الألوان، اصطفَّت خيام الطرق الصوفية، وغاب عنه اللون البني الكئيب الذي يكسوه طوال العام. عند منتصف الميدان، تنتصب ثلاثة أعمدة إسمنتية عُلِّقَت عليها ألوان من زينة المولد لطالما لفتَت انتباهي، ولكن تزيّنها بهذه الطريقة منعني أن أتجاهل فضولي حولها هذه المرة.
اقتربت من الشاب الجالس في ظلّها الضيق الذي بالكاد يظلّ جسده النحيل أسأله: "ما هذه؟".
"لا أدري، نُعلّق عليها الزينة في كل عام".
رَحلتُ وأنا أفكّر أنه لا يمكن لهذه الأعمدة الإسمنتية الكبيرة أن تكون مصنوعة لغرض تعليق الزينة فقط!
.........
تحصّلتُ، بعد عناء كبير، على تصريح للدخول لمكتبة للوثائق الصورية يُقدَّر أن بها أكثر من إثنين مليون صورة وثائقية.
تصفحت حوالي ١٧٠٠ صورة لمباني مهمة من مجلد بعنوان الخرطوم، عددٌ مقدّرٌ منها من الصور لمبنى البرلمان، وفصل كامل عن سوق أمدرمان، وأخيراً عثرت على صور الميدان المنشودة، والتي لا توحي باللون البني في شيء، على الرغم من أنها صور بالأبيض والأسود، إلا أن الأشجار تضجّ بالخضرة، وإن كانت باديةً بلونٍ أسودٍ غامق.
سألت الرجل المسنّ (ودائماً ما يكون هنالك رجل مسن في الدوائر السودانية) :"هل يمكنني أخذ صورة؟"
- "لا هذا ممنوع"
- "ولكن لدي تصريح!"
- "ليس كافياً، يجب أن يُرفَق بتوقيع آخر، ويُصدَّق عليه من جهة أخرى بعد أن يمرَّ على الجهة المختصَّة التي.. إلخ إلخ.
اكتفيت عندئذٍ بتصويره في مخيلتي ثمّ ذهبت.
........
وقف الدكتور عثمان يحاضر في إحدى الجامعات عن نشأة مدينتين، أمدرمان والخرطوم وكيف كانت إحداها تُجسِّد المدينة الأوروبية المثالية في وسط إفريقيا مقابل المدينة ذات الثقافة والسِمات المحلية الواقعة غرب النيل. بيّن د.عثمان كيف وزَّع الخليفة الأراضي وكيف قُسِّمت الشوارع ومن ثم كيف تمدَّدت مع مرور الوقت لتصبح مغلقة وخالية من أي مساحات للميادين العامة.
-"د.عثمان!"
-"نعم؟"
-"هل تعلم أن ميدان الخليفة كان منتزهاً؟"
-"كيف لا أعلم! كنت أعمل على هذا المشروع وأنا لا أزال مهندساً خريجاً يافعاً، كم كانت فكرة مُذهلة حيث أن أمدرمان كانت تخلو من المساحات الخضراء وهذا المشروع كان سيغيّر وجه المدينة كُلياً ليصبح الميدان منتزهاً عامَّاً في وسطها النابض"
-"ولكن لماذا لم يعد المنتزه موجوداً؟"
-"لا أعلم"
-"وماذا بشأن تلك الأعمدة ماذا كان الغرض منها؟"
-"لا أذكر"
حاولت البحث عن تلك الشركة الإيطالية التي ذكر د.عثمان أنها كانت صاحبة فكرة المنتزه، لم أعثر على شيء عنها ولا عن الأعمدة الثلاثة.
.........
وقفتُ في غرفة مكتظة بالتحف والصور الجدارية والتلاميذ وهي غرفة بالتأكيد لم تكن مصممة لتحتوي أيٍّ من هذه الثلاث.
قبل عدة ساعات كانت قد أرسلت ثلاثة مدارس تلاميذها لزيارة متحف بيت الخليفة، وبسبب غياب التنسيق من المدرسة لم يدروا بأن المتحف مغلق للصيانة، ولإنقاذ الموقف تطوَّع مدير اللجنة المسؤولة عن الميدان، الذي حُوِّل هو الآخر مكتبه لمتحف مصغر، تطوَّع بشرح تاريخ المهدية للضيوف اليافعين وهو تاريخ أجداده حيث أنه أحد أحفاد الخليفة.
كل فصل كان ينتظر دوره بالخارج، وكنا ننتظر نحن أيضاً جالسين بالخارج ننظر لمتدربي تعلم سياقة السيارات في الميدان، وبعض الخيول التي كان يتم تمشيتها حول الميدان وهي تبدو كما أنها لو كانت في مكانها الطبيعي.
أعلى الباب كانت هناك لافتة كُتب عليها مساحة الميدان 470 *295 ذراع، يا ترى لمن كان هذا الذراع الذي قاسوا بها الميدان؟ وهل كان عمل هذا الشخص أن يكون القياس؟ وهل كانوا ينادونه كلما احتاجوا لذراعه؟
الآن جاء دورنا للدخول، أخذت جولة حول مقتنيات الغرفة ثم سألت الرجل المسن (مسن آخر):
- "هل تذكر متى تم تحويل الميدان إلى منتزه؟"
- "بالطبع أذكر، كنت واحداً من الذين وقفوا في وجه هذا القرار الجائر!"
- "لماذا؟"
- لأن الميدان هو المسجد! لا يعني أنه ليس مسقوفاً أنه يمكن أن يتغير غرضه وأن يُبَاح استخدامه كميدان عام!
- "ماذا حدث إذن؟"
- "قام نميري بهدم السور العتيق وشيَّد مكانه هذه الأسوار المعدنية، وبدأ تشييد الصرح وتجهيز المحيط، تقدمنا بدعوة قضائية وفزنا بها، وأنا بنفسي كنت شاهداً على إزالة كل شيء لكن الأعمدة الأسمنتية كانت عصية على الإزالة فتُركت بمكانها".
- "أنا واثق من أنه كان يريد أن يستخدمه كمدافن للناس!"، قال أحد المتجولين، والذي خرج لنا فُجأةً من حيث لا ندري، كأنه واحد من هؤلاء المدفونين المزعومين.
- "ماذا يجعلك تعتقد هذا؟"
- "يقال أنه يوجد غرف تحت هذه الأعمدة".
وأول شي قد خطر ببالك أنها بنيت لدفن الموتى!... سألته مباشرة : "هل رأيتهم؟"
- "لا ولكن ما عسى أن يكون الغرض منها؟"
"هذه صرح ضخم لا بد أنه يحتاج لهذا النوع من الإنشاءات أو القواعد تحت الأرض لتثبيته!"
- "لا أعلم".
وما عن هذه الأعمدة؟ ماذا كان الغرض من تلك الأعمدة؟
لا أدري ولكن أذكر أنها شيء عن الأبطال...

قررت أن أُعيد المحاولة مرة أخرى مع الوثائق هذه المرة، مع دار وثائق أكثر سهولة في الدخول. جلست أمام الموظفة التي كانت مهمتها الوحيدة تقرير ماذا كان مسموحاً لي بالإطلاع عليه وهو عادة كل شيء عدا الشيء الذي تبحث عنه. بعد أن شرحت لها غرضي اقترحت علي قراءة كتاب محمد أبو سليم عن الخرطوم. لأنه هو من قام بتأسيس دار الوثائق وكتب من وثائقها مجموعة كبيرة من الكتب.
كتب أبو سليم كثيراً عن الميدان وقال إنه بُني على مراحل، بداية من القش ثم الطين وأخيراً الحجر. وقال إن الميدان دوماً كان يستخدم للاحتفالات الدينية وعرض جيش الخليفة حيث كان موقع الميدان في قلب المدينة، وملتقى مجموعة من الطرق، وإحدى هذه الطرق كان يأتي منها الجيش للعرض ومنها سميت لاحقاً بـ"شارع العرضة"، وكذلك سمي الطريق الذي كان يغادر منه الجيش بـ"شارع الهجرة".
في كتاب آخر داخل هذا الأرشيف، رُسِم مخطط للمسجد في عهد الخليفة يبين به مكان وقوف كل قبيلة داخل المسجد في أوقات الصلاة. يبدو أنها كانت طريقة لتسجيل الحضور للتأكد من حضور الكل وأنه لا يجتمع أحد في مكانٍ ما للتآمر.
…..
كمحاولة مستميتة نشرت سؤال على شبكة الإنترنت يقول:
هل من أحد يعلم ماذا كان الغرض من ذاك الصرح في ميدان الخليفة؟
أتتني مجموعة من الإجابات عن صروح مختلفة لكن لم تكن أيّاً منها الصرح الذي استفسرت عنه. البعض تذكر مسلات معدنية في مواقع مختلفة في المدينة، لكن هل كانت واحدة أم كانوا ثلاث؟ هل كانت ثابتة أم متنقلة؟ لا أحد يجزم. بعضهم ذكر وجود مُدفع وآخرين تِمثال للبدري قيل إنه الأب وقيل أيضاً أنه الإبن، والشيء الوحيد المؤكد أنهم جميعاً لم يعد لهم وجود اليوم.
حاولت مجدداً نشر السؤال على فيسبوك في مجموعة للصور القديمة.
أتتني الإجابة متفرّقة بين تعليقات الأجندات السياسية التي تُحشر في كل مكان. التعليقات أشارت إلى أن قرار نميري بتحويل الميدان لم يكن بمعزل من خلافاته السياسية مع أُسرة المهدي، وكان يُنظر للقرار على أنها محاولة منه لمحو إرث تاريخ المهدية. فيما يُعنى بالصرح قيل إنه في أواخر السبعينيات تم تحويل الميدان إلى منتزه عام وسمي بـ"ساحة الأبطال"، والأعمدة المنصوبة عُرِفَت بـ"صرح الأبطال"، كُسيت بحجر الرخام الأبيض وتم رصف ممرات تنتهي بسلم عند الأعمدة مما يوحي أن البناء يفضي إلى السماء. اقترح عليّ أحدهم مشاهدة تسجيل أغنية الفنان عبد العزيز محمد داؤود "الفينا مشهودة"، حيث يظهر التسجيل مجموعة من المباني الأثرية من ضمنها صرحي المنشود!
يُظهر التسجيل أعمدة النصب الثلاثة محاطة بمنحوتات تصوّر معارك مختلفة وأشعة الشمس منعكسة بينها.

بعد عدة سنوات من زيارتي الأولى للميدان وجدت نفسي أقف مجدداً أمامه، وأيضاً في موسم احتفالات المولد حيث تأتي أصوات الإنشاد من داخل الميدان، رغم محاولات مكبرات صوت داخل مبنى البلدية من كبتها، يمكنك سماع صوت الرجال يُكَفِّرون كل من بالميدان. وبين كل هذا يستلقي عشرات الأطفال على دوّار به كرة ضخمة في التقاطع الصغير الواقع عند ملتقى مصدر الأصوات من الجهتين غير مكترثين بهذا الكم الهائل من حرية التعبير.
هي ساحة للعرض العسكري، سوق، ميدان عام، مكان للاحتفالات الدينية وساحة للاحتجاج على هذه الاحتفالات، هو فكرة مذهلة، وهو قرار متعسف، هو صرح مليء بالغموض ومؤامرات شريرة مزعومة، هو متحف مصغر، وساحة لتدريب الخيل... هو كل شيء وأكثر، الآن يمكنني القول بأن هذا الميدان المكسو باللون البني الكئيب ينبض بكثيرٍ من الحياة.
نُشر هذا المقال لأول مرة في عام ٢٠٢٢ اسم ميدان الخليفة في كتاب إلى أن نلتقي، نشر وحُرِّر من قبل لوكال وورق.

ميدان الخليفة
في ٢٦ يناير ١٨٨٥م، وإبّان مقتل الحاكم البريطاني غردون باشا، أنهت قوات المهدي الحكم التركي في السودان في ثورة استمرت من ١٨٨١ حتى ١٨٨٥م. المهدي كان زعيماً دينيَّاً تَوَحَّد السودانيون حوله لمقاومة الحكم التركي، ولكنه توفي بعد انتصار الثورة بفترة وجيزة، ولم يشهد قيام دولته الإسلامية المنشودة.
تولى من بعده الخليفة عبد الله، والذي أصبح منوطاً بتأسيس الدولة المهدية الجديدة التي اتَّخذت أمدرمان عاصمةً لها. كانت البقعة التي اختارها المهدي منزلاً له في حياته، ومثواه الأخير لاحقاً، هي النواة التي نَمَت منها مدينة أمدرمان على مدار ثلاثة عشرة سنة عبر طول ستة أميال ممتدة على الشاطئ الغربي للنيل.
بنى الخليفة منزله ومباني حكومته جنوب مقام المهدي، وشيَّد غرباً أكبر مباني المدينة، ألا وهو مسجد الخليفة، الذي صُمِّمَ لاستيعاب عشرة آلاف من المصلين. كانت جدران المسجد حجرية مطلية بالجير الأبيض، وبه محراب وكان مسقوفاً جزئيَّاً. النساء كُنَّ مفصولات عن الرجال بسور من الأشجار من الناحية الغربية. الشيء الوحيد الذي تبقى بعد الغزو البريطاني عام ١٨٩٨ هو الجدران الحجرية.
على مر القرن الماضي، خضع المسجد للعديد من التغييرات وأُطلق عليه العديد من الأسماء واستخدم لمختلف الأغراض.
أشارككم تجربتي مع العديد من الأشخاص في محاولة تقصي ما مَرَّ به هذا المكان عبر الزمن.
ذكريات داخل الذاكرة
في ظهر يومٍ عاديّ، حيث أخطأت في ركوب حافلة غير التي أريد، ووجدت نفسي أمام ميدان الخليفة. عرفتُ، من النظرة الأولى، أننا في وقت احتفالات المولد النبوي من ظهور محلات بيع حلوى المولد التي تنتشر هناك مع بدايات شهر ربيع الأول. حيث تمتلئ أعينك بحلاوة عروس المولد المصبوغة باللون الوردي وأشكالٍ أُخرى من أنواع مختلفة من الحلويات المُشبَّعة بالسّكَّر. على الرغم أن الكثير من الناس أصبحوا ينتقدون هذه الحلوى وطرق تصنيعها، وتأثيرها على الصحة، إلا أنك تجد نفسك تغضّ الطرف عن كلّ هذا عندما تقف أمام البائع قائلاً:
- "ناولني ٢ كيلو من هذه من فضلك!"
في هذه الأثناء، ألقَيتُ نظرةً على الميدان خلف محلات الحلوى، وهو مبتهجٌ بطيفٍ من الألوان، اصطفَّت خيام الطرق الصوفية، وغاب عنه اللون البني الكئيب الذي يكسوه طوال العام. عند منتصف الميدان، تنتصب ثلاثة أعمدة إسمنتية عُلِّقَت عليها ألوان من زينة المولد لطالما لفتَت انتباهي، ولكن تزيّنها بهذه الطريقة منعني أن أتجاهل فضولي حولها هذه المرة.
اقتربت من الشاب الجالس في ظلّها الضيق الذي بالكاد يظلّ جسده النحيل أسأله: "ما هذه؟".
"لا أدري، نُعلّق عليها الزينة في كل عام".
رَحلتُ وأنا أفكّر أنه لا يمكن لهذه الأعمدة الإسمنتية الكبيرة أن تكون مصنوعة لغرض تعليق الزينة فقط!
.........
تحصّلتُ، بعد عناء كبير، على تصريح للدخول لمكتبة للوثائق الصورية يُقدَّر أن بها أكثر من إثنين مليون صورة وثائقية.
تصفحت حوالي ١٧٠٠ صورة لمباني مهمة من مجلد بعنوان الخرطوم، عددٌ مقدّرٌ منها من الصور لمبنى البرلمان، وفصل كامل عن سوق أمدرمان، وأخيراً عثرت على صور الميدان المنشودة، والتي لا توحي باللون البني في شيء، على الرغم من أنها صور بالأبيض والأسود، إلا أن الأشجار تضجّ بالخضرة، وإن كانت باديةً بلونٍ أسودٍ غامق.
سألت الرجل المسنّ (ودائماً ما يكون هنالك رجل مسن في الدوائر السودانية) :"هل يمكنني أخذ صورة؟"
- "لا هذا ممنوع"
- "ولكن لدي تصريح!"
- "ليس كافياً، يجب أن يُرفَق بتوقيع آخر، ويُصدَّق عليه من جهة أخرى بعد أن يمرَّ على الجهة المختصَّة التي.. إلخ إلخ.
اكتفيت عندئذٍ بتصويره في مخيلتي ثمّ ذهبت.
........
وقف الدكتور عثمان يحاضر في إحدى الجامعات عن نشأة مدينتين، أمدرمان والخرطوم وكيف كانت إحداها تُجسِّد المدينة الأوروبية المثالية في وسط إفريقيا مقابل المدينة ذات الثقافة والسِمات المحلية الواقعة غرب النيل. بيّن د.عثمان كيف وزَّع الخليفة الأراضي وكيف قُسِّمت الشوارع ومن ثم كيف تمدَّدت مع مرور الوقت لتصبح مغلقة وخالية من أي مساحات للميادين العامة.
-"د.عثمان!"
-"نعم؟"
-"هل تعلم أن ميدان الخليفة كان منتزهاً؟"
-"كيف لا أعلم! كنت أعمل على هذا المشروع وأنا لا أزال مهندساً خريجاً يافعاً، كم كانت فكرة مُذهلة حيث أن أمدرمان كانت تخلو من المساحات الخضراء وهذا المشروع كان سيغيّر وجه المدينة كُلياً ليصبح الميدان منتزهاً عامَّاً في وسطها النابض"
-"ولكن لماذا لم يعد المنتزه موجوداً؟"
-"لا أعلم"
-"وماذا بشأن تلك الأعمدة ماذا كان الغرض منها؟"
-"لا أذكر"
حاولت البحث عن تلك الشركة الإيطالية التي ذكر د.عثمان أنها كانت صاحبة فكرة المنتزه، لم أعثر على شيء عنها ولا عن الأعمدة الثلاثة.
.........
وقفتُ في غرفة مكتظة بالتحف والصور الجدارية والتلاميذ وهي غرفة بالتأكيد لم تكن مصممة لتحتوي أيٍّ من هذه الثلاث.
قبل عدة ساعات كانت قد أرسلت ثلاثة مدارس تلاميذها لزيارة متحف بيت الخليفة، وبسبب غياب التنسيق من المدرسة لم يدروا بأن المتحف مغلق للصيانة، ولإنقاذ الموقف تطوَّع مدير اللجنة المسؤولة عن الميدان، الذي حُوِّل هو الآخر مكتبه لمتحف مصغر، تطوَّع بشرح تاريخ المهدية للضيوف اليافعين وهو تاريخ أجداده حيث أنه أحد أحفاد الخليفة.
كل فصل كان ينتظر دوره بالخارج، وكنا ننتظر نحن أيضاً جالسين بالخارج ننظر لمتدربي تعلم سياقة السيارات في الميدان، وبعض الخيول التي كان يتم تمشيتها حول الميدان وهي تبدو كما أنها لو كانت في مكانها الطبيعي.
أعلى الباب كانت هناك لافتة كُتب عليها مساحة الميدان 470 *295 ذراع، يا ترى لمن كان هذا الذراع الذي قاسوا بها الميدان؟ وهل كان عمل هذا الشخص أن يكون القياس؟ وهل كانوا ينادونه كلما احتاجوا لذراعه؟
الآن جاء دورنا للدخول، أخذت جولة حول مقتنيات الغرفة ثم سألت الرجل المسن (مسن آخر):
- "هل تذكر متى تم تحويل الميدان إلى منتزه؟"
- "بالطبع أذكر، كنت واحداً من الذين وقفوا في وجه هذا القرار الجائر!"
- "لماذا؟"
- لأن الميدان هو المسجد! لا يعني أنه ليس مسقوفاً أنه يمكن أن يتغير غرضه وأن يُبَاح استخدامه كميدان عام!
- "ماذا حدث إذن؟"
- "قام نميري بهدم السور العتيق وشيَّد مكانه هذه الأسوار المعدنية، وبدأ تشييد الصرح وتجهيز المحيط، تقدمنا بدعوة قضائية وفزنا بها، وأنا بنفسي كنت شاهداً على إزالة كل شيء لكن الأعمدة الأسمنتية كانت عصية على الإزالة فتُركت بمكانها".
- "أنا واثق من أنه كان يريد أن يستخدمه كمدافن للناس!"، قال أحد المتجولين، والذي خرج لنا فُجأةً من حيث لا ندري، كأنه واحد من هؤلاء المدفونين المزعومين.
- "ماذا يجعلك تعتقد هذا؟"
- "يقال أنه يوجد غرف تحت هذه الأعمدة".
وأول شي قد خطر ببالك أنها بنيت لدفن الموتى!... سألته مباشرة : "هل رأيتهم؟"
- "لا ولكن ما عسى أن يكون الغرض منها؟"
"هذه صرح ضخم لا بد أنه يحتاج لهذا النوع من الإنشاءات أو القواعد تحت الأرض لتثبيته!"
- "لا أعلم".
وما عن هذه الأعمدة؟ ماذا كان الغرض من تلك الأعمدة؟
لا أدري ولكن أذكر أنها شيء عن الأبطال...

قررت أن أُعيد المحاولة مرة أخرى مع الوثائق هذه المرة، مع دار وثائق أكثر سهولة في الدخول. جلست أمام الموظفة التي كانت مهمتها الوحيدة تقرير ماذا كان مسموحاً لي بالإطلاع عليه وهو عادة كل شيء عدا الشيء الذي تبحث عنه. بعد أن شرحت لها غرضي اقترحت علي قراءة كتاب محمد أبو سليم عن الخرطوم. لأنه هو من قام بتأسيس دار الوثائق وكتب من وثائقها مجموعة كبيرة من الكتب.
كتب أبو سليم كثيراً عن الميدان وقال إنه بُني على مراحل، بداية من القش ثم الطين وأخيراً الحجر. وقال إن الميدان دوماً كان يستخدم للاحتفالات الدينية وعرض جيش الخليفة حيث كان موقع الميدان في قلب المدينة، وملتقى مجموعة من الطرق، وإحدى هذه الطرق كان يأتي منها الجيش للعرض ومنها سميت لاحقاً بـ"شارع العرضة"، وكذلك سمي الطريق الذي كان يغادر منه الجيش بـ"شارع الهجرة".
في كتاب آخر داخل هذا الأرشيف، رُسِم مخطط للمسجد في عهد الخليفة يبين به مكان وقوف كل قبيلة داخل المسجد في أوقات الصلاة. يبدو أنها كانت طريقة لتسجيل الحضور للتأكد من حضور الكل وأنه لا يجتمع أحد في مكانٍ ما للتآمر.
…..
كمحاولة مستميتة نشرت سؤال على شبكة الإنترنت يقول:
هل من أحد يعلم ماذا كان الغرض من ذاك الصرح في ميدان الخليفة؟
أتتني مجموعة من الإجابات عن صروح مختلفة لكن لم تكن أيّاً منها الصرح الذي استفسرت عنه. البعض تذكر مسلات معدنية في مواقع مختلفة في المدينة، لكن هل كانت واحدة أم كانوا ثلاث؟ هل كانت ثابتة أم متنقلة؟ لا أحد يجزم. بعضهم ذكر وجود مُدفع وآخرين تِمثال للبدري قيل إنه الأب وقيل أيضاً أنه الإبن، والشيء الوحيد المؤكد أنهم جميعاً لم يعد لهم وجود اليوم.
حاولت مجدداً نشر السؤال على فيسبوك في مجموعة للصور القديمة.
أتتني الإجابة متفرّقة بين تعليقات الأجندات السياسية التي تُحشر في كل مكان. التعليقات أشارت إلى أن قرار نميري بتحويل الميدان لم يكن بمعزل من خلافاته السياسية مع أُسرة المهدي، وكان يُنظر للقرار على أنها محاولة منه لمحو إرث تاريخ المهدية. فيما يُعنى بالصرح قيل إنه في أواخر السبعينيات تم تحويل الميدان إلى منتزه عام وسمي بـ"ساحة الأبطال"، والأعمدة المنصوبة عُرِفَت بـ"صرح الأبطال"، كُسيت بحجر الرخام الأبيض وتم رصف ممرات تنتهي بسلم عند الأعمدة مما يوحي أن البناء يفضي إلى السماء. اقترح عليّ أحدهم مشاهدة تسجيل أغنية الفنان عبد العزيز محمد داؤود "الفينا مشهودة"، حيث يظهر التسجيل مجموعة من المباني الأثرية من ضمنها صرحي المنشود!
يُظهر التسجيل أعمدة النصب الثلاثة محاطة بمنحوتات تصوّر معارك مختلفة وأشعة الشمس منعكسة بينها.

بعد عدة سنوات من زيارتي الأولى للميدان وجدت نفسي أقف مجدداً أمامه، وأيضاً في موسم احتفالات المولد حيث تأتي أصوات الإنشاد من داخل الميدان، رغم محاولات مكبرات صوت داخل مبنى البلدية من كبتها، يمكنك سماع صوت الرجال يُكَفِّرون كل من بالميدان. وبين كل هذا يستلقي عشرات الأطفال على دوّار به كرة ضخمة في التقاطع الصغير الواقع عند ملتقى مصدر الأصوات من الجهتين غير مكترثين بهذا الكم الهائل من حرية التعبير.
هي ساحة للعرض العسكري، سوق، ميدان عام، مكان للاحتفالات الدينية وساحة للاحتجاج على هذه الاحتفالات، هو فكرة مذهلة، وهو قرار متعسف، هو صرح مليء بالغموض ومؤامرات شريرة مزعومة، هو متحف مصغر، وساحة لتدريب الخيل... هو كل شيء وأكثر، الآن يمكنني القول بأن هذا الميدان المكسو باللون البني الكئيب ينبض بكثيرٍ من الحياة.
نُشر هذا المقال لأول مرة في عام ٢٠٢٢ اسم ميدان الخليفة في كتاب إلى أن نلتقي، نشر وحُرِّر من قبل لوكال وورق.

العودة إلى سنار

العودة إلى سنار
العودة إلى سنار
شعر: د. محمد عبد الحي
تُعتبر قصيدة "العودة إلى سنار"، للشاعر الكبير الدكتور محمد عبد الحي، من أهم القصائد التي ناقشت قضيّة الهويّة السودانية، وقد كانت مركزيّةً من ضمن تكوينات تيار "الغابة والصحراء" الذي انطلقت بداياته في ستينيات القرن الماضي، وقد ساهمت مجموعة من الشعراء الكبار في تكوين هذه الحركة الشعريّة والثقافية، من أبرزهم الشعراء: النور عثمان أبكر، ومحمد المكي إبراهيم، دكتور يوسف عيدابي وعبد الله شابو.
اخترنا لكم القصيدة من بين القصائد التي كُتبت عن مدن وممالك سودانيّة قديمة، وتعود إلى العام ١٩٦٣م، وتُعتبر كذلك من القصائد الرائدة ضمن تيارات الشعر الحديث في السودان وفي البلدان الكاتبة والقارئة باللغة العربيّة.
مقتطف من القصيدة
الليلة يستقبلني أهلي:
أرواح جدودي تخرج من
فضَّة أحلام النّهر، ومن
ليل الأسماءْ
تتقمص أجساد الأطفالْ.
تنفخ في رئةِ المدّاحِ
وتضرب بالساعد
عبر ذراع الطبّالْ.
الليلة يستقبلني أهلي:
أهدوني مسبحةً من أسنان الموتى
إبريقاً جمجمةً،
مصلاة من جلد الجاموسْ
رمزاً يلمع بين النخلة والأبنوسْ
لغةً تطلعُ مثلَ الرّمحْ
من جسد الأرضِ
وعبَر سماء الجُرحْ.
الليلة يستقبلني أهلي.
وكانت الغابة والصحراءْ
امرأةً عاريةً تنامْ
على سرير البرقِ في انتظارِ
ثورها الإلهي الذي يزور في الظلامْ.
وكان أفق الوجه والقناع شكلاً واحداً.
يزهر في سلطنة البراءة
وحمأ البداءةْ
على حدودِ النورِ والظلمةِ بين الصحوِ والمنامْ.
صورة الغلاف © زينب جعفر، أطفال على الدوار، مدينة سنار، ٢٠١٨
العودة إلى سنار
شعر: د. محمد عبد الحي
تُعتبر قصيدة "العودة إلى سنار"، للشاعر الكبير الدكتور محمد عبد الحي، من أهم القصائد التي ناقشت قضيّة الهويّة السودانية، وقد كانت مركزيّةً من ضمن تكوينات تيار "الغابة والصحراء" الذي انطلقت بداياته في ستينيات القرن الماضي، وقد ساهمت مجموعة من الشعراء الكبار في تكوين هذه الحركة الشعريّة والثقافية، من أبرزهم الشعراء: النور عثمان أبكر، ومحمد المكي إبراهيم، دكتور يوسف عيدابي وعبد الله شابو.
اخترنا لكم القصيدة من بين القصائد التي كُتبت عن مدن وممالك سودانيّة قديمة، وتعود إلى العام ١٩٦٣م، وتُعتبر كذلك من القصائد الرائدة ضمن تيارات الشعر الحديث في السودان وفي البلدان الكاتبة والقارئة باللغة العربيّة.
مقتطف من القصيدة
الليلة يستقبلني أهلي:
أرواح جدودي تخرج من
فضَّة أحلام النّهر، ومن
ليل الأسماءْ
تتقمص أجساد الأطفالْ.
تنفخ في رئةِ المدّاحِ
وتضرب بالساعد
عبر ذراع الطبّالْ.
الليلة يستقبلني أهلي:
أهدوني مسبحةً من أسنان الموتى
إبريقاً جمجمةً،
مصلاة من جلد الجاموسْ
رمزاً يلمع بين النخلة والأبنوسْ
لغةً تطلعُ مثلَ الرّمحْ
من جسد الأرضِ
وعبَر سماء الجُرحْ.
الليلة يستقبلني أهلي.
وكانت الغابة والصحراءْ
امرأةً عاريةً تنامْ
على سرير البرقِ في انتظارِ
ثورها الإلهي الذي يزور في الظلامْ.
وكان أفق الوجه والقناع شكلاً واحداً.
يزهر في سلطنة البراءة
وحمأ البداءةْ
على حدودِ النورِ والظلمةِ بين الصحوِ والمنامْ.
صورة الغلاف © زينب جعفر، أطفال على الدوار، مدينة سنار، ٢٠١٨

العودة إلى سنار
شعر: د. محمد عبد الحي
تُعتبر قصيدة "العودة إلى سنار"، للشاعر الكبير الدكتور محمد عبد الحي، من أهم القصائد التي ناقشت قضيّة الهويّة السودانية، وقد كانت مركزيّةً من ضمن تكوينات تيار "الغابة والصحراء" الذي انطلقت بداياته في ستينيات القرن الماضي، وقد ساهمت مجموعة من الشعراء الكبار في تكوين هذه الحركة الشعريّة والثقافية، من أبرزهم الشعراء: النور عثمان أبكر، ومحمد المكي إبراهيم، دكتور يوسف عيدابي وعبد الله شابو.
اخترنا لكم القصيدة من بين القصائد التي كُتبت عن مدن وممالك سودانيّة قديمة، وتعود إلى العام ١٩٦٣م، وتُعتبر كذلك من القصائد الرائدة ضمن تيارات الشعر الحديث في السودان وفي البلدان الكاتبة والقارئة باللغة العربيّة.
مقتطف من القصيدة
الليلة يستقبلني أهلي:
أرواح جدودي تخرج من
فضَّة أحلام النّهر، ومن
ليل الأسماءْ
تتقمص أجساد الأطفالْ.
تنفخ في رئةِ المدّاحِ
وتضرب بالساعد
عبر ذراع الطبّالْ.
الليلة يستقبلني أهلي:
أهدوني مسبحةً من أسنان الموتى
إبريقاً جمجمةً،
مصلاة من جلد الجاموسْ
رمزاً يلمع بين النخلة والأبنوسْ
لغةً تطلعُ مثلَ الرّمحْ
من جسد الأرضِ
وعبَر سماء الجُرحْ.
الليلة يستقبلني أهلي.
وكانت الغابة والصحراءْ
امرأةً عاريةً تنامْ
على سرير البرقِ في انتظارِ
ثورها الإلهي الذي يزور في الظلامْ.
وكان أفق الوجه والقناع شكلاً واحداً.
يزهر في سلطنة البراءة
وحمأ البداءةْ
على حدودِ النورِ والظلمةِ بين الصحوِ والمنامْ.
صورة الغلاف © زينب جعفر، أطفال على الدوار، مدينة سنار، ٢٠١٨

الحق في الفضاء العام

الحق في الفضاء العام
عمل على إنتاج الحلقة كل من:
بحث وإنتاج: المزن محمد الحسن، مي أبو صالح، و زينب عثمان.
تقديم وتصميم بوستر: عزة محمد.
تحرير: المزن محمد الحسن، مي أبو صالح، زينب عثمان، و حسام هلالي.
موسيقى: الزين ستوديو.
ميكساج: طارق سليمان.
إدارة: زينب عثمان.
معدات ومساعدة تقنية: المصطبة TV
تم التسجيل باستديو
404 Creative Design
الفضاءات العامة رئة تنفُّس في مدينة مزدحمة ومتمدّدة باطّراد كالخرطوم. خلال الثلاثين عاماً الماضية يمكن تلخيص سياسات السُلطة تجاه المساحات العامة واستخدامها في ثلاث كلمات تقريباً؛ الخصخصة، تضييق الاستخدام وتغيير الغرض. نتج عن ذلك تآكل البنية التحتية لمدينة الخرطوم من الميادين والساحات العامة، خاصة خلال سنوات الإنقاذ. يصحو الناس يوماً بعد يوم، ليجدوا هذه الحديقة أو ذاك الميدان العام بِيع لمستثمر ما أو أُجِّر له لسنوات عديدة، وسُرعان ما ترتفع الأسوار حوله، وتُغلَق البوابات دونه، ويضيق الفضاء العام شيئاً فشيئاً.
في هذا المقال، نلقي نظرة على بعض المساحات العامة النشِطة التي نشأت عفوياً بلا تخطيط، ومصير تلك المخطّطة منها. نستكشف دور المساحات العامة في الحياة السياسية للبلاد، ثم نستعرض دور سياسات الخصخصة في خسارة المكان العام بالنظر إلى بعض الأمثلة، و إلى الجانب القانوني لهذه الحملة المُمنهجة لتجريد المدينة من مساحاتها العامة.
يبدأ الفضاء العام فعلياً عند عتبة البيت، "المصطبة" أي الجزء المرتفع قليلاً أمام المنزل، التي تمثِّل مسرحاً للعديد من الأنشطة الاجتماعية، مثل لعب الأطفال أو إفطار رمضان، كثيراً ما تُصمَّم وتبنى مع البيت كامتداد طبيعي له. لكن تركيزنا سينصَبُّ على مستوًى أشمل، على الساحات و الميادين والحدائق العامة، و لنبدأ أولاً بتلك التي تشكّلت تلقائياً بلا تخطيط.
لعل ميدان أتني، على صِغر مساحته وغرابة أصله، وحقيقة أنه ليس مساحة عامة بالمعنى التقني للكلمة، يُعَدُّ واحداً من أكثر الساحات العامة شهرةً، خاصة في السنوات الأخيرة. كما أن لرواده وطبيعة النشاطات فيه صورة خاصة في المخيال الجمعي. جزء كبير من هذه الشهرة الأخيرة يمكن أن يُعزى إلى معرض "مفروش" للكتب المستعملة، الذي انتظم خلال الأعوام ما بين ٢٠١٢ و٢٠١٥ قبل أن تعرقِل السُلطات إقامته.
أتني، كمساحة عامة، وليد الصدفة، أو لعبت الصدفة أثراً كبيراً في وجوده، إذ أن الميدان نفسه ليس ميداناً عاماً، إنما جزء من عقار تملكه عائلة أبو العِلا، تم بناؤه في فترة الاستقلال. العقار الذي صمّمه ن.ستيفانيس يضُم خمسة مبان مكتبية، ويقع في تقاطع شارعيْ القصر والجمهورية، أحد أكثر تقاطعات المدينة نشاطاً، مما جعل الوصول إليه سهلاً من معظم نواحي منطقة وسط الخرطوم. بُنيت أربعة مبانٍ من بين المباني المصممة، بينما بقيت مساحة المبنى الأخير في الوسط خالية إلا من رؤوس الأعمدة ومدخل ومخرج لموقف السيارات في القبو، وهذه هي المساحة التى تحوّلت لاحقاً إلى ساحة أتني. هذا التمركز الوسطي جعل الساحة "مُحتضَنة" بين بقية المباني، و أعطاها نوعاً من الانفصال عن إزعاج الشوارع المحيطة. بقية المباني ترمي بظلها على الميدان منذ الظهيرة، مما جعل استخدامه ممكناً في تلك الأوقات، على عكس ميادين أو ساحات عامة أخرى تكون مشمسة أغلب النهار. فوق هذا كله، فالميدان مُحاط من ثلاث جهات بمحلات تجارية وحوانيت مفتوحة على فرندات، مما يجعله مأهولاً طوال اليوم بدون أن يزدحم.

ربما كانت طبيعة المِلكيّة الخاصة لأتني هي ميزته الأعظم؛ إذ قلَّلَت من قدرة الحكومة –أو الحكومات- على التصرُّف فيه أو تقييد استخدامه. و هذه من المفارقات الغريبة؛ أن تبعية أتني للقطاع الخاص هي ما يحمي استخدامه العام من التغوّل الحكومي! و تصبح هذه المفارقة جليّة بالنظر إلى قصة معرض مفروش.
أُقيمت أول فعالية لمفروش في مايو ٢٠١٢ بمبادرة من جماعة عَمَل الثقافية، في الميدان الذي تم اختياره لرمزيته، إذ كان مكان التقاء المثقّفين لعُقود. المعرض يقوم على فكرة بسيطة، في أول ثلاثاء من كل شهر يفترش الأرض حوالى عشرين إلى خمسين بائعاً للكتب "فراشاً"، لعرض بضاعتهم من الكتب، قديمة كانت أم مستعملة أو جديدة أو نادرة أو ممنوعة، والمعاملات تكون إما بالبيع أو التبادل. كان المعرض يستقطب مئات الروّاد من مختَلَف الفئات والأجيال، كما كان مكاناً للالتقاء بالأصدقاء والنقاش، في فترة تمتد لساعات منذ بدايات المساء وحتى الساعة التاسعة. لم يقتصر المعرض على
الكتب فقط، إذ كانت تُعرض به المشغولات اليدوية، وربما صاحبته عروض موسيقية من حين لآخر.
لم يكن المعرض مدعوماً من أي مؤسسة حكومية ولم يشكِّل هذا أيّ مشكلة في أول عامين من عمره، لكن المضايقات بدأت في إثر التقييد والقمع الذي تلا هبة سبتمبر ٢٠١٣. مُنِع المنظِّمون من إقامة المعرض عبر حبسهم في سلسلة من الإجراءات البيروقراطية بحجّة أن عليهم تسليم قائمة بجميع عناوين الكتب التى ستُعرض، الأمر الذي يُعَدُّ ضرباً من المستحيل لمعرض يقوم أساساً على تبادل رواده لكتبهم المستعمَلة بحُرٍّيّة. وبعد توقُّف دام لعدة سنوات عاد مفروش إلى ساحة اعتصام القيادة ثم أصبح لاحقاً يُقام في ساحة المتحف القومي.

خَلَقَ مفروش مساحة للثقافة في وقت كانت تزداد فيه القيود المفروضة عليها، وتضيق المساحات المفتوحة للعمل العام. وعندما تعذَّر على السلطات التخلُّص من الميدان ببيعه أو منع النشاط العام فيه كما يحدث عادة مع الميادين العامة؛ عمدت إلى التخلص منه عبر ثُقب البيروقراطية الأسود. ولايبدو أن المشكلة كانت في أتني أو في مفروش نفسه بقدر ما كانت المساحة الحرة التي وفّرها، والتي تَرَى فيها السلطة الديكتاتورية سرطاناً لابد من استئصاله.
المساحة الأخرى في الخرطوم التي يُمكن اعتبارها وليدة الصدفة هي شارع النيل، الذي تحوَّل تدريجياً إلى مُتَنفَّس مهم يحتضن المئات من أصحاب الأعمال الصغيرة المُعتمِدين على وجوده كمساحة عامة يرتادها جميع سكان المدينة. بدأ نمط خصخصة الواجهة النهرية عبر بيعها للاستثمار الخاص يظهر في الجزء الشرقي من الشارع. بين جِسرِيّ القوات المسلحة والمنشية، يمكن ملاحظة عدة منشآت ومرافق خاصة مثل النادي الوطني أو صالات الأفراح. نمط التغوُّل على المساحات العامة الذي يتشكَّل في هذا الجزء من شارع النيل يُعمَّد رسمياً في مخطَّط الخرطوم الهيكلي (آخر خطة حضرية للخرطوم الكبرى)، وتحديداً في مخطَّط منطقة المقرن وغابة السنط. يبدو أن هناك نزعة واضحة لتحويل المنطقة إلى غابة إسمنتية من نوع ما؛ إذ أن الخطة تنحى لرفع كثافة المنطقة وتحويلها لمنطقة أعمال مليئة بالأبراج المكتبية. معظم المساحة بين النيل الأزرق وشارع النيل ستكون خاصة، أي أن الوصول للواجهة المائية سيصبح امتيازاً وليس حقاً في مدينة تعبرها ثلاثة أنهار. فُتح عطاء للخطة التى وُضِعت بأفق خمسة وعشرين عاماً للشركات المحلية والعالمية على حد سواء عام ٢٠٠٥. لا يبدو أن مشروع كمشروع المقرن يضع في اعتباره مصير مستخدمي المكان المذكورين آنفاً، سواء أصحاب الأعمال الصغيرة أو زبائنهم من مرتادي المكان، أو حتى النسيج الحضري للمدينة.

ذكر مفروش و شارع النيل مهم لأنهما مساحتان عامتان مركزيتان إلى حد ما، ولأنهما ليستا مخطَّطَتَْين بل نَبَعَتا من حوجة الناس إليهما ونمط استخدامهم للمكان، لكن لفترة وجيزة كانت منطقة الاعتصام أمام القيادة العامة للجيش هي "الميدان" الرئيسي للمدينة. بصورة أو بأخرى كانت بها كل النشاطات التي تتوقع وجودها في ميدان عام، حيث يلتقي الأصدقاء عفوياً بعد ساعات العمل، أو تُقام بعض الفعاليات أو الحفلات الكبيرة، أو المكان الذي يلتقي فيه الناس لمجرد الوَنَس و تبادل الآراء. كل تلك الاستخدامات التى وُظِّفَت لها منطقة الاعتصام نشأت تلقائياً أثناء تواجد الناس فيه، لكن الغرض الذي كان مقصوداً لحظة وصول الجموع إليها كان لإيصال أصواتهم، كان غرضاً سياسياً بالمقام الأول.
هذه القَصْديَّة السياسية هي إحدى السمات المهمة في استخدام الفضاء العام في المدينة، فذاكرة الخرطوم مع الثورات والحِراك المدني ذاكرة عجوزة تمتد إلى ما قبل الاستقلال. من المستحيل الكتابة عن الفضاء العام في مدينة كالخرطوم بدون ذكر اللحظات التي نَقَشَت فيها آلافُ الأقدام ذاكرةً حية، ما تزال معلّقة في أرصفة و تراب وأسفلت الشوارع
ميدان عبد المنعم (سابقاً)، ونادي الأسرة حالياً، كان المسرح الأول لثورة أكتوبر ١٩٤٦ حيث شُيِّع فيه الشهيد القرشي، و المسرح الثاني الأهم كان شارع الجامعة، حيث اتجه آلاف المواطنين في الثامن والعشرين من أكتوبر تجاه القصر الجمهوري، حتى ملأت أجسادهم جميع الشوارع المحيطة به. أما شارع القصر، فقد زارته أقدام الثوار في أبريل 1985، إذ تدفَّقُوا في الثالث من أبريل على امتداد الشارع من محطة السكة الحديدية و حتى القصر نفسه. أهم مسارح ثورة ديسمبر ٢٠١٨ "القيادة" لم تكن ميداناً وإنما مجموعة من الشوارع المحيطة بالقيادة العامة لأركان الجيش، و كنقطة تجمُّع لعدد من الشوارع الرئيسية فهي إحدى مناطق المدينة المركزية.

يتبيّن لنا أنه عدا ميدان عبد المنعم، فإن معظم الحراك المدني كان في الشوارع وليس الميادين العامة. لماذا إذاً كانت معظم الأحداث السياسية الكبيرة مرتبطة بالشوارع؟ لماذا شارع الجامعة وشارع القصر وليس ميدان أبو جنزير مثلاً؟ ميادين مثل ميدان التحرير في القاهرة او ميدان تيانانمن في بكين كانت مسارح لأحداث سياسية مهمة. هل لأن الخرطوم في الأصل تفتقد للميادين العامة؟ أم أن هذه المساحات لها مشاكلها؟ ما الذي منع هذه الميادين من أن تكون مسرحاً لأحداث كتلك؟
إن استعراضاً بسيطاً لتاريخ ميادين الخرطوم المركزية مثل ميدان عبّاس سابقاً، وميداني أبي جنزير والأمم المتحدة، وميدان عبد المنعم، يمكن أن يعطي لمحة عن السبب وراء هذا. الأخيران تحديداً يُلقِيان الضوء على سياسة الخصخصة وتغيير الغرض التى انتهجتها الحكومات السابقة. إن التجلي الأعظم لسياسات الدولة المعادية لوجود فضاء عام حي وحر يظهر في ميدان عبد المنعم، الذي كان بؤرة للتجمعات المطلبية والحراك المدني في الخمسينات والستينات، ثم تراجع دوره حتى اختفى تماماً من المخيلة الجمعية.

لنستهلّ بأول ميدان خُطِّط في الخرطوم، ميدان عبّاس (المسمّى على الخديوي عباس)، كان الميدان الرئيسي لخرطوم كتشنر، وظلّ يخدم كميدان رئيسي للمدينة المتّسِعة باطّراد، يتوسطه-على نمط كثير من المدن العربية- المسجد الكبير ويحيط به السوق الرئيسي، و يقطعه شارع فكتوريا أوسع شوارع الخرطوم. مع تمدُّد المدينة بدأ الميدان يتقزَّم تدريجياً أمام زحف المباني المتطاولة حوله، حتى لم يتبقَّ من الميدان الأصل سوى ميدانيْن صغيرين هما ميدان الأمم المتحدة وميدان أبو جنزير.

سُمِّي ميدان أبو جنزير على صاحب القبر المحاط بالسلاسل الحديدية (الجنازير) الذي كان يتوسط الميدان. في السنوات الأخيرة أُحيط الميدان بأسوار، وأثناء ثورة ديسمبر كانت تتخذه القوات الأمنية كنقطة إرتكاز. كأن احتلال قوات أمنية لميدان عام كأحد أوقح مظاهر عسكرة الدولة لم يكن كافياً؛ فقد تحوَّل الميدان خلال ثورة ديسمبر إلى نقطة لتجميع المعتقلين من المواكب المركزية في منطقة وسط الخرطوم، حيث يتم توزيعهم منها إلى مراكز الاعتقال المختلفة.
أما ميدان الأمم المتحدة فكان ذا استخدامات متعددة، فالجزء الجنوبي منه كان يضُم ملعباً لكرة القدم، والجزء الشمالي به سوق لبيع الخضار يسمى سوق الزنك. صَمَد الميدان أمام التغيّرات حتى عهد نميري، ثم تحوَّل لاحقاً إلى مكتبة القُبّة الخضراء، التي هُدمت ليُبنى في موقعها أبراج الواحة. أما سرّ الاسم هنا فيرجع إلى أنه الميدان الذي كانت تُرفع فيه أعلام الأمم المتحدة.
ميدان عبد المنعم هو الميدان الرئيسي لحي الخرطوم ٣، وخطِّط على نَسَق مُغايِر تماماً لخرطوم كتشنر. فعلى عكس الشبكة المنتظمة بلا انقطاع ، فإن الخرطوم ٣ خُطِّطت حول مركز دائري يمثِّلُه ميدان عبد المنعم. في الخمسينات والستينات كان الميدان مسرحاً لأحداث مهمة في ذاكرة المدينة. أحداث امتدّ أثرها للبلاد كلها، مثل اعتصام مزارعي الجزيرة في الميدان في التاسع والعشرين من ديسمبر ١٩٥٣، حينما احتلّ خمسة وعشرون ألف مُزارعٍ من مشروع الجزيرة بأُسَرٍهٍم ميدان عبد المنعم ونجحوا في إجبار الحكومة على الاعتراف باتحادهم. شهد الميدان أيضاً اجتماع نُوّاب البرلمان في السابع عشر من نوفمبر ١٩٥٨ للتصويت على سحب الثقة من حكومة عبدالله بك خليل ، الذي حاول منعهم بتأجيل جلسة البرلمان وسَلَّم السلطة للجيش في اليوم التالي. موكب تشييع الشهيد القرشي المذكور آنفاً والذي مَثَّل بداية النهاية لحكومة عبود كان أيضاً في الميدان ، حينما حَمَل زملاء وأساتذة القرشي-الطالب بجامعة الخرطوم آنذاك- ومن انضمّ إليهم من المواطنين، جثمانه من مستشفى الخرطوم عبر شارع الاسبتالية عابِرِين جسر الحرية باتجاه حي الخرطوم ٣، حيث صَلَّوا عليه في الميدان، قبل أن يُحمَل إلى مسقط رأسه في قرية القراصَة في ولاية الجزيرة ليُدفن هناك.

تحوَّل الميدان فيما بعد إلى نادي الأُسرة، الذي سمح اتّساعُه باستيعاب مختلف الأنشطة الرياضية والاجتماعية والسياسية. كان النادي يضم ملاعب وصالات لمختلف الرياضات من بينها التنس والاسكواش والبلياردو. بالإضافة لذلك فقد كان مسرحاً للعديد من الندوات السياسية، والأهم أنه كان مقصداً للأُسر التي تسكن في الحي والأحياء المجاورة حتى بداية التسعينات. بعد ذلك بدأت السلطات في تقييد استخدامه، ثم بدأت باقتطاع أجزاء منه لاستخدامها كمقر لمنشآت حكومية أو أجهزة أمنية، كما مُنحت أجزاء من النادي للاستثمار الخاص. الهجمة الشرسة لخصخصة النادي ربما تصير مفهومة بمعرفة أن قطعة الأرض المُقام عليها النادي من بين أعلى الأراضي سعراً في الخرطوم.
من بين ما يجعل ميدان عبد المنعم سِجِلاًّ تاريخياً مهماً لفهم العلاقة بين الفضاء العام والدولة أنه: أولاً رغم أنه صُمِّم أساساً ليخدم على مستوى الحي وربما الأحياء المجاورة كما ذكرنا وليس على مستوى المدينة، لكن كما يتضح من تاريخ الميدان أنه في فترات كان يخدم مستوى أكبر من المدينة نفسها. و ثانياً أنه يكشف الإمكانيات المُهدَرَة لميادين الأحياء، كما يتضح من الفترة التي تم تطويره فيها وكان يضم نادي الأسرة. فوق هذا كله فالميدان مثال على العداء الذي تعاملت به الدولة مع المساحات العامة، خاصة خلال الثلاثين عاماً من عهد الإنقاذ. هذا العداء خلق نمطاً واضحاً يتمثَّل في الحملة الممنهجة للاستيلاء على الميادين العامة، بدءاً من مستوى ميادين المدينة الكبيرة وحتى ميادين الأحياء، بل إن حملة الاستيلاء هذه تصل إلى حد الوقاحة في الميادين الصغيرة المُوزَّعَة في الأحياء البعيدة عن عين الرقابة الشعبية.
إذاً كيف أصبحت ميادين الأحياء صيداً سهلاً لجشع الحكومات والمستثمرين؟ أولاً هنالك مسألة: كيفية بداية نمط الاستيلاء هذا؟ ثم كيف ساعد التخطيط العام للمدينة وتخطيط هذه الميادين نفسها في تسهيل استمراره؟
بحسب د. عثمان الخير، المهندس المعماري والباحث المتخصص في مجال المستوطنات البشرية، فيمكن القول بأن البذور الأولى التى ستُنبِت هذا النمط قد زُرعت خلال عهد الديكتاتورية العسكرية الأولى. خلال عهد عبود خُطِّطَت أحياء بميادين واسعة للغاية، مثل الثورات في أمدرمان. لاحقاً، خلال عهد النميري وأزماته المالية المتلاحقة التفتت الحكومة إلى تلك الميادين، التي ارتفعت قيمة أراضيها بعد أن أصبحت في وسط المدينة المتمددة. إدارة نميري بدأت باستقطاع شريط طولي من الاتجاهات الأربعة للميادين، و تقسيمه إلى قِطَع أرضي سكنية بِيعت في المزاد. بما أن تلك الميادين كانت واسعة للغاية وأكبر من حوجة تلك الأحياء، لم تكن تلك الخطوة إشكالية في ذاتها، كما هي محاولة للتحكم بالتمدُّد العمراني للمدينة الذي بدأ يخرج عن السيطرة. المعضلة أن هذه السياسة فتحت الباب على مصراعيه للاستيلاء على ميادين الأحياء.
أحد أهم العوامل التى سهلت الاستيلاء على ميادين الأحياء و جعلته أمراً تصعُب ملاحظته وبالتالي التصدِّي له، أن معظم هذه الميادين كانت مهجورة تقريباً، أرض خلاء خالية من الحياة قلّما تُستخدَم، وإن حدث فمكبّ نفايات أو طريق مختصر. هذا الهجر رجوعاً إلى د. عثمان الخير، جاء نتيجة لتركُّز الخدمات في أطراف الأحياء لتكون قريبة من الشارع الرئيسي المسفلت، مما أدّى إلى موت مركز الحي الداخلي حيث يكون الميدان عادة. هذا الهجر يبعده عن ذاكرة ساكني الحي وبالتالي يبعد عنه عين الرقابة الشعبية. بالطبع هذا وحده لا يكفي لتفسير ظاهرة تآكُل هذه الميادين، لكن إذا أُضيف لكل ما سبق قانون تخطيط فضفاض بلا حدود واضحة لسلطات الأفراد المنوط بهم تنفيذه، وبلا لوائح مفسِّرة له، تكون المعادلة قد اكتملت لتجريد الأحياء من الميادين والمدينة نفسها من المساحات العامة.
لعل إلقاء الضوء على بعض الجوانب القانونية لتخطيط واستخدام الفضاء العام، يمكن أن يعطي لمحة عن الطريقة التي كان ينظر بها النظام السابق للمساحات العامة، وإلى رمادية و مطّاطية الإجراءات البيروقراطية التي تجعل من حماية تلك المساحات صعبة وتسهِّل خصخصتها ومنحها.
بحسب سلوى أَّبَّسَام، المحامية والناشطة في عدد من منظمات المجتمع المدني، فإن القانون الحالي الذي يحكُم استخدامات الأرض وتخطيطها هو قانون التخطيط العمراني والتصرُّف في الأراضي لسنة ١٩٩٤ الذي ألغى قانون التصرّف في الأراضي لسنة ١٤٠٦هـ وقانون التخطيط العمراني لسنة ١٤٠٦هـ ،كما ألغى قانون إعادة تخطيط المدن لعام ١٩٥٠. قانون ١٩٩٤ مختَصَر وبه ٤٩ مادة فقط، ولذا فهو بحاجة لكثير من اللوائح المفسِّرة والمكمِّلة له، وهنا تبدأ مشكلات هذا القانون. لكن قبل أن نأتي على ذكر ذلك، ينبغي أن نوضِّح مَن هم الأفراد والمؤسسات المعنيون بتنفيذ هذا القانون. أولاً هنالك المجلس الأعلى للتخطيط العمراني، وهو المسؤول الأول عن وضع السياسات والخطط العامة والإشراف على تنفيذها، ثم لكل ولاية هناك وزير التخطيط العمراني ولجنة التخطيط بالولاية.
من بين صلاحيات المجلس الأعلى للتخطيط العمراني المذكورة في المادة ٨ التصديق على تغيير مجال استخدام الأرض، باستثناء الفَسَحَات والميادين العامة، حيث أُعطِيَت هذه الصلاحيات إلى الوزير ولجنة التخطيط في كل ولاية وفقاً للمادة ٩، التي تحدد صلاحيات الوزير، الذي تُسند إليه أيضاً مهمة اعتماد الخرائط الموجّهة. هذه الخرائط هي التى تُحدَّد فيها احتياجات المنطقة الخدمية واستخدامات الأرض، بما في ذلك تحديد المساحات والميادين العامة. المادة ٩ أَعطَت الوزير صلاحية التوصية بتغيير الغرض لأي مساحة عامة "متى ما اقتضت الضرورة ذلك" وأسندت مهمة إجازة أو رفض هذه التوصية إلى لجنة التخطيط في الولاية؛ أي أن اللجنة هي التي تحدِّد ما "الضرورة" التي تستدعي التغيير. ثمة تضارُب غريب في أن قرارات هذه اللجنة تُستأنف عند الوزير نفسه. للوزير أيضا صلاحية التصرُّف في الأرض بأفضلية تخصيص أي قطعة أرض لصالح جهة ما بموجب المادة 42، والتي تشمل أيضاً ضوابط لهذا التخصيص، الذي يمر بالإجراء السابق نفسه، أي أن لجنة التخطيط لها أن تُجيز أو أن ترفض هذا التخصيص.
الآن نعود إلى الجزء الإشكالي من القانون، حيث توضح د. أَّبَّسَام أن تعبيرات مثل "متى ما اقتضت الضرورة ذلك" هي تعبيرات فضفاضة ومرنة، وقابلة للتفسير على هوى السلطة التنفيذية. الوضع الأمثل هو أن أي غموض من هذه الشاكلة يتم إجلاؤه في اللوائح الفنية والتنفيذية التابِعة للقانون. فالذي كان يحدث حقيقةً أنه وخلال الثلاثين عاماً الماضية، كان هنالك توجُّه أو نزعة لتكون اللوائح متضارِبة مع القوانين التى صدرت تحتها، كما أن كثير من هذه اللوائح لا يمكن الاطّلاع عليها، إذ أنها لم تُنشَر في أي مكان. لتكتسب أي لائحة شرعية القانون وتصبح نافذة لابد أن تكون سليمة فنياً، وألّا تتضارب مع القانون المفسِّرة له ولا مع الدستور. الأهم من ذلك لابد أن تُنشَر في الجريدة الرسمية لوزارة العدل، الأمر الذي لم يكن ينطبق على اللوائح المفسِّرة لقانون التخطيط العمراني والتصرُّف في الأراضي لعام ١٩٩٤.
عدم شفافية و رمادية هذه القوانين وبالتالي الإجراءات البيروقراطية، تجعل مهمة مراقبة السلطة التنفيذية وحماية الحق العام شبه مستحيلة. كيف يمكن أن يعْلَم الناس أن تغيير استخدام هذا الميدان أو بيع هذه المساحة العامة كان مخالِفاً لقانون لا يعلمون بوجوده في المقام الأول. سياسة تغييب أصحاب المصلحة هذه ليست بجديدة على نظام الإنقاذ، بل هي التي سمحت له بالبقاء لثلاثين عاماً، وهذا التعتيم لا يقتصر على مصلحة الأراضي فقط بل يمتد إلى كامل السلطة التنفيذية.
سياسة الحكومات تجاه المساحات العامة تعكس تقديرها للفضاء العام بصفته الأشمل، واقعياً كان أم افتراضياً، كفضاء حُر لتبادل الآراء، ومجتمع مفتوح يتفاعل فيما بينه. المساحات العامة جزء أصيل من هذا التفاعل ومسرح مهم لحدوثه. غالباً ما تَنزَع الديكتاتوريات للتضييق على هذا التفاعل، مدفوعة بغريزة البقاء والدفاع الشَّرِس عن وجودها من عَواقِب هذا التفاعل، بدءاً من الاحتجاج على توجُّه أو سياسةٍ ما، وحتى الاحتجاج على وجودها نفسه. بالمقابل وكما في شعار الواشنطن بوست "فالديمقراطية تموت في الظلمة". لا يمكن للديمقراطية أن تُولَد إلا في فضاء طَلِق ومفتوح لكل أفراد المجتمع بلا استثناء، ولا يمكن أن تكون معافاة في غياب مساحات عامة تحتضن الجميع.
تصميم البوستر: عزة محمد
عمل على إنتاج الحلقة كل من:
بحث وإنتاج: المزن محمد الحسن، مي أبو صالح، و زينب عثمان.
تقديم وتصميم بوستر: عزة محمد.
تحرير: المزن محمد الحسن، مي أبو صالح، زينب عثمان، و حسام هلالي.
موسيقى: الزين ستوديو.
ميكساج: طارق سليمان.
إدارة: زينب عثمان.
معدات ومساعدة تقنية: المصطبة TV
تم التسجيل باستديو
404 Creative Design
الفضاءات العامة رئة تنفُّس في مدينة مزدحمة ومتمدّدة باطّراد كالخرطوم. خلال الثلاثين عاماً الماضية يمكن تلخيص سياسات السُلطة تجاه المساحات العامة واستخدامها في ثلاث كلمات تقريباً؛ الخصخصة، تضييق الاستخدام وتغيير الغرض. نتج عن ذلك تآكل البنية التحتية لمدينة الخرطوم من الميادين والساحات العامة، خاصة خلال سنوات الإنقاذ. يصحو الناس يوماً بعد يوم، ليجدوا هذه الحديقة أو ذاك الميدان العام بِيع لمستثمر ما أو أُجِّر له لسنوات عديدة، وسُرعان ما ترتفع الأسوار حوله، وتُغلَق البوابات دونه، ويضيق الفضاء العام شيئاً فشيئاً.
في هذا المقال، نلقي نظرة على بعض المساحات العامة النشِطة التي نشأت عفوياً بلا تخطيط، ومصير تلك المخطّطة منها. نستكشف دور المساحات العامة في الحياة السياسية للبلاد، ثم نستعرض دور سياسات الخصخصة في خسارة المكان العام بالنظر إلى بعض الأمثلة، و إلى الجانب القانوني لهذه الحملة المُمنهجة لتجريد المدينة من مساحاتها العامة.
يبدأ الفضاء العام فعلياً عند عتبة البيت، "المصطبة" أي الجزء المرتفع قليلاً أمام المنزل، التي تمثِّل مسرحاً للعديد من الأنشطة الاجتماعية، مثل لعب الأطفال أو إفطار رمضان، كثيراً ما تُصمَّم وتبنى مع البيت كامتداد طبيعي له. لكن تركيزنا سينصَبُّ على مستوًى أشمل، على الساحات و الميادين والحدائق العامة، و لنبدأ أولاً بتلك التي تشكّلت تلقائياً بلا تخطيط.
لعل ميدان أتني، على صِغر مساحته وغرابة أصله، وحقيقة أنه ليس مساحة عامة بالمعنى التقني للكلمة، يُعَدُّ واحداً من أكثر الساحات العامة شهرةً، خاصة في السنوات الأخيرة. كما أن لرواده وطبيعة النشاطات فيه صورة خاصة في المخيال الجمعي. جزء كبير من هذه الشهرة الأخيرة يمكن أن يُعزى إلى معرض "مفروش" للكتب المستعملة، الذي انتظم خلال الأعوام ما بين ٢٠١٢ و٢٠١٥ قبل أن تعرقِل السُلطات إقامته.
أتني، كمساحة عامة، وليد الصدفة، أو لعبت الصدفة أثراً كبيراً في وجوده، إذ أن الميدان نفسه ليس ميداناً عاماً، إنما جزء من عقار تملكه عائلة أبو العِلا، تم بناؤه في فترة الاستقلال. العقار الذي صمّمه ن.ستيفانيس يضُم خمسة مبان مكتبية، ويقع في تقاطع شارعيْ القصر والجمهورية، أحد أكثر تقاطعات المدينة نشاطاً، مما جعل الوصول إليه سهلاً من معظم نواحي منطقة وسط الخرطوم. بُنيت أربعة مبانٍ من بين المباني المصممة، بينما بقيت مساحة المبنى الأخير في الوسط خالية إلا من رؤوس الأعمدة ومدخل ومخرج لموقف السيارات في القبو، وهذه هي المساحة التى تحوّلت لاحقاً إلى ساحة أتني. هذا التمركز الوسطي جعل الساحة "مُحتضَنة" بين بقية المباني، و أعطاها نوعاً من الانفصال عن إزعاج الشوارع المحيطة. بقية المباني ترمي بظلها على الميدان منذ الظهيرة، مما جعل استخدامه ممكناً في تلك الأوقات، على عكس ميادين أو ساحات عامة أخرى تكون مشمسة أغلب النهار. فوق هذا كله، فالميدان مُحاط من ثلاث جهات بمحلات تجارية وحوانيت مفتوحة على فرندات، مما يجعله مأهولاً طوال اليوم بدون أن يزدحم.

ربما كانت طبيعة المِلكيّة الخاصة لأتني هي ميزته الأعظم؛ إذ قلَّلَت من قدرة الحكومة –أو الحكومات- على التصرُّف فيه أو تقييد استخدامه. و هذه من المفارقات الغريبة؛ أن تبعية أتني للقطاع الخاص هي ما يحمي استخدامه العام من التغوّل الحكومي! و تصبح هذه المفارقة جليّة بالنظر إلى قصة معرض مفروش.
أُقيمت أول فعالية لمفروش في مايو ٢٠١٢ بمبادرة من جماعة عَمَل الثقافية، في الميدان الذي تم اختياره لرمزيته، إذ كان مكان التقاء المثقّفين لعُقود. المعرض يقوم على فكرة بسيطة، في أول ثلاثاء من كل شهر يفترش الأرض حوالى عشرين إلى خمسين بائعاً للكتب "فراشاً"، لعرض بضاعتهم من الكتب، قديمة كانت أم مستعملة أو جديدة أو نادرة أو ممنوعة، والمعاملات تكون إما بالبيع أو التبادل. كان المعرض يستقطب مئات الروّاد من مختَلَف الفئات والأجيال، كما كان مكاناً للالتقاء بالأصدقاء والنقاش، في فترة تمتد لساعات منذ بدايات المساء وحتى الساعة التاسعة. لم يقتصر المعرض على
الكتب فقط، إذ كانت تُعرض به المشغولات اليدوية، وربما صاحبته عروض موسيقية من حين لآخر.
لم يكن المعرض مدعوماً من أي مؤسسة حكومية ولم يشكِّل هذا أيّ مشكلة في أول عامين من عمره، لكن المضايقات بدأت في إثر التقييد والقمع الذي تلا هبة سبتمبر ٢٠١٣. مُنِع المنظِّمون من إقامة المعرض عبر حبسهم في سلسلة من الإجراءات البيروقراطية بحجّة أن عليهم تسليم قائمة بجميع عناوين الكتب التى ستُعرض، الأمر الذي يُعَدُّ ضرباً من المستحيل لمعرض يقوم أساساً على تبادل رواده لكتبهم المستعمَلة بحُرٍّيّة. وبعد توقُّف دام لعدة سنوات عاد مفروش إلى ساحة اعتصام القيادة ثم أصبح لاحقاً يُقام في ساحة المتحف القومي.

خَلَقَ مفروش مساحة للثقافة في وقت كانت تزداد فيه القيود المفروضة عليها، وتضيق المساحات المفتوحة للعمل العام. وعندما تعذَّر على السلطات التخلُّص من الميدان ببيعه أو منع النشاط العام فيه كما يحدث عادة مع الميادين العامة؛ عمدت إلى التخلص منه عبر ثُقب البيروقراطية الأسود. ولايبدو أن المشكلة كانت في أتني أو في مفروش نفسه بقدر ما كانت المساحة الحرة التي وفّرها، والتي تَرَى فيها السلطة الديكتاتورية سرطاناً لابد من استئصاله.
المساحة الأخرى في الخرطوم التي يُمكن اعتبارها وليدة الصدفة هي شارع النيل، الذي تحوَّل تدريجياً إلى مُتَنفَّس مهم يحتضن المئات من أصحاب الأعمال الصغيرة المُعتمِدين على وجوده كمساحة عامة يرتادها جميع سكان المدينة. بدأ نمط خصخصة الواجهة النهرية عبر بيعها للاستثمار الخاص يظهر في الجزء الشرقي من الشارع. بين جِسرِيّ القوات المسلحة والمنشية، يمكن ملاحظة عدة منشآت ومرافق خاصة مثل النادي الوطني أو صالات الأفراح. نمط التغوُّل على المساحات العامة الذي يتشكَّل في هذا الجزء من شارع النيل يُعمَّد رسمياً في مخطَّط الخرطوم الهيكلي (آخر خطة حضرية للخرطوم الكبرى)، وتحديداً في مخطَّط منطقة المقرن وغابة السنط. يبدو أن هناك نزعة واضحة لتحويل المنطقة إلى غابة إسمنتية من نوع ما؛ إذ أن الخطة تنحى لرفع كثافة المنطقة وتحويلها لمنطقة أعمال مليئة بالأبراج المكتبية. معظم المساحة بين النيل الأزرق وشارع النيل ستكون خاصة، أي أن الوصول للواجهة المائية سيصبح امتيازاً وليس حقاً في مدينة تعبرها ثلاثة أنهار. فُتح عطاء للخطة التى وُضِعت بأفق خمسة وعشرين عاماً للشركات المحلية والعالمية على حد سواء عام ٢٠٠٥. لا يبدو أن مشروع كمشروع المقرن يضع في اعتباره مصير مستخدمي المكان المذكورين آنفاً، سواء أصحاب الأعمال الصغيرة أو زبائنهم من مرتادي المكان، أو حتى النسيج الحضري للمدينة.

ذكر مفروش و شارع النيل مهم لأنهما مساحتان عامتان مركزيتان إلى حد ما، ولأنهما ليستا مخطَّطَتَْين بل نَبَعَتا من حوجة الناس إليهما ونمط استخدامهم للمكان، لكن لفترة وجيزة كانت منطقة الاعتصام أمام القيادة العامة للجيش هي "الميدان" الرئيسي للمدينة. بصورة أو بأخرى كانت بها كل النشاطات التي تتوقع وجودها في ميدان عام، حيث يلتقي الأصدقاء عفوياً بعد ساعات العمل، أو تُقام بعض الفعاليات أو الحفلات الكبيرة، أو المكان الذي يلتقي فيه الناس لمجرد الوَنَس و تبادل الآراء. كل تلك الاستخدامات التى وُظِّفَت لها منطقة الاعتصام نشأت تلقائياً أثناء تواجد الناس فيه، لكن الغرض الذي كان مقصوداً لحظة وصول الجموع إليها كان لإيصال أصواتهم، كان غرضاً سياسياً بالمقام الأول.
هذه القَصْديَّة السياسية هي إحدى السمات المهمة في استخدام الفضاء العام في المدينة، فذاكرة الخرطوم مع الثورات والحِراك المدني ذاكرة عجوزة تمتد إلى ما قبل الاستقلال. من المستحيل الكتابة عن الفضاء العام في مدينة كالخرطوم بدون ذكر اللحظات التي نَقَشَت فيها آلافُ الأقدام ذاكرةً حية، ما تزال معلّقة في أرصفة و تراب وأسفلت الشوارع
ميدان عبد المنعم (سابقاً)، ونادي الأسرة حالياً، كان المسرح الأول لثورة أكتوبر ١٩٤٦ حيث شُيِّع فيه الشهيد القرشي، و المسرح الثاني الأهم كان شارع الجامعة، حيث اتجه آلاف المواطنين في الثامن والعشرين من أكتوبر تجاه القصر الجمهوري، حتى ملأت أجسادهم جميع الشوارع المحيطة به. أما شارع القصر، فقد زارته أقدام الثوار في أبريل 1985، إذ تدفَّقُوا في الثالث من أبريل على امتداد الشارع من محطة السكة الحديدية و حتى القصر نفسه. أهم مسارح ثورة ديسمبر ٢٠١٨ "القيادة" لم تكن ميداناً وإنما مجموعة من الشوارع المحيطة بالقيادة العامة لأركان الجيش، و كنقطة تجمُّع لعدد من الشوارع الرئيسية فهي إحدى مناطق المدينة المركزية.

يتبيّن لنا أنه عدا ميدان عبد المنعم، فإن معظم الحراك المدني كان في الشوارع وليس الميادين العامة. لماذا إذاً كانت معظم الأحداث السياسية الكبيرة مرتبطة بالشوارع؟ لماذا شارع الجامعة وشارع القصر وليس ميدان أبو جنزير مثلاً؟ ميادين مثل ميدان التحرير في القاهرة او ميدان تيانانمن في بكين كانت مسارح لأحداث سياسية مهمة. هل لأن الخرطوم في الأصل تفتقد للميادين العامة؟ أم أن هذه المساحات لها مشاكلها؟ ما الذي منع هذه الميادين من أن تكون مسرحاً لأحداث كتلك؟
إن استعراضاً بسيطاً لتاريخ ميادين الخرطوم المركزية مثل ميدان عبّاس سابقاً، وميداني أبي جنزير والأمم المتحدة، وميدان عبد المنعم، يمكن أن يعطي لمحة عن السبب وراء هذا. الأخيران تحديداً يُلقِيان الضوء على سياسة الخصخصة وتغيير الغرض التى انتهجتها الحكومات السابقة. إن التجلي الأعظم لسياسات الدولة المعادية لوجود فضاء عام حي وحر يظهر في ميدان عبد المنعم، الذي كان بؤرة للتجمعات المطلبية والحراك المدني في الخمسينات والستينات، ثم تراجع دوره حتى اختفى تماماً من المخيلة الجمعية.

لنستهلّ بأول ميدان خُطِّط في الخرطوم، ميدان عبّاس (المسمّى على الخديوي عباس)، كان الميدان الرئيسي لخرطوم كتشنر، وظلّ يخدم كميدان رئيسي للمدينة المتّسِعة باطّراد، يتوسطه-على نمط كثير من المدن العربية- المسجد الكبير ويحيط به السوق الرئيسي، و يقطعه شارع فكتوريا أوسع شوارع الخرطوم. مع تمدُّد المدينة بدأ الميدان يتقزَّم تدريجياً أمام زحف المباني المتطاولة حوله، حتى لم يتبقَّ من الميدان الأصل سوى ميدانيْن صغيرين هما ميدان الأمم المتحدة وميدان أبو جنزير.

سُمِّي ميدان أبو جنزير على صاحب القبر المحاط بالسلاسل الحديدية (الجنازير) الذي كان يتوسط الميدان. في السنوات الأخيرة أُحيط الميدان بأسوار، وأثناء ثورة ديسمبر كانت تتخذه القوات الأمنية كنقطة إرتكاز. كأن احتلال قوات أمنية لميدان عام كأحد أوقح مظاهر عسكرة الدولة لم يكن كافياً؛ فقد تحوَّل الميدان خلال ثورة ديسمبر إلى نقطة لتجميع المعتقلين من المواكب المركزية في منطقة وسط الخرطوم، حيث يتم توزيعهم منها إلى مراكز الاعتقال المختلفة.
أما ميدان الأمم المتحدة فكان ذا استخدامات متعددة، فالجزء الجنوبي منه كان يضُم ملعباً لكرة القدم، والجزء الشمالي به سوق لبيع الخضار يسمى سوق الزنك. صَمَد الميدان أمام التغيّرات حتى عهد نميري، ثم تحوَّل لاحقاً إلى مكتبة القُبّة الخضراء، التي هُدمت ليُبنى في موقعها أبراج الواحة. أما سرّ الاسم هنا فيرجع إلى أنه الميدان الذي كانت تُرفع فيه أعلام الأمم المتحدة.
ميدان عبد المنعم هو الميدان الرئيسي لحي الخرطوم ٣، وخطِّط على نَسَق مُغايِر تماماً لخرطوم كتشنر. فعلى عكس الشبكة المنتظمة بلا انقطاع ، فإن الخرطوم ٣ خُطِّطت حول مركز دائري يمثِّلُه ميدان عبد المنعم. في الخمسينات والستينات كان الميدان مسرحاً لأحداث مهمة في ذاكرة المدينة. أحداث امتدّ أثرها للبلاد كلها، مثل اعتصام مزارعي الجزيرة في الميدان في التاسع والعشرين من ديسمبر ١٩٥٣، حينما احتلّ خمسة وعشرون ألف مُزارعٍ من مشروع الجزيرة بأُسَرٍهٍم ميدان عبد المنعم ونجحوا في إجبار الحكومة على الاعتراف باتحادهم. شهد الميدان أيضاً اجتماع نُوّاب البرلمان في السابع عشر من نوفمبر ١٩٥٨ للتصويت على سحب الثقة من حكومة عبدالله بك خليل ، الذي حاول منعهم بتأجيل جلسة البرلمان وسَلَّم السلطة للجيش في اليوم التالي. موكب تشييع الشهيد القرشي المذكور آنفاً والذي مَثَّل بداية النهاية لحكومة عبود كان أيضاً في الميدان ، حينما حَمَل زملاء وأساتذة القرشي-الطالب بجامعة الخرطوم آنذاك- ومن انضمّ إليهم من المواطنين، جثمانه من مستشفى الخرطوم عبر شارع الاسبتالية عابِرِين جسر الحرية باتجاه حي الخرطوم ٣، حيث صَلَّوا عليه في الميدان، قبل أن يُحمَل إلى مسقط رأسه في قرية القراصَة في ولاية الجزيرة ليُدفن هناك.

تحوَّل الميدان فيما بعد إلى نادي الأُسرة، الذي سمح اتّساعُه باستيعاب مختلف الأنشطة الرياضية والاجتماعية والسياسية. كان النادي يضم ملاعب وصالات لمختلف الرياضات من بينها التنس والاسكواش والبلياردو. بالإضافة لذلك فقد كان مسرحاً للعديد من الندوات السياسية، والأهم أنه كان مقصداً للأُسر التي تسكن في الحي والأحياء المجاورة حتى بداية التسعينات. بعد ذلك بدأت السلطات في تقييد استخدامه، ثم بدأت باقتطاع أجزاء منه لاستخدامها كمقر لمنشآت حكومية أو أجهزة أمنية، كما مُنحت أجزاء من النادي للاستثمار الخاص. الهجمة الشرسة لخصخصة النادي ربما تصير مفهومة بمعرفة أن قطعة الأرض المُقام عليها النادي من بين أعلى الأراضي سعراً في الخرطوم.
من بين ما يجعل ميدان عبد المنعم سِجِلاًّ تاريخياً مهماً لفهم العلاقة بين الفضاء العام والدولة أنه: أولاً رغم أنه صُمِّم أساساً ليخدم على مستوى الحي وربما الأحياء المجاورة كما ذكرنا وليس على مستوى المدينة، لكن كما يتضح من تاريخ الميدان أنه في فترات كان يخدم مستوى أكبر من المدينة نفسها. و ثانياً أنه يكشف الإمكانيات المُهدَرَة لميادين الأحياء، كما يتضح من الفترة التي تم تطويره فيها وكان يضم نادي الأسرة. فوق هذا كله فالميدان مثال على العداء الذي تعاملت به الدولة مع المساحات العامة، خاصة خلال الثلاثين عاماً من عهد الإنقاذ. هذا العداء خلق نمطاً واضحاً يتمثَّل في الحملة الممنهجة للاستيلاء على الميادين العامة، بدءاً من مستوى ميادين المدينة الكبيرة وحتى ميادين الأحياء، بل إن حملة الاستيلاء هذه تصل إلى حد الوقاحة في الميادين الصغيرة المُوزَّعَة في الأحياء البعيدة عن عين الرقابة الشعبية.
إذاً كيف أصبحت ميادين الأحياء صيداً سهلاً لجشع الحكومات والمستثمرين؟ أولاً هنالك مسألة: كيفية بداية نمط الاستيلاء هذا؟ ثم كيف ساعد التخطيط العام للمدينة وتخطيط هذه الميادين نفسها في تسهيل استمراره؟
بحسب د. عثمان الخير، المهندس المعماري والباحث المتخصص في مجال المستوطنات البشرية، فيمكن القول بأن البذور الأولى التى ستُنبِت هذا النمط قد زُرعت خلال عهد الديكتاتورية العسكرية الأولى. خلال عهد عبود خُطِّطَت أحياء بميادين واسعة للغاية، مثل الثورات في أمدرمان. لاحقاً، خلال عهد النميري وأزماته المالية المتلاحقة التفتت الحكومة إلى تلك الميادين، التي ارتفعت قيمة أراضيها بعد أن أصبحت في وسط المدينة المتمددة. إدارة نميري بدأت باستقطاع شريط طولي من الاتجاهات الأربعة للميادين، و تقسيمه إلى قِطَع أرضي سكنية بِيعت في المزاد. بما أن تلك الميادين كانت واسعة للغاية وأكبر من حوجة تلك الأحياء، لم تكن تلك الخطوة إشكالية في ذاتها، كما هي محاولة للتحكم بالتمدُّد العمراني للمدينة الذي بدأ يخرج عن السيطرة. المعضلة أن هذه السياسة فتحت الباب على مصراعيه للاستيلاء على ميادين الأحياء.
أحد أهم العوامل التى سهلت الاستيلاء على ميادين الأحياء و جعلته أمراً تصعُب ملاحظته وبالتالي التصدِّي له، أن معظم هذه الميادين كانت مهجورة تقريباً، أرض خلاء خالية من الحياة قلّما تُستخدَم، وإن حدث فمكبّ نفايات أو طريق مختصر. هذا الهجر رجوعاً إلى د. عثمان الخير، جاء نتيجة لتركُّز الخدمات في أطراف الأحياء لتكون قريبة من الشارع الرئيسي المسفلت، مما أدّى إلى موت مركز الحي الداخلي حيث يكون الميدان عادة. هذا الهجر يبعده عن ذاكرة ساكني الحي وبالتالي يبعد عنه عين الرقابة الشعبية. بالطبع هذا وحده لا يكفي لتفسير ظاهرة تآكُل هذه الميادين، لكن إذا أُضيف لكل ما سبق قانون تخطيط فضفاض بلا حدود واضحة لسلطات الأفراد المنوط بهم تنفيذه، وبلا لوائح مفسِّرة له، تكون المعادلة قد اكتملت لتجريد الأحياء من الميادين والمدينة نفسها من المساحات العامة.
لعل إلقاء الضوء على بعض الجوانب القانونية لتخطيط واستخدام الفضاء العام، يمكن أن يعطي لمحة عن الطريقة التي كان ينظر بها النظام السابق للمساحات العامة، وإلى رمادية و مطّاطية الإجراءات البيروقراطية التي تجعل من حماية تلك المساحات صعبة وتسهِّل خصخصتها ومنحها.
بحسب سلوى أَّبَّسَام، المحامية والناشطة في عدد من منظمات المجتمع المدني، فإن القانون الحالي الذي يحكُم استخدامات الأرض وتخطيطها هو قانون التخطيط العمراني والتصرُّف في الأراضي لسنة ١٩٩٤ الذي ألغى قانون التصرّف في الأراضي لسنة ١٤٠٦هـ وقانون التخطيط العمراني لسنة ١٤٠٦هـ ،كما ألغى قانون إعادة تخطيط المدن لعام ١٩٥٠. قانون ١٩٩٤ مختَصَر وبه ٤٩ مادة فقط، ولذا فهو بحاجة لكثير من اللوائح المفسِّرة والمكمِّلة له، وهنا تبدأ مشكلات هذا القانون. لكن قبل أن نأتي على ذكر ذلك، ينبغي أن نوضِّح مَن هم الأفراد والمؤسسات المعنيون بتنفيذ هذا القانون. أولاً هنالك المجلس الأعلى للتخطيط العمراني، وهو المسؤول الأول عن وضع السياسات والخطط العامة والإشراف على تنفيذها، ثم لكل ولاية هناك وزير التخطيط العمراني ولجنة التخطيط بالولاية.
من بين صلاحيات المجلس الأعلى للتخطيط العمراني المذكورة في المادة ٨ التصديق على تغيير مجال استخدام الأرض، باستثناء الفَسَحَات والميادين العامة، حيث أُعطِيَت هذه الصلاحيات إلى الوزير ولجنة التخطيط في كل ولاية وفقاً للمادة ٩، التي تحدد صلاحيات الوزير، الذي تُسند إليه أيضاً مهمة اعتماد الخرائط الموجّهة. هذه الخرائط هي التى تُحدَّد فيها احتياجات المنطقة الخدمية واستخدامات الأرض، بما في ذلك تحديد المساحات والميادين العامة. المادة ٩ أَعطَت الوزير صلاحية التوصية بتغيير الغرض لأي مساحة عامة "متى ما اقتضت الضرورة ذلك" وأسندت مهمة إجازة أو رفض هذه التوصية إلى لجنة التخطيط في الولاية؛ أي أن اللجنة هي التي تحدِّد ما "الضرورة" التي تستدعي التغيير. ثمة تضارُب غريب في أن قرارات هذه اللجنة تُستأنف عند الوزير نفسه. للوزير أيضا صلاحية التصرُّف في الأرض بأفضلية تخصيص أي قطعة أرض لصالح جهة ما بموجب المادة 42، والتي تشمل أيضاً ضوابط لهذا التخصيص، الذي يمر بالإجراء السابق نفسه، أي أن لجنة التخطيط لها أن تُجيز أو أن ترفض هذا التخصيص.
الآن نعود إلى الجزء الإشكالي من القانون، حيث توضح د. أَّبَّسَام أن تعبيرات مثل "متى ما اقتضت الضرورة ذلك" هي تعبيرات فضفاضة ومرنة، وقابلة للتفسير على هوى السلطة التنفيذية. الوضع الأمثل هو أن أي غموض من هذه الشاكلة يتم إجلاؤه في اللوائح الفنية والتنفيذية التابِعة للقانون. فالذي كان يحدث حقيقةً أنه وخلال الثلاثين عاماً الماضية، كان هنالك توجُّه أو نزعة لتكون اللوائح متضارِبة مع القوانين التى صدرت تحتها، كما أن كثير من هذه اللوائح لا يمكن الاطّلاع عليها، إذ أنها لم تُنشَر في أي مكان. لتكتسب أي لائحة شرعية القانون وتصبح نافذة لابد أن تكون سليمة فنياً، وألّا تتضارب مع القانون المفسِّرة له ولا مع الدستور. الأهم من ذلك لابد أن تُنشَر في الجريدة الرسمية لوزارة العدل، الأمر الذي لم يكن ينطبق على اللوائح المفسِّرة لقانون التخطيط العمراني والتصرُّف في الأراضي لعام ١٩٩٤.
عدم شفافية و رمادية هذه القوانين وبالتالي الإجراءات البيروقراطية، تجعل مهمة مراقبة السلطة التنفيذية وحماية الحق العام شبه مستحيلة. كيف يمكن أن يعْلَم الناس أن تغيير استخدام هذا الميدان أو بيع هذه المساحة العامة كان مخالِفاً لقانون لا يعلمون بوجوده في المقام الأول. سياسة تغييب أصحاب المصلحة هذه ليست بجديدة على نظام الإنقاذ، بل هي التي سمحت له بالبقاء لثلاثين عاماً، وهذا التعتيم لا يقتصر على مصلحة الأراضي فقط بل يمتد إلى كامل السلطة التنفيذية.
سياسة الحكومات تجاه المساحات العامة تعكس تقديرها للفضاء العام بصفته الأشمل، واقعياً كان أم افتراضياً، كفضاء حُر لتبادل الآراء، ومجتمع مفتوح يتفاعل فيما بينه. المساحات العامة جزء أصيل من هذا التفاعل ومسرح مهم لحدوثه. غالباً ما تَنزَع الديكتاتوريات للتضييق على هذا التفاعل، مدفوعة بغريزة البقاء والدفاع الشَّرِس عن وجودها من عَواقِب هذا التفاعل، بدءاً من الاحتجاج على توجُّه أو سياسةٍ ما، وحتى الاحتجاج على وجودها نفسه. بالمقابل وكما في شعار الواشنطن بوست "فالديمقراطية تموت في الظلمة". لا يمكن للديمقراطية أن تُولَد إلا في فضاء طَلِق ومفتوح لكل أفراد المجتمع بلا استثناء، ولا يمكن أن تكون معافاة في غياب مساحات عامة تحتضن الجميع.
تصميم البوستر: عزة محمد

عمل على إنتاج الحلقة كل من:
بحث وإنتاج: المزن محمد الحسن، مي أبو صالح، و زينب عثمان.
تقديم وتصميم بوستر: عزة محمد.
تحرير: المزن محمد الحسن، مي أبو صالح، زينب عثمان، و حسام هلالي.
موسيقى: الزين ستوديو.
ميكساج: طارق سليمان.
إدارة: زينب عثمان.
معدات ومساعدة تقنية: المصطبة TV
تم التسجيل باستديو
404 Creative Design
الفضاءات العامة رئة تنفُّس في مدينة مزدحمة ومتمدّدة باطّراد كالخرطوم. خلال الثلاثين عاماً الماضية يمكن تلخيص سياسات السُلطة تجاه المساحات العامة واستخدامها في ثلاث كلمات تقريباً؛ الخصخصة، تضييق الاستخدام وتغيير الغرض. نتج عن ذلك تآكل البنية التحتية لمدينة الخرطوم من الميادين والساحات العامة، خاصة خلال سنوات الإنقاذ. يصحو الناس يوماً بعد يوم، ليجدوا هذه الحديقة أو ذاك الميدان العام بِيع لمستثمر ما أو أُجِّر له لسنوات عديدة، وسُرعان ما ترتفع الأسوار حوله، وتُغلَق البوابات دونه، ويضيق الفضاء العام شيئاً فشيئاً.
في هذا المقال، نلقي نظرة على بعض المساحات العامة النشِطة التي نشأت عفوياً بلا تخطيط، ومصير تلك المخطّطة منها. نستكشف دور المساحات العامة في الحياة السياسية للبلاد، ثم نستعرض دور سياسات الخصخصة في خسارة المكان العام بالنظر إلى بعض الأمثلة، و إلى الجانب القانوني لهذه الحملة المُمنهجة لتجريد المدينة من مساحاتها العامة.
يبدأ الفضاء العام فعلياً عند عتبة البيت، "المصطبة" أي الجزء المرتفع قليلاً أمام المنزل، التي تمثِّل مسرحاً للعديد من الأنشطة الاجتماعية، مثل لعب الأطفال أو إفطار رمضان، كثيراً ما تُصمَّم وتبنى مع البيت كامتداد طبيعي له. لكن تركيزنا سينصَبُّ على مستوًى أشمل، على الساحات و الميادين والحدائق العامة، و لنبدأ أولاً بتلك التي تشكّلت تلقائياً بلا تخطيط.
لعل ميدان أتني، على صِغر مساحته وغرابة أصله، وحقيقة أنه ليس مساحة عامة بالمعنى التقني للكلمة، يُعَدُّ واحداً من أكثر الساحات العامة شهرةً، خاصة في السنوات الأخيرة. كما أن لرواده وطبيعة النشاطات فيه صورة خاصة في المخيال الجمعي. جزء كبير من هذه الشهرة الأخيرة يمكن أن يُعزى إلى معرض "مفروش" للكتب المستعملة، الذي انتظم خلال الأعوام ما بين ٢٠١٢ و٢٠١٥ قبل أن تعرقِل السُلطات إقامته.
أتني، كمساحة عامة، وليد الصدفة، أو لعبت الصدفة أثراً كبيراً في وجوده، إذ أن الميدان نفسه ليس ميداناً عاماً، إنما جزء من عقار تملكه عائلة أبو العِلا، تم بناؤه في فترة الاستقلال. العقار الذي صمّمه ن.ستيفانيس يضُم خمسة مبان مكتبية، ويقع في تقاطع شارعيْ القصر والجمهورية، أحد أكثر تقاطعات المدينة نشاطاً، مما جعل الوصول إليه سهلاً من معظم نواحي منطقة وسط الخرطوم. بُنيت أربعة مبانٍ من بين المباني المصممة، بينما بقيت مساحة المبنى الأخير في الوسط خالية إلا من رؤوس الأعمدة ومدخل ومخرج لموقف السيارات في القبو، وهذه هي المساحة التى تحوّلت لاحقاً إلى ساحة أتني. هذا التمركز الوسطي جعل الساحة "مُحتضَنة" بين بقية المباني، و أعطاها نوعاً من الانفصال عن إزعاج الشوارع المحيطة. بقية المباني ترمي بظلها على الميدان منذ الظهيرة، مما جعل استخدامه ممكناً في تلك الأوقات، على عكس ميادين أو ساحات عامة أخرى تكون مشمسة أغلب النهار. فوق هذا كله، فالميدان مُحاط من ثلاث جهات بمحلات تجارية وحوانيت مفتوحة على فرندات، مما يجعله مأهولاً طوال اليوم بدون أن يزدحم.

ربما كانت طبيعة المِلكيّة الخاصة لأتني هي ميزته الأعظم؛ إذ قلَّلَت من قدرة الحكومة –أو الحكومات- على التصرُّف فيه أو تقييد استخدامه. و هذه من المفارقات الغريبة؛ أن تبعية أتني للقطاع الخاص هي ما يحمي استخدامه العام من التغوّل الحكومي! و تصبح هذه المفارقة جليّة بالنظر إلى قصة معرض مفروش.
أُقيمت أول فعالية لمفروش في مايو ٢٠١٢ بمبادرة من جماعة عَمَل الثقافية، في الميدان الذي تم اختياره لرمزيته، إذ كان مكان التقاء المثقّفين لعُقود. المعرض يقوم على فكرة بسيطة، في أول ثلاثاء من كل شهر يفترش الأرض حوالى عشرين إلى خمسين بائعاً للكتب "فراشاً"، لعرض بضاعتهم من الكتب، قديمة كانت أم مستعملة أو جديدة أو نادرة أو ممنوعة، والمعاملات تكون إما بالبيع أو التبادل. كان المعرض يستقطب مئات الروّاد من مختَلَف الفئات والأجيال، كما كان مكاناً للالتقاء بالأصدقاء والنقاش، في فترة تمتد لساعات منذ بدايات المساء وحتى الساعة التاسعة. لم يقتصر المعرض على
الكتب فقط، إذ كانت تُعرض به المشغولات اليدوية، وربما صاحبته عروض موسيقية من حين لآخر.
لم يكن المعرض مدعوماً من أي مؤسسة حكومية ولم يشكِّل هذا أيّ مشكلة في أول عامين من عمره، لكن المضايقات بدأت في إثر التقييد والقمع الذي تلا هبة سبتمبر ٢٠١٣. مُنِع المنظِّمون من إقامة المعرض عبر حبسهم في سلسلة من الإجراءات البيروقراطية بحجّة أن عليهم تسليم قائمة بجميع عناوين الكتب التى ستُعرض، الأمر الذي يُعَدُّ ضرباً من المستحيل لمعرض يقوم أساساً على تبادل رواده لكتبهم المستعمَلة بحُرٍّيّة. وبعد توقُّف دام لعدة سنوات عاد مفروش إلى ساحة اعتصام القيادة ثم أصبح لاحقاً يُقام في ساحة المتحف القومي.

خَلَقَ مفروش مساحة للثقافة في وقت كانت تزداد فيه القيود المفروضة عليها، وتضيق المساحات المفتوحة للعمل العام. وعندما تعذَّر على السلطات التخلُّص من الميدان ببيعه أو منع النشاط العام فيه كما يحدث عادة مع الميادين العامة؛ عمدت إلى التخلص منه عبر ثُقب البيروقراطية الأسود. ولايبدو أن المشكلة كانت في أتني أو في مفروش نفسه بقدر ما كانت المساحة الحرة التي وفّرها، والتي تَرَى فيها السلطة الديكتاتورية سرطاناً لابد من استئصاله.
المساحة الأخرى في الخرطوم التي يُمكن اعتبارها وليدة الصدفة هي شارع النيل، الذي تحوَّل تدريجياً إلى مُتَنفَّس مهم يحتضن المئات من أصحاب الأعمال الصغيرة المُعتمِدين على وجوده كمساحة عامة يرتادها جميع سكان المدينة. بدأ نمط خصخصة الواجهة النهرية عبر بيعها للاستثمار الخاص يظهر في الجزء الشرقي من الشارع. بين جِسرِيّ القوات المسلحة والمنشية، يمكن ملاحظة عدة منشآت ومرافق خاصة مثل النادي الوطني أو صالات الأفراح. نمط التغوُّل على المساحات العامة الذي يتشكَّل في هذا الجزء من شارع النيل يُعمَّد رسمياً في مخطَّط الخرطوم الهيكلي (آخر خطة حضرية للخرطوم الكبرى)، وتحديداً في مخطَّط منطقة المقرن وغابة السنط. يبدو أن هناك نزعة واضحة لتحويل المنطقة إلى غابة إسمنتية من نوع ما؛ إذ أن الخطة تنحى لرفع كثافة المنطقة وتحويلها لمنطقة أعمال مليئة بالأبراج المكتبية. معظم المساحة بين النيل الأزرق وشارع النيل ستكون خاصة، أي أن الوصول للواجهة المائية سيصبح امتيازاً وليس حقاً في مدينة تعبرها ثلاثة أنهار. فُتح عطاء للخطة التى وُضِعت بأفق خمسة وعشرين عاماً للشركات المحلية والعالمية على حد سواء عام ٢٠٠٥. لا يبدو أن مشروع كمشروع المقرن يضع في اعتباره مصير مستخدمي المكان المذكورين آنفاً، سواء أصحاب الأعمال الصغيرة أو زبائنهم من مرتادي المكان، أو حتى النسيج الحضري للمدينة.

ذكر مفروش و شارع النيل مهم لأنهما مساحتان عامتان مركزيتان إلى حد ما، ولأنهما ليستا مخطَّطَتَْين بل نَبَعَتا من حوجة الناس إليهما ونمط استخدامهم للمكان، لكن لفترة وجيزة كانت منطقة الاعتصام أمام القيادة العامة للجيش هي "الميدان" الرئيسي للمدينة. بصورة أو بأخرى كانت بها كل النشاطات التي تتوقع وجودها في ميدان عام، حيث يلتقي الأصدقاء عفوياً بعد ساعات العمل، أو تُقام بعض الفعاليات أو الحفلات الكبيرة، أو المكان الذي يلتقي فيه الناس لمجرد الوَنَس و تبادل الآراء. كل تلك الاستخدامات التى وُظِّفَت لها منطقة الاعتصام نشأت تلقائياً أثناء تواجد الناس فيه، لكن الغرض الذي كان مقصوداً لحظة وصول الجموع إليها كان لإيصال أصواتهم، كان غرضاً سياسياً بالمقام الأول.
هذه القَصْديَّة السياسية هي إحدى السمات المهمة في استخدام الفضاء العام في المدينة، فذاكرة الخرطوم مع الثورات والحِراك المدني ذاكرة عجوزة تمتد إلى ما قبل الاستقلال. من المستحيل الكتابة عن الفضاء العام في مدينة كالخرطوم بدون ذكر اللحظات التي نَقَشَت فيها آلافُ الأقدام ذاكرةً حية، ما تزال معلّقة في أرصفة و تراب وأسفلت الشوارع
ميدان عبد المنعم (سابقاً)، ونادي الأسرة حالياً، كان المسرح الأول لثورة أكتوبر ١٩٤٦ حيث شُيِّع فيه الشهيد القرشي، و المسرح الثاني الأهم كان شارع الجامعة، حيث اتجه آلاف المواطنين في الثامن والعشرين من أكتوبر تجاه القصر الجمهوري، حتى ملأت أجسادهم جميع الشوارع المحيطة به. أما شارع القصر، فقد زارته أقدام الثوار في أبريل 1985، إذ تدفَّقُوا في الثالث من أبريل على امتداد الشارع من محطة السكة الحديدية و حتى القصر نفسه. أهم مسارح ثورة ديسمبر ٢٠١٨ "القيادة" لم تكن ميداناً وإنما مجموعة من الشوارع المحيطة بالقيادة العامة لأركان الجيش، و كنقطة تجمُّع لعدد من الشوارع الرئيسية فهي إحدى مناطق المدينة المركزية.

يتبيّن لنا أنه عدا ميدان عبد المنعم، فإن معظم الحراك المدني كان في الشوارع وليس الميادين العامة. لماذا إذاً كانت معظم الأحداث السياسية الكبيرة مرتبطة بالشوارع؟ لماذا شارع الجامعة وشارع القصر وليس ميدان أبو جنزير مثلاً؟ ميادين مثل ميدان التحرير في القاهرة او ميدان تيانانمن في بكين كانت مسارح لأحداث سياسية مهمة. هل لأن الخرطوم في الأصل تفتقد للميادين العامة؟ أم أن هذه المساحات لها مشاكلها؟ ما الذي منع هذه الميادين من أن تكون مسرحاً لأحداث كتلك؟
إن استعراضاً بسيطاً لتاريخ ميادين الخرطوم المركزية مثل ميدان عبّاس سابقاً، وميداني أبي جنزير والأمم المتحدة، وميدان عبد المنعم، يمكن أن يعطي لمحة عن السبب وراء هذا. الأخيران تحديداً يُلقِيان الضوء على سياسة الخصخصة وتغيير الغرض التى انتهجتها الحكومات السابقة. إن التجلي الأعظم لسياسات الدولة المعادية لوجود فضاء عام حي وحر يظهر في ميدان عبد المنعم، الذي كان بؤرة للتجمعات المطلبية والحراك المدني في الخمسينات والستينات، ثم تراجع دوره حتى اختفى تماماً من المخيلة الجمعية.

لنستهلّ بأول ميدان خُطِّط في الخرطوم، ميدان عبّاس (المسمّى على الخديوي عباس)، كان الميدان الرئيسي لخرطوم كتشنر، وظلّ يخدم كميدان رئيسي للمدينة المتّسِعة باطّراد، يتوسطه-على نمط كثير من المدن العربية- المسجد الكبير ويحيط به السوق الرئيسي، و يقطعه شارع فكتوريا أوسع شوارع الخرطوم. مع تمدُّد المدينة بدأ الميدان يتقزَّم تدريجياً أمام زحف المباني المتطاولة حوله، حتى لم يتبقَّ من الميدان الأصل سوى ميدانيْن صغيرين هما ميدان الأمم المتحدة وميدان أبو جنزير.

سُمِّي ميدان أبو جنزير على صاحب القبر المحاط بالسلاسل الحديدية (الجنازير) الذي كان يتوسط الميدان. في السنوات الأخيرة أُحيط الميدان بأسوار، وأثناء ثورة ديسمبر كانت تتخذه القوات الأمنية كنقطة إرتكاز. كأن احتلال قوات أمنية لميدان عام كأحد أوقح مظاهر عسكرة الدولة لم يكن كافياً؛ فقد تحوَّل الميدان خلال ثورة ديسمبر إلى نقطة لتجميع المعتقلين من المواكب المركزية في منطقة وسط الخرطوم، حيث يتم توزيعهم منها إلى مراكز الاعتقال المختلفة.
أما ميدان الأمم المتحدة فكان ذا استخدامات متعددة، فالجزء الجنوبي منه كان يضُم ملعباً لكرة القدم، والجزء الشمالي به سوق لبيع الخضار يسمى سوق الزنك. صَمَد الميدان أمام التغيّرات حتى عهد نميري، ثم تحوَّل لاحقاً إلى مكتبة القُبّة الخضراء، التي هُدمت ليُبنى في موقعها أبراج الواحة. أما سرّ الاسم هنا فيرجع إلى أنه الميدان الذي كانت تُرفع فيه أعلام الأمم المتحدة.
ميدان عبد المنعم هو الميدان الرئيسي لحي الخرطوم ٣، وخطِّط على نَسَق مُغايِر تماماً لخرطوم كتشنر. فعلى عكس الشبكة المنتظمة بلا انقطاع ، فإن الخرطوم ٣ خُطِّطت حول مركز دائري يمثِّلُه ميدان عبد المنعم. في الخمسينات والستينات كان الميدان مسرحاً لأحداث مهمة في ذاكرة المدينة. أحداث امتدّ أثرها للبلاد كلها، مثل اعتصام مزارعي الجزيرة في الميدان في التاسع والعشرين من ديسمبر ١٩٥٣، حينما احتلّ خمسة وعشرون ألف مُزارعٍ من مشروع الجزيرة بأُسَرٍهٍم ميدان عبد المنعم ونجحوا في إجبار الحكومة على الاعتراف باتحادهم. شهد الميدان أيضاً اجتماع نُوّاب البرلمان في السابع عشر من نوفمبر ١٩٥٨ للتصويت على سحب الثقة من حكومة عبدالله بك خليل ، الذي حاول منعهم بتأجيل جلسة البرلمان وسَلَّم السلطة للجيش في اليوم التالي. موكب تشييع الشهيد القرشي المذكور آنفاً والذي مَثَّل بداية النهاية لحكومة عبود كان أيضاً في الميدان ، حينما حَمَل زملاء وأساتذة القرشي-الطالب بجامعة الخرطوم آنذاك- ومن انضمّ إليهم من المواطنين، جثمانه من مستشفى الخرطوم عبر شارع الاسبتالية عابِرِين جسر الحرية باتجاه حي الخرطوم ٣، حيث صَلَّوا عليه في الميدان، قبل أن يُحمَل إلى مسقط رأسه في قرية القراصَة في ولاية الجزيرة ليُدفن هناك.

تحوَّل الميدان فيما بعد إلى نادي الأُسرة، الذي سمح اتّساعُه باستيعاب مختلف الأنشطة الرياضية والاجتماعية والسياسية. كان النادي يضم ملاعب وصالات لمختلف الرياضات من بينها التنس والاسكواش والبلياردو. بالإضافة لذلك فقد كان مسرحاً للعديد من الندوات السياسية، والأهم أنه كان مقصداً للأُسر التي تسكن في الحي والأحياء المجاورة حتى بداية التسعينات. بعد ذلك بدأت السلطات في تقييد استخدامه، ثم بدأت باقتطاع أجزاء منه لاستخدامها كمقر لمنشآت حكومية أو أجهزة أمنية، كما مُنحت أجزاء من النادي للاستثمار الخاص. الهجمة الشرسة لخصخصة النادي ربما تصير مفهومة بمعرفة أن قطعة الأرض المُقام عليها النادي من بين أعلى الأراضي سعراً في الخرطوم.
من بين ما يجعل ميدان عبد المنعم سِجِلاًّ تاريخياً مهماً لفهم العلاقة بين الفضاء العام والدولة أنه: أولاً رغم أنه صُمِّم أساساً ليخدم على مستوى الحي وربما الأحياء المجاورة كما ذكرنا وليس على مستوى المدينة، لكن كما يتضح من تاريخ الميدان أنه في فترات كان يخدم مستوى أكبر من المدينة نفسها. و ثانياً أنه يكشف الإمكانيات المُهدَرَة لميادين الأحياء، كما يتضح من الفترة التي تم تطويره فيها وكان يضم نادي الأسرة. فوق هذا كله فالميدان مثال على العداء الذي تعاملت به الدولة مع المساحات العامة، خاصة خلال الثلاثين عاماً من عهد الإنقاذ. هذا العداء خلق نمطاً واضحاً يتمثَّل في الحملة الممنهجة للاستيلاء على الميادين العامة، بدءاً من مستوى ميادين المدينة الكبيرة وحتى ميادين الأحياء، بل إن حملة الاستيلاء هذه تصل إلى حد الوقاحة في الميادين الصغيرة المُوزَّعَة في الأحياء البعيدة عن عين الرقابة الشعبية.
إذاً كيف أصبحت ميادين الأحياء صيداً سهلاً لجشع الحكومات والمستثمرين؟ أولاً هنالك مسألة: كيفية بداية نمط الاستيلاء هذا؟ ثم كيف ساعد التخطيط العام للمدينة وتخطيط هذه الميادين نفسها في تسهيل استمراره؟
بحسب د. عثمان الخير، المهندس المعماري والباحث المتخصص في مجال المستوطنات البشرية، فيمكن القول بأن البذور الأولى التى ستُنبِت هذا النمط قد زُرعت خلال عهد الديكتاتورية العسكرية الأولى. خلال عهد عبود خُطِّطَت أحياء بميادين واسعة للغاية، مثل الثورات في أمدرمان. لاحقاً، خلال عهد النميري وأزماته المالية المتلاحقة التفتت الحكومة إلى تلك الميادين، التي ارتفعت قيمة أراضيها بعد أن أصبحت في وسط المدينة المتمددة. إدارة نميري بدأت باستقطاع شريط طولي من الاتجاهات الأربعة للميادين، و تقسيمه إلى قِطَع أرضي سكنية بِيعت في المزاد. بما أن تلك الميادين كانت واسعة للغاية وأكبر من حوجة تلك الأحياء، لم تكن تلك الخطوة إشكالية في ذاتها، كما هي محاولة للتحكم بالتمدُّد العمراني للمدينة الذي بدأ يخرج عن السيطرة. المعضلة أن هذه السياسة فتحت الباب على مصراعيه للاستيلاء على ميادين الأحياء.
أحد أهم العوامل التى سهلت الاستيلاء على ميادين الأحياء و جعلته أمراً تصعُب ملاحظته وبالتالي التصدِّي له، أن معظم هذه الميادين كانت مهجورة تقريباً، أرض خلاء خالية من الحياة قلّما تُستخدَم، وإن حدث فمكبّ نفايات أو طريق مختصر. هذا الهجر رجوعاً إلى د. عثمان الخير، جاء نتيجة لتركُّز الخدمات في أطراف الأحياء لتكون قريبة من الشارع الرئيسي المسفلت، مما أدّى إلى موت مركز الحي الداخلي حيث يكون الميدان عادة. هذا الهجر يبعده عن ذاكرة ساكني الحي وبالتالي يبعد عنه عين الرقابة الشعبية. بالطبع هذا وحده لا يكفي لتفسير ظاهرة تآكُل هذه الميادين، لكن إذا أُضيف لكل ما سبق قانون تخطيط فضفاض بلا حدود واضحة لسلطات الأفراد المنوط بهم تنفيذه، وبلا لوائح مفسِّرة له، تكون المعادلة قد اكتملت لتجريد الأحياء من الميادين والمدينة نفسها من المساحات العامة.
لعل إلقاء الضوء على بعض الجوانب القانونية لتخطيط واستخدام الفضاء العام، يمكن أن يعطي لمحة عن الطريقة التي كان ينظر بها النظام السابق للمساحات العامة، وإلى رمادية و مطّاطية الإجراءات البيروقراطية التي تجعل من حماية تلك المساحات صعبة وتسهِّل خصخصتها ومنحها.
بحسب سلوى أَّبَّسَام، المحامية والناشطة في عدد من منظمات المجتمع المدني، فإن القانون الحالي الذي يحكُم استخدامات الأرض وتخطيطها هو قانون التخطيط العمراني والتصرُّف في الأراضي لسنة ١٩٩٤ الذي ألغى قانون التصرّف في الأراضي لسنة ١٤٠٦هـ وقانون التخطيط العمراني لسنة ١٤٠٦هـ ،كما ألغى قانون إعادة تخطيط المدن لعام ١٩٥٠. قانون ١٩٩٤ مختَصَر وبه ٤٩ مادة فقط، ولذا فهو بحاجة لكثير من اللوائح المفسِّرة والمكمِّلة له، وهنا تبدأ مشكلات هذا القانون. لكن قبل أن نأتي على ذكر ذلك، ينبغي أن نوضِّح مَن هم الأفراد والمؤسسات المعنيون بتنفيذ هذا القانون. أولاً هنالك المجلس الأعلى للتخطيط العمراني، وهو المسؤول الأول عن وضع السياسات والخطط العامة والإشراف على تنفيذها، ثم لكل ولاية هناك وزير التخطيط العمراني ولجنة التخطيط بالولاية.
من بين صلاحيات المجلس الأعلى للتخطيط العمراني المذكورة في المادة ٨ التصديق على تغيير مجال استخدام الأرض، باستثناء الفَسَحَات والميادين العامة، حيث أُعطِيَت هذه الصلاحيات إلى الوزير ولجنة التخطيط في كل ولاية وفقاً للمادة ٩، التي تحدد صلاحيات الوزير، الذي تُسند إليه أيضاً مهمة اعتماد الخرائط الموجّهة. هذه الخرائط هي التى تُحدَّد فيها احتياجات المنطقة الخدمية واستخدامات الأرض، بما في ذلك تحديد المساحات والميادين العامة. المادة ٩ أَعطَت الوزير صلاحية التوصية بتغيير الغرض لأي مساحة عامة "متى ما اقتضت الضرورة ذلك" وأسندت مهمة إجازة أو رفض هذه التوصية إلى لجنة التخطيط في الولاية؛ أي أن اللجنة هي التي تحدِّد ما "الضرورة" التي تستدعي التغيير. ثمة تضارُب غريب في أن قرارات هذه اللجنة تُستأنف عند الوزير نفسه. للوزير أيضا صلاحية التصرُّف في الأرض بأفضلية تخصيص أي قطعة أرض لصالح جهة ما بموجب المادة 42، والتي تشمل أيضاً ضوابط لهذا التخصيص، الذي يمر بالإجراء السابق نفسه، أي أن لجنة التخطيط لها أن تُجيز أو أن ترفض هذا التخصيص.
الآن نعود إلى الجزء الإشكالي من القانون، حيث توضح د. أَّبَّسَام أن تعبيرات مثل "متى ما اقتضت الضرورة ذلك" هي تعبيرات فضفاضة ومرنة، وقابلة للتفسير على هوى السلطة التنفيذية. الوضع الأمثل هو أن أي غموض من هذه الشاكلة يتم إجلاؤه في اللوائح الفنية والتنفيذية التابِعة للقانون. فالذي كان يحدث حقيقةً أنه وخلال الثلاثين عاماً الماضية، كان هنالك توجُّه أو نزعة لتكون اللوائح متضارِبة مع القوانين التى صدرت تحتها، كما أن كثير من هذه اللوائح لا يمكن الاطّلاع عليها، إذ أنها لم تُنشَر في أي مكان. لتكتسب أي لائحة شرعية القانون وتصبح نافذة لابد أن تكون سليمة فنياً، وألّا تتضارب مع القانون المفسِّرة له ولا مع الدستور. الأهم من ذلك لابد أن تُنشَر في الجريدة الرسمية لوزارة العدل، الأمر الذي لم يكن ينطبق على اللوائح المفسِّرة لقانون التخطيط العمراني والتصرُّف في الأراضي لعام ١٩٩٤.
عدم شفافية و رمادية هذه القوانين وبالتالي الإجراءات البيروقراطية، تجعل مهمة مراقبة السلطة التنفيذية وحماية الحق العام شبه مستحيلة. كيف يمكن أن يعْلَم الناس أن تغيير استخدام هذا الميدان أو بيع هذه المساحة العامة كان مخالِفاً لقانون لا يعلمون بوجوده في المقام الأول. سياسة تغييب أصحاب المصلحة هذه ليست بجديدة على نظام الإنقاذ، بل هي التي سمحت له بالبقاء لثلاثين عاماً، وهذا التعتيم لا يقتصر على مصلحة الأراضي فقط بل يمتد إلى كامل السلطة التنفيذية.
سياسة الحكومات تجاه المساحات العامة تعكس تقديرها للفضاء العام بصفته الأشمل، واقعياً كان أم افتراضياً، كفضاء حُر لتبادل الآراء، ومجتمع مفتوح يتفاعل فيما بينه. المساحات العامة جزء أصيل من هذا التفاعل ومسرح مهم لحدوثه. غالباً ما تَنزَع الديكتاتوريات للتضييق على هذا التفاعل، مدفوعة بغريزة البقاء والدفاع الشَّرِس عن وجودها من عَواقِب هذا التفاعل، بدءاً من الاحتجاج على توجُّه أو سياسةٍ ما، وحتى الاحتجاج على وجودها نفسه. بالمقابل وكما في شعار الواشنطن بوست "فالديمقراطية تموت في الظلمة". لا يمكن للديمقراطية أن تُولَد إلا في فضاء طَلِق ومفتوح لكل أفراد المجتمع بلا استثناء، ولا يمكن أن تكون معافاة في غياب مساحات عامة تحتضن الجميع.
تصميم البوستر: عزة محمد